ترجمة وتحرير: نون بوست
قاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في ولايته الثانية هجومًا مستمرًا على أسس النظام العالمي؛ فقد انتهك القانون الدولي بشكل سافر، ودمّر نظام التجارة العالمية بفرض رسوم جمركية أحادية الجانب على عشرات الدول، وسحب الولايات المتحدة من عدد من أهم الهيئات متعددة الأطراف.
لم تكن الولايات المتحدة دائمًا المدافع المثالي عن التعاون الدولي؛ فقد مالت إلى الانعزالية عندما كانت قوة صاعدة، وإلى الأحادية عندما أصبحت قوة عظمى، لكن نهج ترامب في إعادة تشكيل النظام العالمي يقدم مزيجًا جديدًا وخطيرًا من الانعزالية والتضخم السلطوي، فهو يحتقر التعددية ويتمسك بممارسة القوة الخام، وكذلك يفعل أنصاره. وهذا يعني على الأرجح أنه مهما حدث في واشنطن، فإن “الترامبية” ستبقى بعد رحيل الرئيس الذي سيبلغ الثمانين من عمره هذا العام.
ولطالما توقع المحللون السياسيون والعلماء نهاية عصر الأحادية القطبية للولايات المتحدة وصعود نظام أكثر تعددية، وغالبًا ما يُشار إلى ترامب باعتباره عاملًا مسرّعًا في هذه العملية. لكن الواقع أنه أوجد شيئًا مختلفًا تمامًا؛ حيث ستظل الولايات المتحدة أقوى دولة في العالم من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية لعدة سنوات أخرى، لكنها ستكون غائبة عن النظام الدولي القائم، إن لم تكن معادية له فعليًا، وهذا التكوين الفريد ليس تعددية قطبية، بل هو “العالم ناقص واحد”.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو كيف ينبغي للمجتمع الدولي أن يتصرف؟ فالحفاظ على التعاون العالمي رغم معارضة واشنطن سيكون أمرًا صعبًا، والنجاة في مواجهة “الترامبية” والخروج من حقبته بشكل أقوى سيضطر المؤسسات متعددة الأطراف القائمة إلى التكيف وإصلاح نفسها ومضاعفة جهودها، وإذا نجحت في ذلك، فستُجبر الولايات المتحدة يوماً ما على العودة بشروط أكثر تكافؤًا.

لقد اكتسبت فكرة “العالم ناقص واحد” أهمية جديدة في الولاية الثانية لترامب؛ فمنذ أوائل عام 2025، استخدمت مصطلحات مثل “العالم ناقص “إكس”“، و”العالم ناقص الولايات المتحدة“، و”العالم ناقص واحد” لوصف النظام العالمي الجديد. وساعد رئيس وزراء سنغافورة السابق لي هسين لونغ في نشر هذا المفهوم في يوليو/ تموز، مستخدمًا عبارة “العالم ناقص واحد مؤقتًا” للإشارة بشكل أضيق إلى إدارة الاقتصاد والتجارة العالمية من دون قيادة أميركية، لكن هذا الوضع يتجاوز الاقتصاد ليعكس التحدي الجوهري لعصرنا.
وقد وصفت وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت الولايات المتحدة بأنها “الدولة التي لا غنى عنها”، والتي لا يمكن من دونها إنشاء التعاون الدولي أو الحفاظ عليه، وقد عزز هذا الافتراض المخاوف من أن العالم سيصبح أقل تعاونًا وأكثر عنفًا مع تخلي واشنطن عن التزامها بالنظام العالمي.
غير أن تاريخ العلاقات الدولية يروي قصة مختلفة؛ إذ يرى باحثون مثل ستيفن كراسنر وروبرت كيوهان أن وجود قوة مهيمنة عالميًا ليس شرطًا لازمًا للانفتاح الاقتصادي أو التعاون السياسي. فالمؤسسات الدولية بمجرد تشكيلها تصبح ذات طابع ثابت؛ فهي لا توجد بدافع الإيثار الجماعي، بل لأنها تخدم المصالح الجوهرية لأعضائها، واستمرار هذه هذه المصالح يعني استمرار التعاون أيضًا، وهذا يعني أن التعددية يمكن أن تبقى حتى عندما تمتنع قوة مهيمنة أو تنسحب أو تعارض التعاون بين الآخرين.
