“الله يجيرنا من شر هالضحكات، آخرة هالضحك بكي، الله يكملها معنا”.. هذه بعض العبارات المألوفة في الحياة اليومية في الشارع السوري، ويضم السكان الذين بقوا خلال سنوات الثورة تحت حكم الأسد أو تحررت مناطقهم ثم استعاد الأسد سيطرته عليها، وعانى هؤلاء من أساليب عنف نفسي شديد فضلًا عن الأذى الجسدي.
وقد تبدو هذه جملًا عابرة وتعبيرات لغوية خالصة، لكنها في الواقع تعكس بعدًا نفسيًا عميقًا مضطربًا، يخاف من لحظة الفرح ويتعامل معها بوصفها تمهيدًا لحدث سيئ سيتبعها، وبداية لقلق جديد وخسارة قادمة لا محالة، فيتحول الفرح والضحك بذلك إلى مؤشر إنذار بدل أن يكون مساحة راحة.
يعيش المجتمع السوري في الداخل وخاصة في المناطق التي بقيت فترة طويلة تحت سيطرة النظام البائد، حالة نفسية وشعورية مركبة ومعقدة لا يمكن اختزالها بوصفها تجارب فردية أو شخصية عايشها البعض دونًا عن الآخرين بل تجربة وجودية ممتدة أثرت على نظرة المجتمع ككل نحو النفس والآخر والحياة، وهو ما نطلق عليه في علم النفس بـ الصدمة النفسية المركبة والصدمة الجمعيّة.
الصدمة النفسية المعقدة والصدمة الجمعيّة
تحدث الصدمة النفسية المعقدة complex trauma عند التعرض لسلسلة من الأحداث الصادمة والمؤلمة أو التعرض لحدث واحد بصفة مستمرة على مدار شهور أو سنوات. وحينها لا يكون الخطر طارئًا والأمان هو السائد كالعادة بل يكون الخطر والترقب جزءًا أصيلًا من الحياة اليومية ويصبح الجسد في حالة مستمرة من التيقظ والتنبيه للخطر المحدق الذي سيأتي على حين غرة.
أما عندما تتعرض مجموعة كبيرة من الأشخاص لحوادث كارثية سواء كانت بفعل طبيعي أو تدخل بشري، فيحدث ما يسمى بالصدمة الجمعيّة collective trauma، والتي تترك آثارًا و ندوبًا عميقة لا على مستوى الأفراد فحسب بل تتعداها لتشمل آثارًا على المستوى الثقافي أو الاجتماعي و تترسخ لتصبح جزءًا أصيلًا من الذاكرة الجمعية لهذا المجتمع ككل.
ينعكس هذا التبلد في الحياة اليومية بصورة إظهار برود شديد تجاه الأحداث السعيدة أو الحزينة على حد سواء، حيث تغلب الغلظة اللفظية وانعدام التعاطف بين الأفراد واللامبالاة تجاه موت الآخرين
ففي ظلِّ الظروف الصعبة التي عايشها المجتمع السوري تحت حكم نظام الأسد القمعي فإن معظم السوريين قد اعتادوا العيش في وضعية البقاء أو النجاة على المستوى العصبي، وفيها يصبح الجسد تحت رحمة وتأثير الجهاز العصبي الودي، معطلًا بذلك أدوار بقية الأنظمة المهمة في الجسم مما يجعل التركيز منصبًا على النجاة الآنية بدل التفكير في المستقبل وعلى ردود الفعل السريعة القلقة بدل التفكير العقلاني المنطقي وعلى البحث عن طرق لتجنب المخاطر المحدقة بدل البحث عن معان أعمق للحياة.
استمرار الجسد في هذا الوضع، يفرض عليه تطوير بعض الآليات الدفاعية السلبية وغير الواعية للتخفيف من الإنهاك الذي يرافق هذا الشد العصبي والهرموني، مما يدفع به نحو التبلد العاطفي الذي يحميه من الانهيار الجسدي والنفسي.
وينعكس هذا التبلد في الحياة اليومية بصورة إظهار برود شديد تجاه الأحداث السعيدة أو الحزينة على حد سواء، حيث تغلب الغلظة اللفظية وانعدام التعاطف بين الأفراد واللامبالاة تجاه موت الآخرين، ولا يمكننا أن نعزو الأمر ببساطة إلى خلل أخلاقي كما يبدو ظاهريًا، بل هي وسيلة تكيف نفسي للتعايش مع واقع صادم غير إنساني استمر لعقود.
غير أن هذا التبلد سلاح ذو حدين فبينما يقوم بحماية الجسد والنفس من الانهيار، فإن له آثارًا عميقة تنعكس بشكل واضح على علاقة الشخص بنفسه وعائلته وأطفاله وجيرانه وجميع من حوله، إذ يُضعف التواصل العاطفي بين أفراد الأسرة الواحدة، ويضع الأمهات في مواجهة صعبة مع أطفالهن حيث يشعرن بفقدان التواصل العاطفي العميق، ما يفتح الباب أمام اضطرابات عديدة تلقي بظلالها على فئة الأطفال الهشة، ما يعني انتقال الصدمة النفسية عبر الأجيال.
