في سابقة تحدث لأول مرة منذ تأسيسها عام 2003، أعلنت شركة الاتحاد الإماراتية للطيران المملوكة لحكومة أبوظبي، البدء بتشغيل خط طيران منتظم بمعدل ست رحلات يومية إلى “إسرائيل”.
وهذه هي المرة الأولى في تاريخ الشركة التي يتجاوز فيها خط جوي حاجز الخمس رحلات يوميًا، ما يعكس مدى تعمق العلاقات بين الإمارات والاحتلال الإسرائيلي منذ توقيع اتفاقيات أبراهام التطبيعية عام 2020 لتتقدم على أي اعتبارات سياسية أو أخلاقية.
هذا الخط، بدأ العمل به في 15 يونيو/حزيران، ويشمل حاليًا وجهات مثل بانكوك، الرياض، ومومباي، وسيعمل وفق جدول يضم 42 رحلة أسبوعية.
ويعكس الخط الجديد الطلب المتزايد على السفر بين الجانبين، ويقدم “تل أبيب” كوجهة اعتيادية ضمن أكثر الوجهات ازدحامًا لدى الناقل الوطني الإماراتي مما يخفف عمليًا من كلفة العزلة التي تُفترض على دولة الاحتلال.
ومحطة “الاتحاد” في “إسرائيل”، التي يديرها ران فولك، مُصنفة حاليًا في المرتبة الخامسة بعد دول أوروبا من حيث حجم النشاط، بعد ألمانيا، فرنسا، إسبانيا وإيطاليا.
ووفقًا لفولك، فإن “القرار بتشغيل ست رحلات جوية يومية تحديدًا إلى تل أبيب، سابقة مهمة تعكس التزام الشركة بتعميق الربط الجوي بينها وبين الإمارات وربط إسرائيل بالعالم من خلال الشبكة العالمية للاتحاد”.
فك عزلة الاحتلال
شهدت حركة الطيران بين الإمارات و”إسرائيل” نموًا سريعا منذ بدء الرحلات المباشرة في 2020. وارتفع عدد الرحلات تدريجيًا ليصل في مواسم الذروة إلى 10 يوميًا عام 2021، فيما بلغت أحيانا 14 رحلة مباشرة في اليوم.
اليوم، مع إضافة الاتحاد رحلاتها الست، يتجاوز إجمالي الرحلات اليومية المباشرة رقمًا قياسيًا جديدًا، وخاصة مع الانتعاش الملحوظ في عام 2025 حيث:
- سافر أكثر من 300 ألف مسافر من “إسرائيل” إلى أبوظبي على متن رحلات الاتحاد للطيران بمتوسط إشغال يقارب 90%.
- حوالي 30% من هؤلاء المسافرين قصدوا أبوظبي لقضاء عطلة، بينما واصل 70% رحلاتهم عبر شبكة الاتحاد إلى وجهات أبعد في آسيا.
وأسهم الانفتاح الجوي في تنشيط حركة السفر والسياحة بشكل ملحوظ بين الجانبين، وإن كان ذلك بصورة غير متوازنة. فقد أصبحت الإمارات بسرعة واحدة من أهم الوجهات السياحية للإسرائيليين. على سبيل المثال، أفادت تقارير وبيانات رسمية أوائل 2025 أن:
- دبي تصدّرت قائمة الوجهات الشتوية للإسرائيليين، حيث شكّلت الرحلات إليها أكثر من 10% من إجمالي الرحلات من مطار بن غوريون.
- خلال 10 أشهر فقط من عام 2022، زار الإمارات أكثر من 150 ألف إسرائيلي، مقابل نحو 1600 إماراتي فقط إلى “إسرائيل” بنفس الفترة.
هذا التباين الكبير يُظهر أن عوائد التطبيع السياحية تصب بشكل أساسي في دعم قطاع السياحة الإماراتي واقتصادها، لكنه أيضًا يعود بالنفع على الاقتصاد الإسرائيلي بطرق غير مباشرة.
فمع ارتفاع حركة السفر، زادت عائدات المطارات وشركات الطيران الإسرائيلية (مثل العال وإسراير) من نقل المسافرين، كما تعززت نشاطات وكالات السياحة والسفر لدى الجانبين.
وأفادت هيئة المطارات الإسرائيلية أن حركة المسافرين عبر مطار بن غوريون ارتفعت عام 2025 بنسبة 33% لتصل إلى 18.5 مليون مسافر، مقارنة بـ13.9 مليون فقط في 2024 حين تأثرت الحركة بالحرب، مع بقاء خطوط الإمارات ضمن المسارات الأبرز.

استمرار الرحلات رغم العدوان
تعرّض ازدهار الرحلات لاختبار صعب أثناء العدوان الإسرائيلي على غزة (2023 – 2025). إذ أوقفت العديد من شركات الطيران العالمية مثل دلتا ولوفتهانزا وغيرها رحلاتها إلى “إسرائيل” أو علقتها بشكل متكرر فتراجعت حركة السفر الدولية.