والحقيقة أن تاريخ القرن العشرين يُظهر أن بعض العناصر الأساسية للنظام الدولي الحالي نشأت من دون دعم أي قوة مهيمنة؛ فقد أصبح إنهاء الاستعمار والمساواة العرقية مثلًا معايير عالمية دون الدعم “الذي لا غنى عنه” من الولايات المتحدة، بل على الرغم من مقاومة واشنطن الأولية.
ففي مؤتمر فرساي عام 1919، عارض الرئيس الأميركي وودرو ويلسون مسعى اليابان لإدراج بند المساواة العرقية ضمن المبادئ التأسيسية لعصبة الأمم، وقد فعل ذلك انطلاقًا من قناعاته العنصرية الخاصة، وأيضًا في محاولة لاسترضاء سياسيين محليين قلقين من الهجرة اليابانية، وكذلك حلفاء غربيين مثل أستراليا، ولكن رغم هذه المعارضة، واصل ما نعرفه اليوم باسم “الجنوب العالمي” الدفاع عن الفكرة، كما ظهر بشكل بارز في مؤتمر باندونغ الآسيوي-الأفريقي عام 1955 في إندونيسيا.
وإلى جانب دفاعه عن المساواة العرقية، طالب مؤتمر باندونغ أيضًا بإنهاء الاستعمار في آسيا وإفريقيا بشكل فوري، وكان الدعم الأميركي حينها أيضًا فاترًا في أفضل الأحوال. فقد ضغطت واشنطن، بمساعدة حليفها الرئيسي بريطانيا، على الدول المشاركة في المؤتمر لرفض الدعوة إلى إنهاء الاستعمار، خشية أن يشجع ذلك على استيلاء الشيوعيين على الدول التي حصلت على استقلالها حديثًا. وبالطبع، استمر الكفاح من أجل إنهاء الاستعمار، ليُخلق العالم المكوّن من 193 دولة ذات سيادة هم أعضاء الأمم المتحدة اليوم.
لقد أظهرت واشنطن باستمرار أنها فاعل عدواني سلبي على المسرح العالمي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية؛ حيث لم تحترم المؤسسات والقواعد التي أنشأتها إلا عندما كانت تخدم مصالحها، وتجاهلتها عندما لم تكن كذلك. ورغم أن الولايات المتحدة تظل جزءاً من العديد من المعاهدات متعددة الأطراف، فإنها تظل حذرة من أي نتائج لا تروق لها؛ حتى أنها لجأت في الحالات القصوى إلى الترهيب والمقاطعة وفرض العقوبات على المؤسسات التي تعترض على أفعالها.
وهناك ثلاثة أمثلة حديثة – اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واتفاق باريس بشأن تغير المناخ، والمحكمة الجنائية الدولية – تُظهر كيف يمكن للمؤسسات والاتفاقيات متعددة الأطراف أن تستمر حتى عند غياب الولايات المتحدة غائبة أو عدم التزامها أو حتى عداءها الصريح.
فبعد مشاركتها في المؤتمر الثالث لقانون البحار التابع للأمم المتحدة، رفضت واشنطن التوقيع على الاتفاقية الناتجة عند إقرارها عام 1982، لكن اتفاقية قانون البحار كانت فعّالة على نطاق واسع في إرساء إطار قانوني عالمي مستقر للمناطق البحرية وحقوق الملاحة، وقد عززت التجارة وقدمت آلية لحل النزاعات سلميًا، كما أنها خدمت مصالح الولايات المتحدة نفسها؛ حيث تواصل واشنطن الاستعانة بأدوات الاتفاقية ضد المطالبات الإقليمية الواسعة للصين في بحر الصين الجنوبي، غير إصرار الولايات المتحدة على عدم الانضمام رسميًا إلى الاتفاقية منح الصين مبررًا لاتهام واشنطن بالنفاق. ويُمثل قرار الولايات المتحدة بالتصرف بما يتماشى مع الاتفاقية رغم رفضها الانضمام إليها السيناريو الأفضل لمفهوم “العالم ناقص واحد”؛ حيث تواصل واشنطن الالتزام بالمعايير الدولية حتى رغم رفضها رسميًا.
