ترجمة وتحرير: نون بوست
تتمتع الدولة الواقعة في أميركا الجنوبية بمستوى إنتاج منخفض نسبيًّا، إلا أن احتياطياتها الهائلة من النفط الخام عالي الكثافة تحظى بطلب كبير من المصافي الأميركية
أحد المبررات التي قدّمها دونالد ترامب لاختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في وقت سابق من هذا الشهر، تمثّل في اتهام كاراكاس بـ”سرقة” النفط الأمريكي.
وقال الرئيس الأمريكي: “لقد بنينا صناعة النفط في فنزويلا بالموهبة والعزيمة والمهارة الأميركية، لكن النظام الاشتراكي سرقها منا خلال الإدارات السابقة”.
وأضاف: “لقد جرت هذه السرقة بالقوة، وهو ما يشكّل واحدة من أكبر عمليات الاستيلاء على الممتلكات الأميركية في تاريخ بلادنا”.
كما أعلن ترامب أن واشنطن ستتولى “إدارة” فنزويلا إلى حين إتمام “عملية انتقال آمنة وسليمة ورشيدة”.
وأوضح أن ذلك سيشمل مساعي شركات النفط الأميركية لإصلاح “البنية التحتية المتهالكة” في القطاع النفطي و”البدء في تحقيق عائدات مالية للبلاد”.
لكن ما الذي يفسّر الاهتمام الأميركي الخاص بالنفط الفنزويلي؟ وكم تبلغ كمية النفط غير المستغلة في احتياطيات البلاد؟
صحيفة ميدل إيست آي تسلّط الضوء على هذه الأسئلة.
1. فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم
تتصدر فنزويلا قائمة الدول من حيث حجم الاحتياطيات النفطية المؤكدة، التي تُقدَّر بنحو 303 مليارات برميل، ما يعادل 17 في المئة من إجمالي الاحتياطيات العالمية، أي النفط الذي لم يُستخرج بعد من باطن الأرض.
وتحلّ السعودية في المرتبة الثانية باحتياطيات تبلغ 267 مليار برميل، تليها إيران وكندا والعراق والإمارات والكويت وروسيا والولايات المتحدة.
وتفوق احتياطيات فنزويلا نظيرتها الأمريكية بأكثر من خمسة أضعاف، ويتركز معظمها في حزام أورينوكو، وهي منطقة استوائية تضم مزيجاً من الغابات والسهول والدلتا في شرق البلاد، وتمتد على مساحة تُقدَّر بنحو 55 ألف كيلومتر مربع.

وتتسم غالبية الاحتياطيات النفطية الفنزويلية بارتفاع كثافتها واحتوائها على نسب كبيرة من الكبريت، وهو ما يُعرف بـ”النفط الخام الحامضي”، الأمر الذي يجعل استخراجه ومعالجته أكثر تعقيدًا وكلفة.
وإلى جانب فنزويلا، تشمل الدول الرئيسية المصدّرة للنفط الخام الحامضي كلاً من كندا وروسيا والمكسيك.
وعادةً ما يُتداول النفط الحامضي بأسعار أقل من النفط “الحلو” أو “الخفيف”، الذي يتميز بانخفاض نسبة الكبريت فيه.
ونظراً لسهولة تكرير النفط الخفيف الحلو وانخفاض تكلفته في إنتاج البنزين والديزل، فإنه يحظى بطلب أعلى ويحقق أسعاراً أفضل في الأسواق العالمية، ومن أبرز مصدّريه السعودية والإمارات والولايات المتحدة والجزائر.
2. لكن فنزويلا تنتج كميات محدودة من النفط
على الرغم من امتلاكها أكبر احتياطيات نفطية في العالم، لا تُعدّ فنزويلا من كبار منتجي النفط على الصعيد العالمي.
ففي العام الماضي، لم يتجاوز إنتاجها نحو مليون برميل يومياً من السوائل البترولية، بما في ذلك النفط الخام والغاز الطبيعي وسوائل أخرى، أي ما يقارب واحداً في المئة من إجمالي الإنتاج العالمي.
ويمثل هذا المستوى جزءًا محدودًا من الطاقة الإنتاجية الفعلية للبلاد، التي أخفقت فنزويلا في بلوغها نتيجة سوء الإدارة، وضعف الاستثمارات، إضافة إلى العقوبات.
في المقابل، تتصدر الولايات المتحدة قائمة أكبر منتجي النفط في العالم بإنتاج يبلغ 22.7 مليون برميل يومياً، أي أكثر من ضعف إنتاج أي دولة أخرى، وتمثل نحو 22 في المئة من الإنتاج العالمي.

