لم تعد الحرب التجارية بين أمريكا والصين مجرد نزاع حول الرسوم الجمركية أو ميزان التبادل التجاري، بل تحوّلت إلى صراع مفتوح على مفاتيح القوة، عماده التكنولوجيا وسلاسل التوريد والموارد الاستراتيجية من النفط إلى المعادن النادرة التي تحولت إلى أدوات صراع صامت بين الدولتين.
ضمن هذا المشهد، تبدو فنزويلا للوهلة الأولى دولة بعيدة ظاهريًا عن قلب المنافسة التكنولوجية الكبرى، غير أن التدقيق في مسار الحرب التجارية والتكنولوجية بين واشنطن وبكين، يكشف أن الدولة الغارقة في أزماتها السياسية والاقتصادية الخانقة تطفو كرقعة شطرنج بالغة الحساسية في مواجهة تتجاوز حدودها بكثير، حيث تتقاطع المصالح الأمريكية الرامية إلى كبح التقدم الصيني مع طموحات بكين في تأمين الموارد الاستراتيجية اللازمة لاستدامة صعودها الصناعي والتكنولوجي.
وتطرح التحركات الأمريكية المتصاعدة ضد نظام الرئيس نيكولاس مادورو، بما في ذلك العملية العسكرية التي انتهت باختطافه وزوجته تحت عناوين قانونية وأمنية، أسئلة أعمق حول ما إذا كان الأمر يتعلق بإرساء الديمقراطية وحقوق الإنسان فقط، أم أن الدولة الواقعة في أمريكا اللاتينية أصبحت حلقة مفقودة في معركة واشنطن الأوسع لوقف التمدد الصيني، لا سيما في مجال المعادن الاستراتيجية التي تُغذي الثورة التكنولوجية العالمية.
من الحرب التجارية إلى حرب الموارد الاستراتيجية
منذ عام 2018، بدا أن الخلاف بين واشنطن وبكين يتمحور حول رسوم جمركية غير متوازنة بحجة حماية الصناعات الأمريكية وتقليص العجز التجاري، غير أن تطور الأحداث كشف سريعًا أن جوهر هذا الصراع، الذي بدا في ظاهره اقتصاديًا، يحمل أبعادًا أعمق بكثير تتعلق بصراع بنيوي يتجاوز الأرقام إلى جوهر القيادة التكنولوجية العالمية.
تسعى الصين، عبر استراتيجيات صناعية طويلة الأمد، مثل مبادرتها الطموحة “صنع في الصين 2025” – التي أطلقتها عام 2015 للتحول من كونها مصنعًا عالميًا للمنتجات الرخيصة إلى قوة تصنيع عالية التقنية ومبتكرة – إلى تقليص الفجوة مع الغرب، بل وتجاوزها في بعض قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، من أشباه الموصلات إلى الروبوتات والذكاء الاصطناعي والطاقة النظيفة، ما تعتبره واشنطن تهديدًا مباشرًا لمكانتها كقوة مهيمنة على النظام الدولي.
ومع محدودية تأثير الرسوم الجمركية وحدها، انتقلت واشنطن إلى مرحلة أكثر تعقيدًا تتمحور حول استهداف سلاسل الإمداد العالمية، والتحكم في تدفق المواد الخام التي تقوم عليها الصناعات التكنولوجية الحديثة. وبالتالي، انتقل الصراع من مستوى التجارة إلى مستوى حرب الموارد.
من هنا، برزت المعادن الاستراتيجية – وعلى رأسها المعادن النادرة التي تُستخدم في صناعة الشرائح الإلكترونية التي تُشغل كل شيء بدءًا من السيارات الكهربائية إلى مراكز البيانات – كعنصر حاسم في المواجهة، لكن المفارقة تكمن في أن الصين لا تسيطر فقط على نسبة كبيرة (نحو 70%) من استخراج هذه المعادن عالميًا، بل تحتكر إلى حد بعيد عمليات التكرير والمعالجة العالمية، وهي الحلقة الأكثر تعقيدًا وربحية في سلسلة القيمة، في حين لا يُنتج أي من هذه المعادن في أمريكا حاليًا، ما منح بكين نفوذًا جيوسياسيًا غير مسبوق، وجعلها قادرة – نظريًا على الأقل – على استخدام الموارد كسلاح ضغط في مواجهة خصومها.