البيئة القلقة ستنشئ طفلًا قلقًا حذرًا، غير قادر على الفرح بكل جوارحه
ويُعَدُّ الأطفال بطبيعتهم وفطرتهم مخلوقات حساسة لكل ما حولهم، وتكمن حساسيتهم هذه في قدرتهم على قراءة المشاعر ونبرة الصوت ونظرات العيون، فما يعنيهم ليس ما تحكيه لهم بقدر ما يرونه من ثبات آباءهم الانفعالي وتواصلهم العميق معهم.
أي أن البيئة القلقة ستنشئ طفلًا قلقًا حذرًا، غير قادر على الفرح بكل جوارحه، وينشأ جهازه العصبي بشكل شديد الحساسية للتهديد حتى وإن لم يكن الخطر فعليًا، وهذا ما يفسر صعوبات التعلم والقلق المبكر وقلق الانفصال ونقص الذكاء العاطفي لدى أطفال الحروب، ليس بسبب سوء أهلهم أو تعرضهم للإهمال ولكن نتيجة انتقال القلق إليهم عبر تخزينه في ذاكرتهم الصدمية دون وعي.
الذاكرة الصدمية
يوجد في دماغنا ذاكرة تُعرف بالذاكرة السردية وهي التي نستطيع التعبير عنها بالكلمات والأفعال بشكل واع، وهناك أيضًا الذاكرة الصدمية، وهي تختلف تمامًا عن الذاكرة السردية إذ تختزن غالبًا في الجهاز العصبي والجسد وتساهم في تشكيل الدماغ وطرائق التفكير وفق نمط معين محدود.
تخزن الذاكرة الصدمية هذه الذكريات على شكل مشاعر أو أحاسيس أو صور مقتصة مجتزئة لا منطقية، تظهر آثارها في لحظات الانفعال أو التعرض لمثيرات مرتبطة بالحدث الصادم، بدلًا من تخزينها وفق قصة مترابطة بأحداث منطقية متسلسة.
وهذا ما يفسر أنك ترى الكثير من معارفك وأقاربك ممن عاشوا في سورية طوال فترة الثورة تثيرهم بعض المثيرات المرتبطة بالحقبة الماضية دون أن يعرفوا السبب المباشر، كالطفل في دمشق الذي يخاف صوت الطائرة الحربية حين تلقي براميلها على الريف المجاور، ورغم كونه في مكان آمن لن يتعرض للقصف إلا أنه يخزن في رأسه ردة فعل أهله ونظرات عيونهم القلقة عند سماع القصف، وبينما ينسى عقله هذه التفاصيل يحتفظ بها جسده، لأنَّ الأجساد لا تنسى.
الجسد لا ينسى
وبالحديث عن أن الأجساد لا تنسى، يمكننا أن نعرج قليلًا على موضوع مهم ونبسّط مفهوم توارث الصدمات النفسية، عبر البيئة أو عبر التكوين فوق الجيني، فعندما يتعرض أحدنا لحدث صادم فإن الحمض النووي ينشط الجينات بطريقة معينة تتفاعل مع الحدث بطريقة تضمن السلامة والنجاة.
ومع إنجاب الأطفال تنتقل الجينات بذات الطريقة التي تبرمجت بها إلى الجيل الثاني، ما يعني ولادة أطفال أكثر حساسية تجاه الخطر، وأكثر تحفزًا لمواجهته، ما يعني استعدادًا وراثيًا للإصابة بالقلق وما يتبعه من الاضطرابات النفسية، فالجيل اللاحق للجيل المصاب بالصدمة سيعاني من الآثار دون أن يكون في ذاكرته مواقف وصور للأحداثِ الصادمة، ويكون طبعًا غير مدرك للأسباب.
لذا فمن المهم مناقشة هذه الحالات وفهمها، لأن الوعي هو الخطوة الأولى على طريق التعافي النفسي وتحرير الجيل القادم من أعباء نفسية ورثها رغمًا عنه لا بإرادته.
تقع على ملايين السوريين الذين نجوا من هذه المحنة المروعة واستطاعوا الحياة في ظل ظروف أسهل نسبيًا في بلاد المهجر، إذا ما قارناها بحياة السوري الذي عاش سنوات طويلة تحت قبضة النظام تقع عليهم مسؤولية كبيرة في فهم وإدراك الآثار النفسية التي اختبروها، والابتعاد عن التعامل (بعنصرية) معهم، ووصم المجتمع بقلة المسؤولية أو التبلد الشعوري أو الأنانية.
فما نراه من تصرفات قد نستهجنها إنما هو نتيجة تعرضهم لظروف غير طبيعية لفترات طويلة جدًا، والخطر لا يكمن فقط في حدوث الصدمة، بل في التطبيع معها ومحاولة التعايش معها بلا وعي دون تغييرها أو التغلب عليها، ما يعني إعادة إنتاجها وتدويرها ضمن العلاقات والعائلات وهذا ما سينتج أجيالًا تعيش الصدمة مرارًا وتكرارًا.
إن النظر لتجربة المجتمع السوري من المنظور النفسي الفاحص لا الناقد، لا يعني التطبيع مع التصرفات السلبية ولا يعني التبرير لها بحال من الأحوال بل هو وسيلة ومحاولة لفهم الواقع ومن ثم القدرة على تغييره والتأثير فيه عميقًا، ومحاولة لخلق مساحة آمنة بعيدة عن جلد الذات ورفع مستوى التعاطف بين الأفراد.