وتأتي السعودية، التي تمتلك ثاني أكبر احتياطيات نفطية عالمياً، في المرتبة الثانية من حيث الإنتاج، تليها روسيا وكندا، اللتان تضم احتياطياتهما كميات كبيرة من النفط عالي الكثافة.
وكان ترامب قد أعلن أن شركات نفط أميركية “كبيرة جداً” تعتزم إنفاق مليارات الدولارات لإصلاح “بنية تحتية متهالكة بشدة” في قطاع النفط الفنزويلي.
غير أن محللين يرون أن هذه العملية ستستغرق سنوات، نظراً لحالة التدهور التي تعاني منها البنية التحتية النفطية في البلاد.
كما تُظهر تجارب تغيير الأنظمة في العراق عام 2003 وليبيا عام 2011 أن التحول السياسي لا يؤدي بالضرورة إلى تحقيق استقرار في إمدادات النفط.
3. تراجع إنتاج النفط تفاقم بمرور الوقت
كانت فنزويلا من الأعضاء المؤسسين لمنظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك)، التي أُسست عام 1960 بهدف تنسيق إمدادات النفط بين الدول المنتجة والتأثير في مستويات الأسعار.
وخلال سبعينيات القرن الماضي، أقدمت فنزويلا على تأميم قطاع النفط، وأسست شركة “بتروليوس دي فنزويلا”.
وسارت عدة دول في أميركا اللاتينية، إلى جانب دول عربية، على النهج نفسه، ما أسهم في طفرة النفط التي شهدها العالم خلال تلك الفترة.
وفي العقود اللاحقة، سمحت كاراكاس بقدر محدود من الاستثمارات الأجنبية في قطاع الطاقة.

ولسنوات طويلة، شكّلت فنزويلا أحد كبار مصدّري النفط عالمياً، وبحلول أواخر تسعينيات القرن الماضي كانت تصدّر ما يصل إلى مليوني برميل يومياً إلى الولايات المتحدة.
غير أن وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999 مثّل نقطة تحوّل، إذ أصدرت الحكومة قراراً يقضي بامتلاك شركة “بتروليوس دي فنزويلا” الحصة الأكبر في جميع مشاريع النفط داخل البلاد، ما أدى إلى الاستحواذ على أصول شركات نفط أميركية، من بينها “إكسون” و”كونوكو”.
ومنذ ذلك الحين، أسهمت حالة عدم الاستقرار السياسي وضعف الاستثمارات في البنية التحتية في تراجع إنتاج النفط الفنزويلي.
وتلقت الصادرات ضربة قاسية في عام 2017، ثم مجدداً في عام 2019، عندما فرضت إدارات أميركية متعاقبة عقوبات على فنزويلا، على خلفية مخاوف تتعلق بغياب الديمقراطية، وتفشي الفساد، وانتهاكات حقوق الإنسان.
ونتيجة لذلك، تراجعت مبيعات النفط إلى الولايات المتحدة بشكل ملحوظ، واتجهت فنزويلا بعيداً عن الأسواق الغربية، لتصدّر نحو 80 في المئة من نفطها إلى الصين، إلى جانب مشترين رئيسيين آخرين مثل كوبا والهند.
وفي الوقت الذي واصل فيه الإنتاج الفنزويلي مساره التنازلي، شهد إنتاج النفط الأميركي نمواً لافتاً منذ عام 2010، مدفوعاً جزئياً بتقنيات مثل التكسير الهيدروليكي والحفر الأفقي.
4. الولايات المتحدة تستهلك كميات هائلة من النفط
لا تقتصر مكانة الولايات المتحدة على كونها أكبر منتج للنفط في العالم، بل تُعدّ أيضاً أكبر مستهلك له على مستوى العالم.
وتأتي الصين في المرتبة الثانية من حيث الاستهلاك، تليها الهند، ثم السعودية وروسيا.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع مستويات إنتاج النفط في الولايات المتحدة يقلل حاجتها إلى النفط الفنزويلي.
إلا أن البيانات، كما يوضح الرسم البياني التالي، تشير إلى أن الولايات المتحدة تتجه بشكل متزايد نحو البحث عن النفط عالي الكثافة والحامضي.
5. الولايات المتحدة بحاجة إلى النفط الثقيل
ويفضّل جزء كبير من دول العالم النفط منخفض الكثافة وسهل التكرير، ويشمل ذلك النفط الأميركي، ولا سيما المنتج عبر تقنيات التكسير الهيدروليكي.
غير أن المصافي الأميركية، وخصوصاً تلك الممتدة على طول ساحل خليج المكسيك، صُممت في الأساس لمعالجة النفط الأثقل، ما يفسر الحاجة المتزايدة إلى استيراد النفط عالي الكثافة.
في عام 2024، صُنفت 62 في المئة من واردات النفط الأمريكية على أنها “نفط خام ثقيل” وفقاً لمقياس الكثافة النوعية لمعهد البترول الأمريكي، الذي يقيس درجة الكثافة، بينما شكل النفط المتوسط 27 بالمئة، والنفط الخفيف 10 بالمئة فقط.

ويوضح ذلك سبب اعتماد الولايات المتحدة على كندا كمصدر لأكثر من 60 في المئة من وارداتها من النفط الخام، تليها المكسيك بنسبة 7 في المئة، وهما دولتان تُعدّان من أبرز منتجي النفط الثقيل.
وإذا ما تمكنت الولايات المتحدة من الوصول إلى احتياطيات فنزويلا من النفط عالي الكثافة، وهي الأكبر في العالم، فإن ذلك قد يشكّل تحولاً إستراتيجيًّا بالغ الأهمية.
المصدر: ميدل إيست آي