ردًا على ذلك، تبنت واشنطن سياسات تهدف إلى فك الارتباط مع الصين، أو على الأقل تقليص الاعتماد عليها، وتشمل تشديد القيود على تصدير التكنولوجيا المتقدمة إلى الصين، وتشجيع إعادة توطين الصناعات الحيوية، والبحث عن مصادر بديلة للمواد الخام خارج النفوذ الصيني، غير أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب إعادة رسم خريطة الموارد عالميًا، وهو ما يفسر اهتمام واشنطن المتزايد بمناطق كانت تُعد هامشية في السابق، لتتحول إلى عقد استراتيجية في الصراع العالمي، ومن بينها فنزويلا.
بالنسبة للصين، لا تُعد فنزويلا مجرد شريك نفطي، بل جزءًا من استراتيجية أوسع لتأمين احتياجاتها من الطاقة والمواد الخام خارج الممرات الخاضعة للهيمنة الأمريكية، فمنذ أكثر من عقد، استثمرت بكين مليارات الدولارات في البنية التحتية الفنزويلية، مقابل النفط والمعادن، ما منحها موطئ قدم نادر في أمريكا اللاتينية، وهو ما تعتبره واشنطن اختراقًا استراتيجيًا في “حديقتها الخلفية”.
في هذا الإطار، يمكن قراءة الضغوط الأمريكية على نظام مادورو – بما في ذلك العقوبات الاقتصادية الخانقة، والتهديدات العسكرية، ومحاولات الملاحقة القانونية – ليس فقط كأدوات لإحداث تغيير سياسي، بل كجزء من استراتيجية أوسع لإعادة توجيه الموارد الفنزويلية بعيدًا عن بكين التي نددت بانتهاكات السيادة الفنزويلية، ودعمت مادورو لسنوات طويلة.
ويرى مراقبون أن إضعاف القيادة السياسية في كاراكاس لا يعني فقط تغيير النظام، بل قد يفتح الباب أمام إعادة هيكلة العلاقات الاقتصادية للبلاد، وإخراج الصين – جزئيًا على الأقل – من معادلة الاستثمار طويل الأمد في قطاعي الطاقة والتعدين، لكن ليس من المرجح أن تقبل الصين بالانسحاب من هذا المشهد بسهولة.
في هذا السياق، تثير العملية العسكرية الأمريكية الأخيرة في فنزويلا تساؤلات حول تسييس القانون الدولي، فبينما تُرفع شعارات مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة، يبدو أن الخطاب القانوني يُستخدم كأداة لتحقيق أهداف جيوسياسية لا تتعلق فقط بمساءلة شخصية، بل بتقويض شبكة التحالفات والارتباطات الاقتصادية التي بناها النظام الفنزويلي خلال العقدين الماضيين، وفي مقدمتها علاقته الوثيقة بالصين.
وهكذا، تصبح الحرب التجارية بين أمريكا والصين مجرد واجهة لصراع أعمق، وتتحول فنزويلا إلى ساحة تنافس غير معلن في أمريكا اللاتينية، حيث يتشابك الصراع الداخلي مع حسابات القوى الكبرى، وتتحول الموارد الطبيعية إلى جائزة جيوسياسية في الحسابات الأمريكية وعامل حاسم في تحديد مصير الدولة الهشة سياسيًا واقتصاديًا.
