في تطور سياسي بالغ الدلالة، وإن لم يكن شاذًا عن منطق المسار الذي اتخذته الأحداث مؤخرًا، أعلن المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء تركي المالكي، أن رئيس المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي هرب إلى جهة غير معلومة، متخلفًا عن السفر مع وفد المجلس المتجه للرياض، حيث كان من المقرر أن يشارك في لقاء مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي وقيادة التحالف.
وأوضح المالكي، في بيان نشره على منصة “إكس” صباح الأربعاء 7 يناير/كانون الثاني، أن معلومات استخباراتية لدى التحالف تفيد بقيام الزبيدي بتحريك قوات كبيرة تضم مدرعات وآليات قتالية وأسلحة ثقيلة وخفيفة باتجاه محافظة الضالع، مسقط رأسه، إلى جانب توزيع أسلحة وذخائر على عشرات العناصر داخل عدن، في خطوة هدفت – بحسب البيان – إلى زعزعة الأمن وإحداث حالة اضطراب داخل المدينة.
وأضاف المتحدث باسم التحالف أن قواته، وبالتنسيق مع القوات الحكومية وقوات “درع الوطن”، نفذت عند الساعة الرابعة فجرًا بتوقيت السعودية ضربات استباقية محدودة، استهدفت تعطيل تلك التحركات وإفشال ما وصفه بمحاولات الزبيدي دفع الأوضاع نحو مزيد من التصعيد، ومنع امتداد الصراع إلى محافظة الضالع.
ويفتح هروب الزبيدي وتخلفه عن وفد المجلس الانتقالي المتوجه إلى الرياض، وما رافقه من تحركات ميدانية، فصلًا جديدًا في المشهد الجنوبي اليمني، يحمل في طياته دلالات سياسية وأمنية عميقة، قد تعيد رسم توازنات النفوذ والقوة في الجنوب، وتفرض سيناريوهات مغايرة تمامًا للخطاب والتوجهات التي روّج لها المجلس الانتقالي قبل أسابيع قليلة.
— المتحدث الرسمي باسم قوات التحالف (@CJFCSpox) January 7, 2026
الزبيدي خارج الحسابات
شهد المشهد اليمني تصعيدًا لافتًا على خلفية تحركات الزبيدي الأخيرة، ومواصلته المماطلة في التعاطي مع الضغوط السعودية ومطالب القوى والفواعل الجنوبية، وهو ما أثار استياءً متزايدًا لدى الرياض وقيادة التحالف، ودفع باتجاه التعامل معه بوصفه عامل تهديد مباشر للاستقرار، وهو ما عكسته التطورات المتسارعة خلال الساعات الماضية.
فبعد وقت وجيز من الإعلان عن مغادرة الزبيدي إلى جهة غير معلومة، وامتناعه عن مرافقة وفد المجلس الانتقالي إلى الرياض، وهي خطوة اعتبرها مجلس القيادة الرئاسي بمثابة قطيعة كاملة معه، أعلن رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، صباح اليوم، إسقاط عضويته وإحالته إلى النائب العام بتهمة “الخيانة العظمى”.
وأكد العليمي في بيان رسمي أن الزبيدي ثبت تورطه في الإساءة للقضية الجنوبية العادلة، واستغلالها غطاءً لارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في المحافظات الجنوبية، فضلًا عن الإضرار بالمكانة السياسية والاقتصادية للدولة اليمنية، والاعتداء على الدستور والسلطات الشرعية، وعرقلة جهود الدولة في مواجهة الانقلاب والتمرد، وإشعال الفتنة الداخلية.
– أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، قرارًا رسميًا بإسقاط عضوية عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، من المجلس وإحالته للتحقيق بتهمة "الخيانة العظمى" والإضرار بالمركز السياسي والعسكري للدولة.
– من جهته، أعلن التحالف أن الزبيدي "هرب إلى مكان مجهول" بعد أن كان… pic.twitter.com/c1p1Ubdplc
— نون بوست (@NoonPost) January 7, 2026
وتزامن هذا التصعيد السياسي مع تحرك عسكري واسع، حيث شنت المقاتلات السعودية أكثر من 15 غارة جوية على محافظة الضالع، المعقل الرئيس للزبيدي، وأفادت مصادر رسمية بأن الضربات استهدفت منازل ومواقع لقيادات محلية موالية له.
فيما أكدت مصادر مطلعة أن الغارات طالت منزل الزبيدي، وموكب قائد قوات “العاصفة” أوسان العنشلي، إضافة إلى معسكر الزند ومعسكرات أخرى، في مؤشر على انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر حدة وحسمًا.
