ظهرت خلال الجولة الخامسة من المحادثات بين سوريا و”إسرائيل” ملامح أولية لاتفاق لا تزال تفاصيله غير واضحة بدقة، وذلك عقب تعثر مسار المفاوضات في الجولات السابقة، في ظل تمسك دمشق باتفاق فض الاشتباك الموقّع عام 1974 أو اتفاق مماثل، مقابل استمرار اعتداءات وتعنت الاحتلال الإسرائيلي ورغبته في إنشاء منطقة منزوعة السلاح في الجنوب السوري وفتح “ممر إنساني” إلى السويداء.
جولة المحادثات، التي امتدت ليومين في العاصمة الفرنسية باريس، في 5 و6 من يناير/كانون الثاني الحالي، تشرف عليها الولايات المتحدة الأمريكية بشكل مباشر، وشارك فيها من الجانب السوري وزير الخارجية أسعد الشيباني، ورئيس جهاز الاستخبارات العامة حسين السلامة، فيما مثّل “إسرائيل” وفد تفاوضي جديد تشكّل عقب استقالة رون ديرمر، وضم السفير الإسرائيلي لدى واشنطن يحيئيل ليتر، والمستشار العسكري رومان جوفمان، والقائم بأعمال مستشار الأمن القومي جيل رايش، إلى جانب مشاركة أمريكية ضّمت توماس برّاك وستيف ويتكوف وجاريد كوشنر.
يسلط هذا التقرير الضوء على البنود الصادرة عن الجولة الخامسة من المفاوضات وطبيعة الاتفاق الأمني المرتقب ومآلاته، في وقت تتواصل فيه اعتداءات “إسرائيل” على الأراضي السورية، حتى بعد الاجتماع، في نهج مستمر منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، شملت توغلات وتجريف أراضٍ وإنشاء نقاط عسكرية واستهدافات واعتقالات وقتل مدنيين وعسكريين، إذ وثقت “الشبكة السورية لحقوق الإنسان” مقتل 62 سوريًا على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال عام 2025.
مسار متعثر.. اعتداءات متواصلة
قبل اللقاء الأحدث في باريس، انعقدت في العاصمة الفرنسية جولتان في يوليو/تموز وأغسطس/آب 2025، إلى جانب اجتماعين آخرين في باكو ولندن، حيث اقترب الطرفان من التوافق على الخطوط العريضة لاتفاق أمني، إلا أن المسار تعثر في سبتمبر/أيلول 2025، على خلفية مطالبة “إسرائيل” بفتح “ممر إنساني” إلى محافظة السويداء، وهو مطلب رفضته سوريا.
وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أوضح وزير الخارجية أسعد الشيباني الموقف السوري من المباحثات مع “إسرائيل”، قائلًا “لا نذهب إلى سلام بأي ثمن. لن نوقّع أي اتفاق بينما تُحتل أرضنا. الشرط واضح: انسحاب كامل إلى خط 7 ديسمبر 2024. إن أرادوا اتفاقًا، فليعودوا إلى الحدود. غير ذلك لا يوجد اتفاق. ولا تنازل”.
واستبعد الرئيس السوري أحمد الشرع أكثر من مرة انضمام سوريا إلى الاتفاقيات “الإبراهيمية” نافيًا وجود أي تشابه بين سوريا والدول التي وقّعت تلك الاتفاقيات، لكنه اعتبر أن التفاهمات الأمنية قد تفتح الباب أمام اتفاقات أخرى. كما اعتبر أن بعض السياسات الإسرائيلية تدل على أنها قد حزنت على سقوط النظام السابق.
وسلكت دمشق المسار السياسي والدبلوماسي تجاه اعتداءات “إسرائيل”، التي صعدت هجومها عسكريًا وإعلاميًا، وطرحت مواقف متناقضة وروايات متعددة، سواء لمواصلة اعتداءاتها على سوريا أو لممارسة الضغط في مسار التوصل إلى تفاهمات أمنية أو لزعزعة الاستقرار.

وبعد سقوط نظام بشار الأسد، استهدفت “إسرائيل” مقدرات سوريا العسكرية ودمرت نحو 80% منها، وشنّت أكثر من 500 توغل بري وما يزيد على 1000 غارة جوية على الأراضي السورية، مصحوبة بخطاب معادٍ للحكم الجديد، وصفه بأنه “جماعة إرهابية وجهاديين”، وأن الحرب مع سوريا حتمية.
بالتزامن مع المواقف السابقة، أشرفت واشنطن ولعبت دورًا فاعلًا في المحادثات بين سوريا و”إسرائيل” عبر الوساطة والتنسيق والدفع نحو التوصل إلى اتفاق أمني، لا سيما من خلال المبعوث الأمريكي توماس برّاك، الذي كان من أوائل من أعلن انطلاق المحادثات. كما ساهمت الولايات المتحدة في تهدئة التوترات العسكرية في محافظة السويداء، بالتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجانبين في 19 يوليو/تموز 2025.