فنزويلا كحلقة في معركة المعادن النادرة
لطالما قُدِّمت فنزويلا في الخطاب الأمريكي كـ”دولة فاشلة يقودها نظام سلطوي”، لكن هذه الرواية – رغم صحة بعض توصيفاتها – تغفل البعد الجيوسياسي الأوسع الذي يجعل من فنزويلا أكثر من مجرد دولة مأزومة، بل عقدة استراتيجية في صراع دولي على الموارد والنفوذ.
تحتل فنزويلا موقعًا جغرافيًا حساسًا في الاستراتيجية الأمريكية، فهي تقع في منطقة تعتبرها واشنطن تاريخيًا مجال نفوذها المباشر، لكن أهميتها لا تنبع فقط من موقعها، بل من ثرواتها الطبيعية الهائلة التي لا تقتصر على احتياطيات النفط الهائلة التي أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب صراحةً نيته السعي للسيطرة عليها وفتح طريق لشركات النفط الأمريكية للعودة للعمل هناك كما كانت تفعل قبل عقود.
إلى جانب امتلاكها أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، يُقدر بنحو 303 مليارات برميل (أي ما يعادل خُمس الاحتياطي العالمي)، متجاوزة بذلك السعودية، تحتوي فنزويلا على مخزون هائل من الذهب والألماس والبوكسيت والحديد، ومعادن استراتيجية – مثل الكولتان – تدخل في الصناعات العسكرية والإلكترونية الدقيقة، لكنها لا تزال في معظمها غير مستغلة إلى حد كبير، على الرغم من أهميتها الاستراتيجية المتزايدة في الاقتصاد العالمي الجديد.
بعض هذه العناصر نفسها كانت في صلب التصعيد الأخير بين واشنطن وبكين، إذ كادت أن تدفع أمريكا، في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إلى فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على الواردات الصينية، في مؤشر واضح على انتقال الصراع التجاري إلى مرحلة أكثر حساسية تمس جوهر الثورة التكنولوجية.
الغالبية الساحقة من هذه الترسبات تقع ضمن ما يُعرف بـ”قوس التعدين في أورينوكو”، وهي منطقة تعدين شاسعة في جنوب فنزويلا تمتد على مساحة تقارب 111 ألف كيلومتر مربع، وتشكل جزءًا من نطاق جيولوجي أوسع يُعرف باسم “درع غيانا”. وقد أُنشئت هذه المنطقة بمرسوم رئاسي صدر عام 2016، وسط اعتراضات أمريكية واسعة اتهمت السلطات الفنزويلية بإدارة أنشطة تعدين عبر منظومة غير مشروعة، تتسبب في أضرار بيئية جسيمة، وتغذي شبكات الفساد والجريمة المنظمة.
وعلى مدى سنوات، دأبت مصادر حكومية فنزويلية على التأكيد أن هذه المنطقة تحتوي على ما لا يقل عن نحو 300 ألف طن متري من العناصر الأرضية النادرة، وهو رقم – إذا ما تأكد عبر عمليات استكشاف واسعة النطاق – يمثل من منظور الجغرافيا السياسية كنزًا استراتيجيًا يمكن أن يضع فنزويلا في مصاف الدول الكبرى المالكة لهذه الموارد الحيوية.
القيمة المحتملة لهذه الاحتياطيات المعدنية هائلة، فبمجرد بدء عمليات الاستكشاف والاستخراج المنظم، يُقدَّر أن تتجاوز قيمتها السوقية 200 مليار دولار، في وقت يشهد فيه العالم انفجارًا غير مسبوق في الطلب على المعادن التي تلعب دورًا حاسمًا في الصناعات الحديثة، من الهواتف الذكية والبطاريات المتقدمة للسيارات الكهربائية إلى شبكات الطاقة المتجددة ووأنظمة الذكاء الاصطناعي والأنظمة العسكرية المتقدمة مثل الصواريخ الموجهة وأجهزة الاستشعار.