هل بات سقوط عدن مسألة وقت؟
تتسارع وتيرة انهيار خارطة النفوذ التي كان يفرضها المجلس الانتقالي على نحو غير متوقع، فقبل نحو شهر فقط كان الانتقالي يهيمن على معظم محافظات الجنوب والشرق، ولا سيما الحواضر ذات الثقل السياسي والعسكري مثل حضرموت والمهرة، وهي سيطرة منحته هامشًا واسعًا للحديث بلغة القوة ورفض كل الدعوات والمناشدات المطالِبة بالانسحاب أو إعادة التموضع.
غير أن تطورات المشهد اليمني خلال الأيام القليلة الماضية قلبت المعادلة رأسًا على عقب، إذ تمكنت قوات “درع الوطن” والقوات الحكومية، بدعم سياسي وعسكري سعودي مباشر، من تنفيذ عمليات عسكرية مركزة أفضت إلى استعادة غالبية المدن والمناطق التي كان الانتقالي يسيطر عليها.
هذا التحول الميداني السريع دفع قيادة الانتقالي إلى اللجوء مجددًا إلى ورقة الانفصال، عبر ما سُمّي بـ”الإعلان الدستوري”، في محاولة وُصفت حينها بأنها ابتزاز سياسي لتحسين شروطه على طاولة التفاوض.
إلا أن الزبيدي ومجلسه لم يدركوا أن هذه الورقة فقدت فعاليتها في ظل تشدد الموقف السعودي وتصعيده، بعد أن رأت الرياض في تلك التحركات تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي، ليجد رئيس الانتقالي الجنوبي نفسه محاصرًا بأزمة مزدوجة، سياسيًا من خلال تخلي الإمارات عنه استجابة للرغبة السعودية، وعسكريًا بعد تجفيف خطوط الإمداد واستهدافها بشكل مباشر، ما أفقد قواته القدرة على الصمود والمناورة.
وخلال ساعات قليلة، انتقل المشهد ميدانيًا إلى مرحلة الحسم، حيث جرى تحرير المحافظات الشرقية في حضرموت والمهرة بغطاء جوي سعودي، لتلتحق بها شبوة والضالع، وسط أنباء متواترة عن قرب تسليم مدينة عدن، العاصمة المؤقتة للحكومة الشرعية.
ورغم أن محافظتي لحج والضالع لا تزالان خارج السيطرة الحكومية الكاملة، إلا أن المؤشرات الميدانية والسياسية توحي بأن سقوط عدن سيقود منطقيًا ورسمياً إلى تسليم هاتين المحافظتين، بما ينهي عمليًا حقبة النفوذ الواسع التي تمتع بها الانتقالي خلال الأشهر الماضية.
ماذا يعني هروب الزبيدي؟
يحمل هروب الزبيدي وتخلفه عن مرافقة وفد المجلس الانتقالي المتجه إلى الرياض جملة من الدلالات السياسية العميقة، في مقدمتها ما يمكن اعتباره إقرارًا غير معلن بالهزيمة العسكرية.
فتزامن هذه الخطوة مع الانهيارات الميدانية المتسارعة، واقتراب سقوط عدن واستكمال تحرير بقية المدن الجنوبية، يعكس إدراكًا متأخرًا بعدم القدرة على مواجهة قوات التحالف والقوات الحكومية في معركة مفتوحة، وفقدان أدوات الردع والمناورة التي كان يعتمد عليها في السابق.
كما يكشف هذا الغياب عن محاولة واضحة للهروب من استحقاقات مؤتمر الرياض وما قد يفرضه من ضغوط سياسية قاسية، فقد بات الزبيدي على قناعة بأن حضوره في ظل الهزائم المتلاحقة، وبمشاركة فواعل جنوبية ذات ثقل سياسي واجتماعي، سيضعف موقعه التفاوضي إلى حد كبير، ويفتح الباب أمام مطالب وتنازلات يصعب عليه تحمل تبعاتها أو التحكم بمساراتها.
ويبدو أن خيار الابتعاد جاء تفاديًا لأي سيناريوهات غير محسوبة داخل العاصمة السعودية، في ظل فقدانه مظلة القوة التي كان يستند إليها سابقًا، فعلى الرغم من أن الزبيدي كان قد أبلغ السلطات السعودية استعداده لحضور مؤتمر الرياض والتجاوب مع دعوة رئيس المجلس الرئاسي رشاد العليمي، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة بدّلت حساباته بشكل جذري، وجردته من أوراق النفوذ التي طالما استخدمها لفرض حضوره وتأثيره في المشهد الجنوبي.
