ترجمة وتحرير: نون بوست
يعتبر قرار الرئيس ترامب بشن عملية عسكرية سرّية قبيل الفجر في فنزويلا لاعتقال الرئيس نيكولاس مادورو اعتداءً صارخًا على القانون الدولي، حيث يهدد هذا الإجراء بإنهاء حقبة من السلام التاريخي ويعيدنا إلى عالم تسود فيه القوة على الحق. سيُدفع الثمن من الأرواح البشرية.
شهد العام الماضي الذكرى الثمانين لميثاق الأمم المتحدة لعام 1945، وهو وثيقة وقّعتها 51 دولة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، تعهّد فيها الموقّعون بالعمل على “إنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب”. ومنذ ذلك الحين لم تخض القوى العظمى حربًا ضد بعضها البعض، ولم تختفِ أي دولة عضو في الأمم المتحدة نتيجة الغزو.
لكن خلال العقد الماضي بدأ هذا السلام بالتآكل، واليوم يقف على حافة الانهيار الكامل. إذا حدث ذلك، ستكون العواقب كارثية. يمكننا بالفعل أن نرى التكلفة المدمّرة: وفقًا لحساباتي، بين عامي 1989 و2014 بلغ متوسط الوفيات المرتبطة بالمعارك في النزاعات العابرة للحدود أقل من 15,000 وفاة سنويًا. وبدءًا من عام 2014 ارتفع المتوسط إلى أكثر من 100,000 وفاة سنويًا. ومع زيادة تجاهل القيود المفروضة على الاستخدام المشروع للقوة، قد لا يكون ذلك سوى بداية حقبة جديدة من النزاعات الدامية.

ملاحظة: لا تشمل هذه البيانات الوفيات الناتجة عن النزاعات الداخلية البحتة أو المجاعة والأمراض.
لا ينبغي اعتبار السلام النسبي الذي ساد خلال العقود الثمانية الماضية أمرًا مفروغا منه. على مدى قرون عديدة، كانت الحرب قانونية تمامًا، بل كانت في الواقع الوسيلة الرئيسية التي تلجأ إليها الدول لحل نزاعاتها. كان بإمكان الدول أن تُرغم بعضها البعض على توقيع المعاهدات تحت تهديد السلاح، ثم تلجأ إلى الحرب لفرض تلك المعاهدات إذا ما تم انتهاكها. وكانت الدول التي تنتصر في الحروب تتمتع بالحق القانوني في الاحتفاظ بما استولت عليه من أراضٍ أو ممتلكات أو بشر. وهكذا كانت الدول تنهض وتنهار، تستولي على الأراضي وتفقدها، فيما يتحمّل السكان الذين يعيشون في الأراضي المتنازع عليها تبعات كل ذلك.
بدأ نظام الحرب القانونية بالتراجع بعد الحرب العالمية الأولى، حين أعلنت مجموعة من الدول عام 1928 تخليها عن الحرب بتوقيعها على ميثاق كيلوغ-بريان. وقد أُعيد التأكيد على ذلك الالتزام في عام 1945 من خلال ميثاق الأمم المتحدة، الذي وضع مبدأ نبذ الحرب في صميم النظام القانوني الدولي الجديد.
أصبح غزو أراضي الدول الأخرى ودبلوماسية التهديد العسكري غير قانونيين، وحلّت العقوبات الاقتصادية مكان الحرب كأداة رئيسية لإنفاذ القانون الدولي، وأصبح شنّ الحرب جريمة تستحق الملاحقة الجنائية، كما حدث في محاكمات نورمبرغ وطوكيو بعد الحرب العالمية الثانية.
لم يكن السلام مثاليا أبدا. كانت النزاعات في كوريا وفيتنام وكمبوديا إخفاقات مبكرة ومروّعة. كما تضاعف عدد دول العالم مع موجة إنهاء الاستعمار وأصبحت الحروب الأهلية التي لا ينظمها ميثاق الأمم المتحدة أكثر شيوعًا. مع ذلك، حقق الاتفاق إنجازًا لافتًا: أصبح الغزو، الذي كان شائعًا في السابق، نادرًا، وتقلّص عدد الضحايا الناتج عن انخراط الدول في نزاعات خارج حدودها.
يمكن ملاحظة ذلك من خلال إحصاءات برنامج أوبسالا لبيانات النزاعات، الذي يستخدمه الباحثون لتتبع أعمال العنف المنظم والوفيات الناتجة عنها. تُظهر البيانات أن الوفيات المرتبطة بالمعارك في النزاعات العابرة للحدود – بما في ذلك النزاعات بين الدول، مثل حرب روسيا على أوكرانيا، والنزاعات التي تنخرط فيها دولة في صراع داخل دولة أخرى، مثل ضربات الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة في العراق – منخفضة نسبيًا من تسعينيات القرن الماضي وحتى منتصف العقد الثاني من الألفية الحالية.
لكن كانت هناك بعض الاستثناءات. ففي عام 1991، قُتل أكثر من 20,000 شخص نتيجة غزو العراق للكويت وردّ المجتمع الدولي. وفي عام 1992، قُتل أكثر من 20,000 شخص في البوسنة والهرسك. وفي عامي 1999 و2000، قُتل عشرات الآلاف في الحرب بين إثيوبيا وإريتريا. وارتفع عدد الوفيات في عام 2003 عندما شنّت الولايات المتحدة حربها على العراق.