ويمكن أن يستمر التعاون أيضًا حتى في الحالات التي تنسحب فيها الولايات المتحدة من الاتفاقيات متعددة الأطراف وتنتهكها، ورغم أن خروج واشنطن من اتفاق باريس سيسبب آثارًا ضارة بالتأكيد. بعضها سيكون داخليًا، مثل التراجع عن القرارات المتعلقة بالمناخ وزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة لاحقًا. أما على الصعيد الدولي؛ فقد يقوض الانسحاب الأميركي تمويل اللوائح المتعلقة بالمناخ، مثل تعويض البلدان التي تتبنى معايير الانبعاثات على حساب نموها الاقتصادي.
ولكن بالرغم من أن فقدان الدعم المالي الأميركي سيضعف فعالية اتفاقية باريس، إلا أن الدول الأخرى لا تزال ملتزمة بتحقيق هدفها المتمثل في الوصول إلى صافي انبعاثات كربونية صفرية. فقد تعهدت الصين، أكبر ملوث في العالم اليوم، بتحقيق هذا الهدف بحلول عام 2060. كما تعهد الاتحاد الأوروبي، رابع أكبر ملوث في العالم، بتحقيق صافي صفر بحلول عام 2050، وكذلك اليابان، بينما وافقت الهند على تحقيق هذا الهدف بحلول عام 2070. والحقيقة أنه مهما فعلت الولايات المتحدة، فإن الموقعين الآخرين على اتفاق باريس لا يزالون ملزمين بمراجعة وتحسين أهدافهم الوطنية لخفض الكربون كل خمس أو عشر سنوات، ومع انخفاض تكلفة تقنيات الرياح والطاقة الشمسية وانتشارها، قد تتجاوز الدول هذه الأهداف بالفعل.
وأخيرًا يأتي مثال المحكمة الجنائية الدولية؛ ففي عام 1998، صوتت واشنطن ضد نظام روما الأساسي الذي أنشأ المحكمة، بدعوى أنه قد يعرض المواطنين والدبلوماسيين والجنود الأميركيين للخطر، والأمر والأكثر دراماتيكية من ذلك هو أن الولايات المتحدة انتقمت الآن من المحكمة الجنائية الدولية لرفعها دعوى ضد قادة إسرائيليين بفرض عقوبات على قضاتها ومدّعيها. لكن حلفاء الولايات المتحدة، بما في ذلك بريطانيا، واصلوا دعم استقلال المحكمة ورفضوا حذو حذوها. ونتيجة لذلك، تظل المحكمة الجنائية الدولية أداة لكبح جماح إفلات القادة من العقاب ورادعًا ضد الجرائم الإنسانية.

وإذا كان النهج الأميركي تجاه التعددية الدولية مشروطًا دائمًا، فقد أصبح في عهد ترامب عدائيًا بشكل صريح؛ وقد أكد ترامب على هذا العداء في إستراتيجية الأمن القومي لعام 2025، التي تندد بـ”شبكة من المؤسسات الدولية … تسعى صراحةً إلى إذابة سيادة الدول الفردية”. وتسعى الولايات المتحدة الآن إلى إقامة علاقات ثنائية انتقائية وإقصائية وتبادلية مع الحلفاء والخصوم على حد سواء.
ومنذ عام 2016؛ انسحب ترامب أو أعلن خططاً للانسحاب من عدة اتفاقيات ومؤسسات متعددة الأطراف، شملت اتفاقية باريس، والاتفاق النووي الإيراني، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، ومعاهدة الأجواء المفتوحة، وغيرها. بالإضافة إلى ذلك، أعلنت إدارة ترامب الثانية نيتها الانسحاب من منظمة الصحة العالمية والانسحاب مجددًا من اليونسكو.
