في تطوّر وُصف بالأكبر منذ عقود في مسار العلاقة بين دمشق و”تل أبيب”، أعلنت الولايات المتحدة، في 6 يناير/كانون الثاني 2026، صدور بيان ثلاثي (أميركي–إسرائيلي–سوري) يتضمن الاتفاق على تفاهمات عملية، عقب جولة محادثات ليومين في باريس، هي الجولة الخامسة بين الجانبين.
الاتفاق الجديد الذي رعته الولايات المتحدة، بحضور وفدين سوري وإسرائيلي رفيعي المستوى، جاء بعد محادثات سرية وعلنية عديدة في باكو وباريس ولندن، فما أبرز تفاصيله وآفاق تطبيقه؟
ما نتائج الاتفاق؟
أسفرت هذه المفاوضات عن اتفاق الجانبين على إنشاء آلية اتصال مشتركة بهدف التنسيق في القضايا الأمنية والاستخباراتية والتجارية بين سوريا والاحتلال الإسرائيلي تحت إشراف الولايات المتحدة.
وبحسب البيان المشترك، تهدف آلية الاتصال إلى:
- تسهيل التنسيق الفوري والمستمر في تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الجانبين.
- تنسيق إجراءات خفض التصعيد العسكري على الأرض لمنع أي اشتباكات أو حوادث غير مرغوبة.
- تعزيز التواصل الدبلوماسي المباشر لحل المشكلات الطارئة بسرعة.
- استكشاف فرص التعاون الاقتصادي والتجاري مستقبلاً بين الجانبين.
وأُطلق على هذه المنصة اسم “خلية التواصل المخصّصة” والتي ستكون بمثابة خط ساخن دائم بين الطرفين لحل أي سوء تفاهم بسرعة ومنع تفاقم أي توتر ميداني، في وقت تدرك جميع الأطراف أن مسار المفاوضات لا يزال طويلًا لتحقيق تسوية نهائية.

موقف سوريا وشروطها
لم تصدر دمشق تفاصيل أو توضيحات إضافية بشأن الملفات الكبرى، لكن مسؤولين أكدوا قبل الاتفاق وبعده على عدة نقاط جوهرية:
- بعد البيان الثلاثي، أكد مسؤول سوري لرويترز أن دمشق لن تبدأ مناقشة أي “ملفات إستراتيجية” مع “تل أبيب” قبل الاتفاق على جدول زمني واضح ومُلزِم لانسحاب قوات الاحتلال من كافة الأراضي السورية التي سيطرت عليها بعد سقوط نظام بشار الأسد.
- اختتمت جولة محادثات باريس الأخيرة بطلب سوري تبنّته الولايات المتحدة، تمثل بطرح واشنطن مبادرة لـ “تجميد فوري لكافة الأنشطة العسكرية الإسرائيلية” في سوريا بالمرحلة المقبلة. وقد أثنى الوفد السوري على المبادرة باعتبارها خطوة تهيئ الأجواء لمواصلة الحوار.
- قبل الاتفاق، وصف مسؤول سوري آخر لرويترز الانسحاب بأنه “خط أحمر” لا يمكن التنازل عنه، موضحًا أن سوريا ترفض إضفاء أي شرعية على الاحتلال الجديد بعد سقوط الأسد أو حتى قبله فيما يتعلق بهضبة الجولان.
وخلال الجولات السابقة، اتهمت سوريا الاحتلال الإسرائيلي بالمماطلة في المفاوضات عبر الخوض في تفاصيل تقنية وإجرائية لتأخير بحث القضايا الجوهرية، ودعتها إلى التخلّي عن “عقليتها التوسعية” إذا أرادت للمحادثات أن تتقدم.
هذا الاتهام يعكس انعدام الثقة العميق لدى الجانب السوري بالنوايا الإسرائيلية، حيث يعتبر السوريون أن استمرار وجود قوات الاحتلال على أراضيهم يعزز الشكوك بأن “تل أبيب” تسعى لترسيخ أمر واقع جديد بدلاً من الانسحاب.
وقد شدد الرئيس السوري أحمد الشرع في عدة مناسبات على أنه يرفض بشكل قاطع استمرار أي احتلال عسكري إسرائيلي داخل سوريا، رغم حرصه في الوقت ذاته على تجنب مواجهة عسكرية مباشرة مع “تل أبيب” في هذه المرحلة الانتقالية الحرجة.
غموض وتعنت إسرائيلي
في حين وافق الاحتلال الإسرائيلي مبدئيًا على فكرة آلية الاتصال الأمنية المشتركة لتفادي الصدام المباشر، فإنه أنه لم يصدر أي موقف بشأن الانسحاب من الأراضي السورية ووقف العدوان الجوي المتكرر.
وتقدم “إسرائيل” في هذه المفاوضات مطالبها بوصفها “ترتيبات أمنية”، بينما تراها دمشق محاولة لشرعنة واقع ميداني جديد: منطقة عازلة ونزع سلاح وقيود على انتشار الجيش السوري في الجنوب، من دون التزام واضح بالانسحاب.
وقد أوضحت حكومة بنيامين نتنياهو أن أولويتها هي “ضمان أمن حدودها الشمالية وعدم السماح بوجود تهديدات قرب منطقة الجولان المحتل”.
وأثناء محادثات باريس الأخيرة، ركز الوفد الإسرائيلي على القضايا الأمنية وسوّق لشعار “التعاون الاقتصادي” بين الجانبين كرافعة سياسية.