ابتداءً من أوائل العقد الأول من الألفية الجديدة، بدأت القيود القانونية للحرب بالتآكل. بعد الهجمات المدمّرة التي شنّها تنظيم القاعدة على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر/ أيلول 2001، شرعت الولايات المتحدة في استخدام القوة في أنحاء الشرق الأوسط ضد من اعتبرتهم تهديدًا إرهابيًا. ولتبرير استمرار الضربات وتوسيعها لتشمل مجموعة من التنظيمات الإرهابية فيما أُطلق عليه لاحقًا “الحرب الأبدية”، ابتكرت الولايات المتحدة حقًا قانونيًا جديدًا بموجب ميثاق الأمم المتحدة: الدفاع عن النفس ضد الجماعات غير الحكومية التي قالت إنها تهدد أمنها.
حتى ذلك الحين، كان من المتعارف عليه بين أعضاء الأمم المتحدة أن حق الدفاع عن النفس في الميثاق يقتصر على التهديدات التي تشكّلها دول أخرى. لكن بتوسيع هذا الحق ليشمل التهديدات الصادرة عن جهات غير حكومية، فتحت الولايات المتحدة الباب أمام دول أخرى لاستخدام القوة بشكل أحادي على المستوى الدولي تحت غطاء قانوني. وعلى مدى العقد التالي، تبنّت المزيد من الحكومات هذه النظرية.
بحلول عام 2014، بدأت نتائج هذا التحوّل بالظهور. مع صعود تنظيم الدولة، كثّفت الولايات المتحدة جهودها لمكافحة الإرهاب في الشرق الأوسط، وانضمت العديد من الدول الأخرى إلى الحرب. وفي العام نفسه، أنهت الولايات المتحدة وحلف الناتو رسميًا العمليات القتالية في أفغانستان، لكنهما واصلا تقديم دعم كبير للقوات الأفغانية. كما شهد العقد الماضي تصاعدًا في النزاعات الدموية في سوريا والعراق وإثيوبيا واليمن وجمهورية الكونغو الديمقراطية ونيجيريا والصومال وليبيا وغزة، وشاركت دول خارجية في تلك النزاعات غالبًا بذريعة حق الدفاع عن النفس. وقد قُتل مئات الآلاف من الأشخاص نتيجة لتلك النزاعات.
وفي الوقت نفسه، عادت الحروب بين الدول بعد أن تراجعت إلى أدنى مستوياتها بعد عام 1945. أدى الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022 إلى مقتل عشرات الآلاف من الروس والأوكرانيين سنويًا. كما سقط قتلى في نزاعات بين الدول في سوريا وبولندا وقيرغيزستان وطاجيكستان. وفي عام 2024، اندلع صراعات بين إيران وإسرائيل، وأفغانستان وباكستان، كما استخدمت الولايات المتحدة وعدد من حلفائها القوة المميتة في اليمن.
وفي السنوات الأخيرة، ظهرت أنواع أخرى من النزاعات أيضًا. أودت الحرب بين إسرائيل وغزة بحياة أكثر من 72,000 إنسان. كما قُتل عشرات الآلاف من المدنيين في الحرب الأهلية في السودان، والتي تصاعدت بشكل كبير في عام 2025.
والآن، أمر ترامب الجيش الأمريكي بقصف فنزويلا، في عملية تقول السلطات المحلية إن ما لا يقل عن 80 شخصًا قُتلوا خلالها. هذا الهجوم، إلى جانب استهداف الجيش الأمريكي أكثر من 30 قاربًا يُزعم أنها تُستخدم في تهريب المخدرات، يُظهر تجاهلًا تامًا للقيود التي يفرضها الميثاق على الحرب وإحياءً لمبدأ سيادة القوة على الحق.
لا يمكن تبرير العملية العسكرية بحق الدفاع عن النفس. تهريب المخدرات ليس “هجومًا مسلحًا” على الولايات المتحدة، وهو المعيار الدولي الذي يصبح بموجبه الدفاع عن النفس قانونيا. وحتى لو كان مادورو قد استولى على السلطة بشكل غير قانوني وارتكب أعمالًا إجرامية، فإن ذلك لا يشكّل مبررًا قانونيًا لاستخدام القوة العسكرية ضد فنزويلا. الوسائل غير العنيفة -مثل العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية- هي الرد الوحيد المشروع بموجب القانون الدولي.
لن يتوقف قرار استخدام القوة العسكرية للإطاحة بحكومة غير مرغوب بها عند الولايات المتحدة، بل يمكننا أن نتوقع أن تتخذ دول أخرى خطوة مماثلة.
ربما لا يزال هناك وقت لإيقاف هذا المسار. عندما غزت روسيا أوكرانيا، أدانت أكثر من 140 دولة العملية باعتبارها غير قانونية، مما ساعد على تجنّب ما كان سيمثل على الأرجح ضربة قاتلة للنظام القانوني الدولي.
هذا هو ما يتطلبه الأمر للحفاظ على النظام القانوني الدولي عندما تنتهك دولة كبرى القواعد. لكن حتى الآن، لم تُبدِ سوى قلة من الدول استعدادًا لمواجهة ترامب بقوة. وإذا فشلت الدول في العمل معًا للحفاظ على حظر استخدام القوة، الذي يشكل الركيزة الأساسية للنظام القانوني الدولي بعد الحرب، سوف يكون الثمن هو سقوط المزيد من الأرواح في نزاعات ليس لها أي ضوابط تكبحها.
في رواية إرنست همنغواي “الشمس تشرق أيضًا”، يشرح مايك كامبل كيف أفلس قائلا: “تدريجيًا ثم بعد ذلك فجأة”. إن عقود السلام الذي غيّر العالم وإن لم يكن كاملا، والذي ساعد ميثاق الأمم المتحدة في الحفاظ عليه، يواجه الآن المصير ذاته. في ظل عدم التزام الولايات المتحدة بالمبدأ الأساسي للنظام القانوني الدولي الذي كانت يومًا من أبرز المدافعين عنه، يواجه هذا النظام المترنّح خطر الانهيار بشكل كامل.
المصدر: نيويورك تايمز