وأعلن ترامب أيضًا عن خطط لخفض ميزانية الأمم المتحدة، وأبرزها تقليص 800 مليون دولار من عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، وهي أموال سبق أن خصصها الكونغرس. وبينما وافقت الإدارة على تقديم بعض التمويل المستهدف لمهام حفظ السلام التي تدعمها، مثل تلك الموجودة في هايتي ولبنان وجمهورية الكونغو الديمقراطية، فإن التخفيضات الأوسع أدت إلى تقليص قوة حفظ السلام العالمية بنسبة 25 بالمائة. كما أن ترامب يحجب المساهمات الإلزامية لواشنطن، مما أدى إلى تقديرات بأن إجمالي تخفيضاته لميزانية الأمم المتحدة سيبلغ أكثر من ملياري دولار. ونتيجة لذلك؛ تدرس الأمم المتحدة الآن خفض ميزانيتها بأكثر من 500 مليون دولار وتقليص عدد موظفيها بما يقرب من 20 بالمائة
ومن المفارقات أن ترامب يطالب علنُا بجائزة نوبل للسلام بينما يقوّض عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، التي كانت رغم عيوبها أداة أساسية في تخفيف النزاعات وإنقاذ الأرواح.
غير أن هذا التدمير ليس القصة الكاملة؛ فحتى مع ترسيخ ترامب سمعة الولايات المتحدة كـ “زعيم الغياب أو الانسحاب” على الساحة العالمية، فقد نجت أشكال التعاون الدولي. نحن نشهد الآن قوى صاعدة تتحدى رسوم ترامب وتهديداته من خلال منتديات متعددة الأطراف مثل البريكس، ومجموعة العشرين، ومنظمة شنغهاي للتعاون، ورابطة دول جنوب شرق آسيا كآليات لمواجهة ذلك.
وقد تحدّت عدة دول من مجموعة البريكس، خصوصًا الأعضاء المؤسسين، ترامب علنًا رغم الرسوم الجمركية الثقيلة. ففي حالة البرازيل، استمرّت محاكمة الرئيس السابق جايير بولسونارو رغم ضغوط البيت الأبيض لإعفائه من جرائمه. أما رئيس جنوب إفريقيا سيريل رامافوزا، فقد زار البيت الأبيض ورفض علنًا ادعاء ترامب بأن البيض في جنوب إفريقيا يتعرضون للاضطهاد. واستخدمت الصين هيمنتها على سلاسل توريد المعادن الحيوية للتفوق على ترامب في حربه التجارية. أما الهند، التي لا تملك مثل هذه الأوراق، فقد ولّد ترامب ضدها رد فعل عكسي أقرب إلى الداخل: إذ يشعر مجتمع السياسات الأميركي الآن بالارتباك والغضب لأن البيت الأبيض نفّر شريكًا استراتيجيًا أساسيًا ضد الصين، حيث كانت نيودلهي حجر زاوية في استراتيجية ولاية ترامب الأولى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وفي ديسمبر/ كانون الأول 2024؛ هدد ترامب بصفته رئيسًا منتخبًا بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 بالمائة على أي عضو في مجموعة البريكس لا يتخلى عن جهوده لاستبدال الدولار الأميركي. وفي يوليو/ تموز 2025، عندما عُقدت قمة البريكس في ريو دي جانيرو، أعلن ترامب عن رسوم إضافية بنسبة 10 بالمائة على السلع الواردة من أي دولة تنضم إلى ما وصفه بـ “سياسات بريكس المعادية لأمريكا”، مضيفاً أنه “لن تكون هناك استثناءات.” ورداً على ذلك، قللت بعض دول البريكس، مثل البرازيل، من جهودها لإنشاء عملة مشتركة. لكن ضغوط ترامب قد تأتي بنتائج عكسية، إذ قد يزيد رغبة هذه الدول في تطوير أنظمة دفع بديلة وتقليل اعتمادها على الدولار.