وانخفضت حركة المسافرين عبر مطار بن غوريون بنحو النصف مقارنة بالعام السابق. لكن المفارقة كانت في استمرار الرحلات الإماراتية التي ساهمت في فك عزلة “إسرائيل” وأبقتها مرتبطة جويًا بالعالم حينها.
وواصلت شركتا فلاي دبي والاتحاد للطيران تسيير رحلات منتظمة بين دبي/أبوظبي و”تل أبيب”، وهو ما عكس كيفية فصل الإمارات مسار التطبيع عن كلفة الحرب على المدنيين في غزة. وتشير الإحصائيات إلى أن فلاي دبي:
- سيرت منذ اندلاع العدوان على غزة عام 2023 ما يفوق 1,800 رحلة من وإلى “إسرائيل”.
- لم تلغِ سوى 77 رحلة فقط.
- نفذت في سبتمبر/أيلول 2024 وحده أكثر من 200 رحلة.
أما الاتحاد للطيران فاستمرت برحلاتها اليومية المنتظمة إلى “تل أبيب” طوال فترة العدوان (إلى جانب الناقل الإسرائيلي إلعال)، مكتفيةً بمراقبة الوضع الأمني واتخاذ إجراءات احترازية عند الضرورة.
وأكدت صحيفة “تايمز أوف إسرائيل” أن الرحلات القادمة من الإمارات كانت الوحيدة تقريبًا التي لم تتوقف أثناء الحرب رغم الخطر، ما حافظ على حد أدنى من الاتصال الجوي مع “تل أبيب” في عز أزمتها.
ومع سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر/تشرين الأول 2025، بدأت شركات الطيران العالمية بالعودة تدريجيًا إلى تسيير الرحلات نحو “إسرائيل”، الأمر الذي ترجم إلى ارتفاع كبير في حركة الركاب خلال ديسمبر من نفس العام (+59% على أساس سنوي).
وعلى مدار عام 2025 بأكمله، استعاد مطار بن غوريون جزءًا كبيرًا من عافيته مسجلًا 18.5 مليون مسافر (أعلى بـ33% من 2024 لكن أقل من مستوى 2023 ما قبل الحرب).
هذه الأرقام تعكس حجم الضربة التي شكّلتها الحرب لصناعة الطيران الإسرائيلية، وفي نفس الوقت تبرز الدور المحوري للخطوط الإماراتية في سد فجوة العزلة الجوية أثناء الأزمة، فبفضلها تمكن آلاف الإسرائيليين من السفر لقضاء الإجازات أو مزاولة الأعمال رغم كل شيء.
ترسيخ التطبيع عبر الرحلات
أثبتت تجربة السنوات الأخيرة أن خطوط الطيران المباشرة باتت من أهم جسور التطبيع بين الإمارات و”إسرائيل”.
فعلى الرغم من الاضطرابات الإقليمية والتوتر الشعبي في العالم العربي إزاء العدوان على غزة، اختارت أبوظبي المضي قدمًا في شراكتها مع “إسرائيل”.
وبدلًا من قطع العلاقات تحت الضغط، استمرت الزيارات الرسمية وتواصلت الرحلات الجوية، بل وتعزز التعاون الاقتصادي.
وتشير البيانات إلى أن التبادل التجاري بين الجانبين نما في ذروة الحرب؛ حيث بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 3.2 مليار دولار في 2024 بزيادة 11% عن العام السابق، بما يعكس اتساع المصالح المتبادلة حتى في أكثر الفترات حساسية.
كما أبقت الإمارات على تمثيلها الدبلوماسي في “تل أبيب” طوال فترة الحرب، في وقت كانت تُسمع فيه دعوات شعبية لوقف التطبيع.
في هذا السياق، تقول دينا إسفندياري – وهي مستشارة في مجموعة الأزمات الدولية – إن “استمرار الرحلات بين الجانبين أثناء الحرب رمز لالتزام الإمارات بعلاقتها مع “إسرائيل” رغم كل شيء”.
ويعلّق المحلل البحريني أحمد الخزاعي لصحيفة “تايمز أوف إسرائيل” بأن “اتفاقيات أبراهام أثبتت متانتها مقارنة باتفاقيات السلام القديمة مع مصر والأردن، حيث صمدت أمام عاصفة أكتوبر 2023 ولم تسقط الروابط الاقتصادية أو الشعبية بين الإمارات وإسرائيل”.
لا يظل قرار “الاتحاد” رفع رحلاتها إلى “تل أبيب” إلى ست يوميًا تفصيلًا تشغيليًا، بل يشي بمرحلة تُدار فيها العلاقة كخدمةٍ منتظمة: تُكثَّف وتُسوَّق بلغة “الطلب” و”الربط العالمي”، فيما تُدفَع كلفة العدوان والاحتلال إلى هامش الصورة.