كما شدد بيان صادر عن مكتب نتنياهو أن النقاش شمل التأكيد على استمرار الحوار بشأن ما أسماه “حماية أبناء الطائفة الدرزية في سوريا”، وهي ذريعة مختلقة لترسيخ الاحتلال في البلاد.
ورغم الحديث عن آفاق اقتصادية، لم تُظهر “إسرائيل” التزامًا صريحًا بعد بالانسحاب الكامل إلى خطوط ما قبل ديسمبر/كانون الأول 2024.
فهي تتمسك بإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح في جنوب سوريا كجزء من أي اتفاق، وتطالب أيضًا بضمانات تشمل منع عودة القوات السورية إلى المنطقة.
طبيعة الدور الأمريكي
تؤدي الولايات المتحدة دور الوسيط الرئيس في هذه المحادثات، في ظل سعيها لتحقيق استقرار إقليمي بعد التغييرات في سوريا.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أبدى دعمًا علنيًا لحكومة الشرع، معتبرًا إياها طرفًا أساسيًا في إعادة توحيد البلاد.
وضمن هذا الدعم، ضغطت واشنطن على “تل أبيب” للمشاركة بجدية في المحادثات، وهو ما برز في لقاء جمع ترامب ونتنياهو أواخر ديسمبر/كانون الأول 2025 في الولايات المتحدة، أعرب فيه الرئيس الأمريكي عن تفاؤله بقرب “توصل سوريا وإسرائيل إلى اتفاق أمنّي”.
بناءً على ذلك، تُستأنف المفاوضات بوتيرة أسرع هذا العام. فإلى جانب اجتماع باريس الأخير، يُنتظر عقد لقاءات دورية مكثفة ربما في عمّان بإشراف أمريكي، لمتابعة عمل خلية التواصل المشتركة وبحث التفاصيل الفنية للانسحاب والترتيبات الأمنية.
وتشير التقارير إلى أن هذه الآلية المشتركة قد تتطور إلى مركز تنسيق دائم مقره العاصمة الأردنية، يعمل على مراقبة الأوضاع الميدانية في الجنوب السوري.
كما ظهرت مقترحات أمريكية بإنشاء منطقة اقتصادية مشتركة على جانبي الحدود مستقبلاً، تتضمن مشاريع في الطاقة والزراعة وحتى منتجعات سياحية بهدف تحفيز التطبيع بين الطرفين.
ما آفاق المفاوضات؟
وفق القراءة السورية، قد تُستخدم التفاهمات إطارًا لإدارة التوتر لا لإنهائه، فالسيناريو الأقرب على المدى القريب هو نجاح الآلية المشتركة في تحييد التوتر الأمني وضبط الأوضاع ميدانيًا عند الحدود.
وتقدر صحيفة “جيروزاليم بوست” أن نتنياهو يريد إعلان نصر سياسي أمام جمهوره بالظهور كمن فرض ترتيبات أمنية صارمة في الشمال، فيما يرغب الشرع بتثبيت السيادة ووقف العدوان.
ولكن في حال دفع الاتفاق إلى انسحاب الاحتلال إلى خطوط ما قبل نهاية 2024، قد يجري العمل تدريجيًا على اتفاق أوسع شبيه بمعاهدة عدم اعتداء أو “هدنة طويلة الأجل” بين سوريا و”إسرائيل”، وفق تقدير مجلة “Responsible Statecraft”، التي تُعنى بالسياسة الخارجية الأمريكية.
ورأت أن مثل هذا الاتفاق قد يشمل ترسيمًا مؤقتًا للوضع في الجولان: كأن تبقى سيطرة الاحتلال على معظم الهضبة مع الاعتراف ضمنيًّا بوضع خاص لبعض المناطق أو القرى، وربما سماح بعودة رمزية لسوريين أو إدارة مشتركة لمواقع معينة، وفق تقديرها.
في المقابل، قد تحصل سوريا على “حزمة حوافز ضخمة”، تشمل تمويل خليجي ودولي لإعمارها، ورفع ما تبقى من عقوبات، وربما إدراجها رسميًا ضمن دول “اتفاقيات أبراهام” للتطبيع مع “إسرائيل”، وفق جيروزاليم بوست.
مع ذلك، لا تزال هناك تحديات كبيرة تعترض طريق التسوية النهائية. ويرى محللون أن الاتفاق الأمني المزمع سيكون مرحليًا يضمن تهدئة الجبهة السورية واستقرارها نسبيًا دون أن يعني ذلك حلًا نهائيًا للنزاع أو تطبيعًا شاملاً للعلاقات في المدى القريب.
فقد أكد الرئيس السوري الشرع مؤخرًا أن عقد اتفاق أمني “لا يعني الدخول في سلام كامل أو تطبيع على غرار اتفاقيات أبراهام” التطبيعية. كما أن مصير مرتفعات الجولان سيبقى قضية مؤجلة وصعبة، وصفها الشرع بأنها “مسألة كبرى” لا يمكن حسمها سريعًا.
فدمشق تصرّ على سيادتها الكاملة وحقها في استعادة كامل أراضيها بما فيها الجولان على المدى البعيد، وهو ما ترفضه سلطات الاحتلال، ما قد يبقي الطرفين في حالة “اللاحرب واللاسلم” الكامل.