أما قمة منظمة شنغهاي للتعاون في أغسطس/ آب 2025 في تيانجين بالصين، فقد وفرت منتدى آخر لإظهار المقاومة متعددة الأطراف لسياسات ترامب. وهناك التقى الرئيس الصيني شي جين بينغ ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي وأعلنا أن نيودلهي وبكين شريكان لا خصمان.
غير أن الأمر لا يقتصر على منظمة شنغهاي للتعاون؛ فقد أتاحت مجموعة العشرين لدول مثل البرازيل والهند وإندونيسيا وجنوب أفريقيا فرصة لتعزيز ريادتها العالمية. ففي عام 2022، ساعدت قمة إندونيسيا التكتل على إدارة حالة الارتباك الناجمة عن الصراع الروسي والأوكراني. وفي عام 2023، ساعدت قمة الهند على ضمان عضوية الاتحاد الأفريقي في مجموعة العشرين، موسّعة بذلك دور الجنوب العالمي. أما قمة نوفمبر/تشرين الثاني 2025 في جوهانسبرغ فكانت محطة بارزة أخرى؛ إذ كانت أول قمة من هذا النوع تُعقد في أفريقيا، ورغم مقاطعة واشنطن لها، فقد تمحورت حول قضايا التنوع والشمول والمساواة. ولم ينضم أي عضو آخر إلى مقاطعة الولايات المتحدة، مما أبرز عزلة واشنطن العالمية بشكل أكبر.
وبالإضافة إلى مظاهر التضامن التي ظهرت في هذه المنتديات العالمية، برز أيضًا اتجاه نحو الإقليمية. فعلى مدى العقدين الماضيين، تكاثرت العمليات الأفريقية لفرض السلام. إذ بات الاتحاد الأفريقي والمؤسسات الإقليمية الفرعية مثل الجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا، إلى جانب تحالفات صغيرة مؤقتة، ينفذون 10 عمليات في 17 دولة أفريقية. وقد حققت هذه العمليات قدرًا من النجاح في احتواء النزاعات التي غذتها الجماعات المتمردة في حوض تشاد وسيراليون والصومال. ورغم سجلها المتباين، فقد أظهرت هذه العمليات سمات فريدة مثل الاستجابات المحلية والمحددة بالسياق لمظاهر انعدام الأمن، والاستعداد لتنفيذ نطاق أوسع من العمليات مقارنة بالأمم المتحدة. والأهم من ذلك، أن هذه المشاريع كانت ممولة إلى حد كبير من قبل الاتحاد الأوروبي، بينما لعبت الولايات المتحدة دورًا محدودًا للغاية.
وإلى جانب كل هذه الهيئات، ما زالت الأمم المتحدة موقعًا رئيسيًا للتعاون. فكثيرًا ما تنتقد الولايات المتحدة المنظمة لفشلها في حماية حقوق الإنسان أو تستخدمها كمنصة لتسجيل نقاط سياسية ضد خصومها الاستبداديين. ومع ذلك، فقد صمدت الأمم المتحدة كمكان عملت فيه الدول الديمقراطية وغير الديمقراطية معًا بفاعلية لتعزيز جهود الإغاثة الإنسانية.
والجدير بالذكر أن مساهمة الصين في المنظمة قد ازدادت بشكل ملحوظ خلال العقدين الماضيين؛ ففي حين تساهم الولايات المتحدة بنسبة 22 بالمئة من الميزانية العادية للمنظمة و26.2 بالمئة من عمليات حفظ السلام، أصبحت الصين ثاني أكبر مساهم، إذ تدفع 20 بالمئة من الميزانية العادية و23.8 بالمئة من عمليات حفظ السلام. كما توفر الصين أكبر عدد من قوات حفظ السلام بين الأعضاء الخمسة الدائمين في مجلس الأمن الدولي. أما تمويلها الطوعي لوكالات الأمم المتحدة الإنسانية فما يزال منخفضًا نسبيًا، غير أنه إذا أرادت بكين الاستفادة من انسحاب الولايات المتحدة، فقد يتزايد هذا التمويل بسرعة.