وتصاعدت التصريحات الأمريكية المرتبطة بالمحادثات خلال الأسابيع الماضية، حيث أكد الرئيس دونالد ترامب أن سوريا و”إسرائيل” سيتوصلان إلى اتفاق، مشيرًا إلى أنه توصل إلى “تفاهم” مع نتنياهو بشأن سوريا، من دون توضيح طبيعة هذا التفاهم. كما دعا ترامب “إسرائيل” إلى الحفاظ على “حوار قوي وصادق” مع سوريا، محذرًا من أي خطوات قد تعرقل “تطور سوريا نحو دولة مزدهرة”.
“آلية تنسيق مشتركة”
عن عقد الجولة الأحدث بين سوريا و”إسرائيل”، قال مصدر حكومي للوكالة السورية للأنباء (سانا)، في 5 من يناير/ كانون الثاني الحالي، إن استئناف المفاوضات يؤكد على التزام سوريا الثابت باستعادة الحقوق الوطنية غير القابلة للتفاوض، مضيفًا أن المباحثات تتركز بشكل أساسي إعادة تفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، بما يضمن انسحاب القوات الإسرائيلية إلى ما قبل خطوط الثامن من ديسمبر 2024، ضمن “إطار اتفاقية أمنية متكافئة تضع السيادة السورية الكاملة فوق كل اعتبار، وتضمن منع أي شكل من أشكال التدخل في الشؤون الداخلية السورية”.
وبعد انتهاء المباحثات، ورد في بيان مشترك صدر عن سوريا و”إسرائيل” والولايات المتحدة أن المناقشات كانت “مثمرة”، وتركزت على احترام سيادة سوريا واستقرارها، وأمن “إسرائيل”، وازدهار البلدين. وأشار البيان إلى أن سوريا و”إسرائيل” توصّلا إلى التفاهمات التالية:
- أكد الجانبان مجددًا التزامهما بالسعي نحو تحقيق ترتيبات أمنية واستقرارية دائمة لكلا البلدين.
- قرر الجانبان إنشاء آلية تنسيق مشتركة، على شكل خلية اتصالات مخصصة، لتسهيل التنسيق الفوري والمستمر بشأن تبادل المعلومات الاستخباراتية، وخفض التصعيد العسكري، والمشاركة الدبلوماسية، والفرص التجارية تحت إشراف الولايات المتحدة.
- ستعمل هذه الآلية كمنصة لمعالجة أي نزاعات فورًا والعمل على منع سوء الفهم.
ورحبت الولايات المتحدة بالتفاهمات واعتبرتها “خطوات إيجابية”، مؤكدة التزامها بدعم تنفيذها ضمن جهود أوسع لتحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط، مشيرة إلى أن البيان يعكس “روح الاجتماع الكبير الذي عُقد، وعزم الجانبين على فتح صفحة جديدة في علاقاتهما لصالح الأجيال القادمة”.
إلى جانب البنود السابقة، ذكرت صحيفة “جيروزاليم بوست” أن سوريا و”إسرائيل” اتفقتا على بدء محادثات في مجالات مدنية تشمل الطب والطاقة والزراعة. بينما لم يحدد البيان أو المسؤولون جدولًا زمنيًا لتنفيذ البنود المذكورة.
من جانبه، أشاد المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس برّاك، بنتيجة المحادثات واصفًا إياها بـ”الاختراق”، قائلًا إن الاجتماع يعكس “رغبة قوية ومتبادلة في الانتقال من الإنكار إلى التعاون الحقيقي والازدهار المشترك”، مضيفًا أن “كلا الجانبين ملتزمان بعلاقة جديدة قائمة على الشفافية والشراكة، علاقة تعالج ندم الماضي وتسرع من وتيرة مستقبل تعاوني”.
اتفاق أم تطبيع؟
برزت بعض التباينات الطفيفة التي ظهرت من خلال التصريحات المنفردة بعيدًا عن البيان الثلاثي المشترك، إذ يبدو أن كل طرف لا يزال يركز على أولوياته لضمان الوصول إلى اتفاق، حيث لم تعلق سوريا بشكل رسمي بعد الاجتماع، بينما اعتبر مسؤول سوري في حديثه لوكالة “رويترز” أنه لا يمكن الانتقال إلى أي ملفات استراتيجية بين سوريا و”إسرائيل” دون جدول زمني ملزم وواضح للانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي التي استولت عليها بعد الإطاحة ببشار الأسد في أواخر 2024.
وقال المسؤول إن أحدث جولة من المحادثات انتهت بمبادرة أمريكية “على تجميد فوري لكافة الأنشطة العسكرية الإسرائيلية” ضد سوريا، متهمًا “إسرائيل” باللجوء إلى “المماطلة التقنية” في المحادثات، قائلًا إن عليها التخلي عن “عقليتها التوسعية” حتى يتسنى المضي قدمًا في المحادثات.