المجلس الانتقالي اليمني المدعوم إماراتيًا يقبل دعوة السعودية للحوار رغم دعواته للانفصال.. فما السر وراء تغيير موقفه وقبوله الجلوس على طاولة المفاوضات؟
📍اطّلع على تفاصيل أكثر في هذا التقرير 👇https://t.co/x2JrsI65Mv pic.twitter.com/xCpAGuUNoU
— نون بوست (@NoonPost) January 6, 2026
إلى جانب ذلك، يمكن قراءة هروب رئيس المجلس الانتقالي بوصفه تعبيرًا صريحًا عن حالة التفكك الداخلي التي بات يعانيها المجلس خلال الأيام الأخيرة، وعن عمق الانقسامات والتشققات التي أصابت بنيته التنظيمية، بعد مرحلة قصيرة حاول خلالها إظهار قدر من التماسك والثبات.
ويعكس هذا التطور حجم التصدعات التي ضربت جدران المجلس من الداخل، بما يحمله من مؤشرات جدية على احتمال دخوله مرحلة تفكيك تدريجي، قد تنتهي بتآكل دوره وتراجع قدرته على الاستمرار ككيان متماسك وفاعل في المشهد السياسي الجنوبي.
ما السيناريوهات المتوقعة؟
يدفع الخروج الرسمي للزبيدي من المشهد السياسي، عقب إقالته من مجلس القيادة الرئاسي، وإدانته جنائيًا وإحالته إلى القضاء، فضلًا عن هروبه وتخلفه عن مرافقة وفد المجلس الانتقالي المتجه إلى الرياض، بالمشهد الجنوبي نحو جملة من السيناريوهات المحتملة، يبرز من بينها مساران رئيسيان.
السيناريو الأول، والذي يقوم على تحميل الزبيدي المسؤولية الكاملة عن مسار التصعيد الأخير، وما رافقه من إذكاء للفتنة في الجنوب، وتبني خطاب انفصالي هدد وحدة اليمن وتماسكه، وبإخراجه من المعادلة، تُطوى هذه الصفحة، ويُفسح المجال أمام قيادة بديلة أكثر انسجامًا مع خيار الوحدة، وأقرب إلى الرؤية السعودية في إدارة الملف الجنوبي.
ووفق هذا المسار، يجري العمل على إعادة توحيد الجبهة الجنوبية تحت قيادة واحدة، وتوجيه الجهود مجددًا نحو مواجهة الحوثيين في الشمال، بما يعيد الوضع إلى ما كان عليه قبل تصعيد ديسمبر/كانون الأول الماضي، ويضع حدًا – ولو مؤقتًا – لحالة التوتر الجنوبي.
وفي هذا السياق، تدرك الرياض جيدًا حجم المجلس الانتقالي الجنوبي ونفوذه، وحاضنته الشعبية التي لا يمكن تجاوزها أو إنكار حضورها في المعادلة السياسية، ومن ثمّ، فإن خيار الصدام المفتوح مع هذا المكون يظل مستبعدًا، مقابل توجه سعودي مرجح نحو احتوائه وإعادة ضبطه، ولكن وفق مقارباتها السياسية والأمنية وبما يخدم أولوياتها الاستراتيجية.
السيناريو الثاني وهو الأكثر خطورة، يتمثل في منح الزبيدي – بدعم خارجي – هامش حركة لإدارة حالة فوضى من خارج إطار المجلس الانتقالي، بوصفها إحدى الأوراق الممكن توظيفها لاستعادة توازن فقده مؤخرًا لصالح الطرف المدعوم سعوديًا، وهو ما بدا يلوح في الأفق بإعلان المجلس أنه يتابع ويشرف على المواجهات في عدن.
ويُتوقع في حال تبلور هذا المسار أن تواجهه الرياض بحزم بالغ، حتى وإن كان ذلك على حساب كلفة سياسية وأمنية مرتفعة، باعتباره تهديدًا مباشرًا للاستقرار ومسار التسوية في الجنوب.
في المحصلة، قد توحي المعطيات الراهنة باقتراب لحظة تهدئة واحتواء، وطي صفحة التصعيد الجنوبي، ولو بصورة مؤقتة، غير أن تشابك المشهد، وتعدد الفواعل السياسية والعسكرية، وتضارب الأجندات الإقليمية والمحلية، يجعل مستقبل الجنوب مفتوحًا على مختلف الاحتمالات.
وعليه يبقى العامل الحاسم في ترجيح أحد السيناريوهات مرهونًا بتطورات الميدان خلال الأيام القليلة المقبلة، باعتبارها المحدد الأبرز لمسار المشهد الجنوبي في اليمن، واتجاهاته السياسية والأمنية.