في السنوات المقبلة، ستواصل القوى الصاعدة والمؤسسات متعددة الأطراف التطور استجابةً لهجوم ترامب. لكن يبقى السؤال: هل يمكنها مواجهة لحظة “العالم ناقص واحد” والحفاظ بنجاح على التعاون العالمي والتجارة الحرة؟
ستكون استجابة الصين حاسمة على نحو خاص؛ فمن المحتم أن تقودها مصالحها الذاتية، في محاولة لكسب النفوذ على حساب واشنطن. ولكن إذا تصرّفت بكين بحكمة وضبط للنفس، فإن ذلك سيؤدي إلى تعزيز التعاون العالمي بدلاً من الدفع نحو عالم تهيمن عليه الصين.
وقد تصبح منطقة آسيا والمحيط الهادئ، التي تعتمد تقليديًا على الولايات المتحدة في مجال الأمن، مركز النظام العالمي “ناقص واحد”. وهنا تبرز اتفاقيتان تجاريتان تستحقان اهتمامًا خاصًا: الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة واتفاقية التجارة الحرة بين الصين والآسيان. فالشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، التي تضم 15 عضوًا ودخلت حيز التنفيذ في عام 2022، تتجه لتصبح أكبر تكتل تجاري في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي وعدد السكان. إذ تجمع الصين واليابان وكوريا الجنوبية ودول الآسيان، وتشكل حاليًا نحو 30 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتهدف الاتفاقية إلى إلغاء أكثر من 90 بالمئة من الرسوم الجمركية داخل التكتل خلال 20 عامًا، ووضع قواعد مشتركة في مجالات خلافية مثل التجارة الإلكترونية والملكية الفكرية.
أما اتفاقية التجارة الحرة بين الصين والآسيان، التي دخلت حيز التنفيذ عام 2010 وتم تطويرها في 2015 ثم مرة أخرى في أكتوبر/تشرين الأول 2025، فهي تعزز التعاون بين الصين وآسيان في مجالات تشمل الاقتصاد الأخضر وربط سلاسل التوريد. وقد اعتبر بعض المراقبين ذلك مكسبًا إستراتيجيًا واضحًا لبكين، في وقت ضغطت فيه واشنطن على دول رابطة جنوب شرق آسيا لفك الارتباط مع الصين والامتثال للتعريفات الجمركية العقابية الأمريكية ضد الشحنات الصينية. لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ إذ لم تكن دول الآسيان لتقف بالكامل إلى جانب واشنطن. بل إنها تستخدم بالفعل اتفاقيات مثل اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة والآسيان “الكافتا” لتعزيز مصالحها الخاصة ومعالجة مخاوفها من النفوذ الصيني. وفي الواقع، فإن ضغط دول آسيان هو ما دفع بكين إلى الحد من مكاسبها الاقتصادية، والانخراط مع هذه الدول في إطار متعدد الأطراف، والسعي إلى علاقة تدعم التجارة الحرة ونظامًا إقليميًا منفتحًا وشاملًا.
ويُعدّ الاتحاد الأوروبي لاعبًا رئيسيًا آخر ستكون استجابته للحظة “العالم ناقص واحد” حاسمة. ففي عام 2021، أطلق التكتل خطة “البوابة العالمية” بقيمة 300 مليار دولار، والتي تجمع بين مشاريع البنية التحتية والطاقة وحماية المناخ لمواجهة النفوذ الصيني حول العالم. ففي أفريقيا مثلًا، موّلت “البوابة العالمية” مشروع خط أنابيب الهيدروجين “ساوث إتش 2 كوريدور” من شمال أفريقيا إلى أوروبا، إضافة إلى مشاريع لتعزيز الأمن الغذائي في شرق أفريقيا. كما يعمل الاتحاد الأوروبي حاليًا على إنهاء اتفاقية تجارة حرة مع دول ميركوسور – الأرجنتين وبوليفيا والبرازيل وباراغواي وأوروغواي – لإلغاء الرسوم الجمركية على معظم السلع، وتوسيع الاستثمارات، وضمان الاستدامة.