ونقل موقع “أكسيوس” عن مسؤول أمريكي، أن واشنطن عرضت إنشاء غرفة عمليات ثلاثية مع سوريا و”إسرائيل” في العاصمة الأردنية عمان لإجراء مفاوضات بشأن نزع سلاح جنوب سوريا وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي احتلتها بعد سقوط نظام الأسد.
وسيرسل كل طرف ممثلين إلى الغرفة للتعامل مع المحادثات الدبلوماسية والشؤون العسكرية والقضايا الاستخبارية والعلاقات التجارية، وتعمل واشنطن على تجميد جميع الأنشطة العسكرية من الجانبين في مواقعها الحالية إلى حين العمل على التفاصيل ضمن إطار غرفة العمليات، وفق الموقع.
ولم يصدر أي تعليق عن “إسرائيل” حول تجميد عملياتها العسكرية في سوريا، في حين أوضح مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، أن “إسرائيل” شددت خلال المحادثات مع سوريا على أهمية ضمان أمن مواطنيها ومنع أي تهديدات على حدودها، وعلى التزامها بالاستقرار والأمن الإقليميين، إضافة إلى الحاجة لتعزيز التعاون الاقتصادي لكلا البلدين. وأشار المكتب إلى أنه تم الاتفاق على مواصلة الحوار مع سوريا لتحقيق الأهداف المشتركة والحفاظ على أمن الأقلية الدرزية في سوريا.
وقبل اللقاء، أشارت وسائل إعلام إلى أن الاتفاق الأمني بين سوريا و”إسرائيل” قد يمثل خطوة أولى نحو تطبيع دبلوماسي في المستقبل، بينما شكّل الحديث الرسمي عن “فرص تجارية” و”التعاون الاقتصادي” المجالات المدنية أول ظهور علني لها في المحادثات، الأمر الذي يعيد ملف التطبيع عبر اتفاقيات “أبراهام” إلى الواجهة مجددًا.
يقول الكاتب والمحلل السياسي فراس علاوي لـ”نون بوست” إن اجتماع باريس الأخير يختلف عن جميع الاجتماعات السابقة، مشيرًا إلى وجود ضغط أمريكي للخروج بنتائج، أبرزها عمليات تنسيق أمنية في الجنوب السوري وتطوير اتفاق عام 1974، بما يضمن عدم الصدام بين الطرفين السوري والإسرائيلي.
ويضيف علاوي أن الجولة الحالية قد تؤدي إلى اتفاق أمني واسع، وليس عملية تطبيع، مع احتمال مناقشة بعض القضايا الأمنية وقضايا تتعلق بالحدود والتنسيق الأمني والاستخباراتي ونزع السلاح في عمق محدد، دون الوصول إلى تطبيع سياسي ودبلوماسي في الوقت الحالي.
ويستبعد أن يكون هناك تطبيع شامل، وحتى المناقشات في المجالات المدنية أو الزراعية، ربما تشير إلى الأراضي الزراعية الحدودية أو مياه نهر الأردن، ومن غير المرجح أن تتجاوز نطاقها الحالي على الأقل في المرحلة الانتقالية.
أما المحلل السياسي درويش خليفة، فيرى أن ما بعد البيان الثلاثي المشترك، ولا سيما ما تضمنه من إنشاء آلية تنسيق مشتركة، يعكس محاولة أمريكية لنقل جنوب سوريا من منطقة تحديات أمنية لكلا الطرفين (إسرائيل حسب ادعاءاتها) إلى مساحة فرص استثمارية. ويشير إلى أن الولايات المتحدة تسعى إلى نقل المقاربة من الإطار الأمني إلى الاقتصادي، وبناء الثقة بين سوريا و”إسرائيل” على أساس استثماري أكثر منه أمني.
ويقول خليفة لـ”نون بوست” إن المرحلة الحالية جديدة لا تمثل اتفاقًا أمنيًا ولا انخراطًا سوريًا في الاتفاقيات الإبراهيمية، لكنها تفتح بابًا قد يتطور مستقبلًا في هذا الاتجاه، من خلال بدء تنسيق محدود قد يفضي إلى استثمارات فعلية قرب الشريط الحدودي، وهو ما أشارت إليه وسائل إعلام عبرية. ويرى أن هذا المسار قد يخفف من حدة الانتقادات الموجهة للسلطات السورية بشأن أي علاقة مع “إسرائيل”.
وفي المقابل، يشير خليفة إلى تساؤل حول ما إذا كان أي اتفاق سلام محتمل مع “إسرائيل” قد يضعف الموقف العربي، ولا سيما الطرح الذي تقوده السعودية بشأن حل الدولتين، معتبرًا أن هذا الاتجاه قد يتعارض مع التوجه العربي العام، مع التأكيد في الوقت نفسه على أن الحديث عن ذلك لا يزال مبكرًا في المرحلة الحالية.