ومن الناحية المثالية، يمكن لأوروبا والصين الانخراط في مناطق مثل أفريقيا وأمريكا الجنوبية بطريقة تكاملية لا صفرية. ففي أفريقيا، على سبيل المثال، أبدت الصين استعدادًا للتوافق مع مبادرات “البوابة العالمية” للاتحاد الأوروبي. والأهم من ذلك أن هذا الموقف لا ينبع من كرم أوروبي أو صيني، بل نتيجة مطالب قادة أفريقيا وأمريكا الجنوبية أنفسهم.
وتلعب الهند دورًا محوريًا في تحديد مدى فعالية استجابة العالم لغياب واشنطن. فبينما واجهت ضغوط ترامب بقوة، تعمل نيودلهي بسرعة على توسيع علاقاتها التجارية وترسيخها مؤسسيًا. وتشمل هذه الجهود مفاوضات لتعزيز اتفاقياتها التجارية القائمة مع الآسيان واليابان، واتفاقية تجارية جديدة مع المملكة المتحدة في يوليو/تموز 2025. كما وقّعت الهند في عام 2024 اتفاقية تجارة مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية، التي تضم دولاً غير أعضاء في الاتحاد الأوروبي مثل آيسلندا وليختنشتاين والنرويج وسويسرا. وكما هو الحال مع الصين، تجري الهند جزءًا كبيرًا من تجارتها مع روسيا بالعملات الوطنية. وقد حافظت أيضًا على علاقات أمنية مهمة مع موسكو، التي ما تزال تزوّدها بـ 36 بالمئة من وارداتها من الأسلحة. وحتى إذا تحسّنت العلاقات لاحقًا مع واشنطن، فإن التزام نيودلهي المستمر بالاستقلالية الإستراتيجية سيُضعف هيمنة كل من الولايات المتحدة والصين، بما يضمن استدامة نظام “العالم ناقص واحد”.
وأخيرًأ، يبقى أن نرى ما إذا كانت الأمم المتحدة سترتقي إلى مستوى التحدي عبر استغلال ترامب كفرصة لإجراء إصلاح طال انتظاره. فمنذ بداية ولاية ترامب الثانية، قاطعت الولايات المتحدة مؤتمر المحيطات في فرنسا والمؤتمر الرابع لتمويل التنمية في إسبانيا. ومع ذلك، حضر الغالبية العظمى من أعضاء الأمم المتحدة هذه الاجتماعات. ولم تمنع غياب واشنطن الدول من المضي قدمًا في أعمالها المعتادة، من خلال التوصل إلى اتفاقيات لحماية الحياة البحرية، وتقديم إعفاءات من الديون، وتعبئة الالتزامات المالية لمواجهة تغيّر المناخ.
وللبناء على هذا النجاح، يتعيّن على الأمم المتحدة أن تبذل المزيد من الجهد للتكيّف. ويشمل ذلك إجراء تخفيضات في الميزانية للتركيز على المجالات ذات الأولوية وتقليص الازدواجية من خلال الاستغناء عن وكالات لم تعد أساسية لمهامها الجوهرية. أما الخطوة الأكثر جذرية، التي اقترحها مسؤول أممي سابق ورئيس وزراء السويد كارل بيلدت وآخرون، فهي نقل مقر الأمم المتحدة من مدينة نيويورك. إذ من شأن ذلك أن يقلّص التكاليف ويزيل احتمال أن تمنع الولايات المتحدة منح تأشيرات لمندوبين من دول تُعتبر غير صديقة لواشنطن. ومن الناحية المثالية، ينبغي لكل دولة أن تردّ على تخفيضات ترامب بتقديم مزيد من الدعم، سواء داخل ميزانية الأمم المتحدة أو خارجها، ودفع المنظمة إلى حشد الموارد والخبرات من القطاع الخاص. ويمكن أن تضمن هذه الإجراءات ألا تموت الأمم المتحدة بسبب عداء ترامب.
متى ينتهي “العالم ناقص واحد”؟ يعتمد ذلك على كل من السياسة الداخلية الأمريكية والضغوط الخارجية. فرغم رفض ترامب للتعددية وللمساعدات الخارجية، فإن انسحاب الولايات المتحدة من الساحة العالمية لا يزال بعيدًا عن الاكتمال أو الاستحالة. ووفقًا لاستطلاع أجراه مركز بيو للأبحاث في مارس/آذار 2025، فإن 47 بالمئة من البالغين الأمريكيين يؤيدون مشاركة الولايات المتحدة النشطة في الشؤون العالمية، فيما يرى 64 بالمئة أن على الولايات المتحدة أن تتوصل إلى حلول وسط مع الدول الأخرى بشأن القضايا الدولية الكبرى، وتفضّل الأغلبية تقديم مساعدات خارجية للدول النامية تشمل الغذاء والدواء والملابس.
كيف يجب أن يستجيب العالم إذا ما تخلصت الولايات المتحدة أخيرًا من ترامبية؟ يعتمد الكثير على كيفية قيام البيت الأبيض الجديد بإصلاح الضرر. على سبيل المثال، ما مدى سرعة تحرك الولايات المتحدة للعودة إلى المؤسسات، وسداد المساهمات المفقودة أو المقتطعة، أو استعادة العلاقات مع الحلفاء والشركاء من كندا إلى الهند؟ مهما فعلت واشنطن، ستختلف الردود. قد يكون حلفاء الناتو حريصين على استعادة التحالف إلى قوته السابقة بسبب التهديدات من روسيا والإرهاب العابر للحدود. على النقيض من ذلك، ستقاوم دول البريكس أي محاولة أمريكية لاستعادة دورها الاقتصادي السابق.
هناك سيناريوهان قد يصفان عودة واشنطن إلى النظام العالمي: الابن الضال والمشاغب الذي لا غنى عنه، فقد تفضّل النخبة الليبرالية في واشنطن السيناريو الأول، حيث تُستقبل الولايات المتحدة، مثل الابن الضال في القصة التوراتية، بأذرع مفتوحة. لكن هذا السيناريو غير مرجّح، فالعالم قد يغفر، لكنه لن ينسى سنوات ترامب، ولا الأضرار السابقة التي ألحقتها الولايات المتحدة بالنظام القائم على المبادئ. ورغم أن ذاكرة الشعوب قد تكون قصيرة ومتقلبة، فإن الولايات المتحدة من غير المرجح أن تستعيد الثقة الحقيقية لحلفائها وشركائها السابقين، حتى داخل الغرب.
ويؤدي ذلك إلى السيناريو الثاني، حيث لم تعد الولايات المتحدة زعيمة “العالم الحر”، بل مجرد دولة مارقة لا غنى عنها. فالعالم سيظل يرى القدرات العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأمريكية على أنها ضرورية لإدارة العديد من التحديات العالمية، لكنه لن يرغب في أن تتولى واشنطن زمام القيادة العالمية.
وببساطة، لا عودة إلى الهيمنة الجيوسياسية الأمريكية أو إلى نسخة جديدة من الهيمنة الليبرالية. سواء تبع ترامب خليفة جمهوري يواصل سياساته أو ديمقراطي حسن النية يسعى إلى عكسها، فإن ترامب قد حطّم ثقة العالم واعتماده على الولايات المتحدة. فلا أحد ينتظر رئيسًا آخر مثل جو بايدن ليخبر الحلفاء المضطربين أن “أمريكا عادت”.
وستكون النتيجة نظامًا عالميًا أكثر تعددية وتشابكًا؛ إذ ستجد واشنطن نفسها تعيش في منظومة أكثر لامركزية، تتشكل بدرجة أقل من القوة أو الغاية الأمريكية، وبدرجة أكبر من القوى العظمى والمتوسطة الأخرى متداخلة في شبكة من الروابط الاقتصادية والأمنية.
باختصار، بحلول الوقت الذي تكون فيه الولايات المتحدة مستعدة للعودة إلى التعددية، سيكون العالم قد تجاوزها. وقد يكون الخيار الوحيد أمام واشنطن هو إعادة الانضمام إلى النظام الدولي ككيان أضعف وعلى أسس أكثر مساواة.
المصدر: فورين بوليسي