ومع تسارع ثورة الذكاء الاصطناعي، ترتفع قيمة هذه العناصر بوتيرة متسارعة، لتتحول من موارد جيولوجية خاملة إلى أصول استراتيجية ذات بعد جيوسياسي حاسم، تجعل من فنزويلا هدفًا استراتيجيًا في سياق أي محاولة لإعادة تشكيل سلاسل التوريد العالمية، خصوصًا في ظل سعي أمريكا إلى لتقليل اعتمادها – واعتماد حلفائها – على الصين، عبر بسط نفوذها في أسواق الطاقة الدولية، والتحكم في الإمدادات، وتبنّي مقاربة تربط بين السيادة على الطاقة والتفوق التكنولوجي وأمن التجارة العالمية.
ويضاعف الموقع الجغرافي لفنزويلا من أهمية هذه الموارد، إذ تطل البلاد على البحر الكاريبي، وتجاور ممرات شحن حيوية، وتقع على مسافة قصيرة نسبيًا من السواحل الأمريكية. هذا القرب الجغرافي يجعل أي حضور اقتصادي أو تقني لقوى منافسة داخل قطاعات الطاقة أو التعدين مسألة أمن قومي من منظور واشنطن، وليس مجرد منافسة تجارية تقليدية.
وخلال السنوات الماضية، تحولت فنزويلا إلى نقطة تقاطع حساسة بين السياسة والاقتصاد والأمن، بعدما فتحت كاراكاس قطاعات الطاقة والتعدين أمام استثمارات صينية وروسية، في محاولة لتعويض الانهيار الحاد في عائدات النفطن وهو ما أثار قلقا متزايدا من احتمال تحول البلاد إلى منصة لاستخراج موارد استراتيجية، تخشى واشنطن أن تسعى بكين إلى بسط نفوذها عليها، في ظل احتدام المنافسة العالمية على المعادن الحيوية التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد التكنولوجي الجديد.
في هذا السياق، لم يُخفِ ترامب، في أكثر من مناسبة، إدراك إدارته للأهمية القصوى للمعادن النادرة، سواء تلك الموجودة في الصين – التي تهيمن حاليًا على سلاسل التوريد العالمية – أو في أوكرانيا، وربما من غرينلاند، أو في مناطق أخرى تُعدّ موضع تنافس دولي متصاعد، مما دفع إدارته إلى تبني اثنتين من أكثر سياساتها الخارجية فوضوية: السعي إلى مقايضة المعادن الأرضية النادرة بإنهاء الحرب في أوكرانيا، والسيطرة على الإقليم الدنماركي ذي الحكم الذاتي.
وتعكس تصريحات ترامب المتكررة مقاربة استراتيجية تعتبر أن السيطرة على هذه المعادن لا تقل أهمية عن السيطرة على النفط في القرن العشرين، بل قد تتجاوزها تأثيرًا في رسم موازين القوة العالمية، خاصة أن إنتاج فنزويلا النفطي حاليًا محدودًا نسبيًا قياسًا بحجم السوق العالمية، ما يعزز الانطباع بأن الدوافع المحركة لا تقتصر على النفط بوصفه هدفًا مباشرًا، بل تنطوي على اعتبارات استراتيجية أوسع، يشكّل النفط أحد مكوناتها دون أن يكون السبب الوحيد أو حتى الرئيسي.
انطلاقًا من هذه المعطيات، يرى مراقبون أن المعادن النادرة الفنزويلية قد تتحول قريبًا إلى نقطة تركيز رئيسية في الاستراتيجية الأمريكية، خصوصًا في ظل الحرب التجارية والتكنولوجية مع الصين، وقد تصبح فنزويلا، بما تختزنه من موارد غير مستغلة، ساحة جديدة لإعادة تشكيل خرائط النفوذ، حيث تتقاطع الطموحات الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، وتتحول باطن الأرض إلى أحد مفاتيح الصراع على مستقبل التكنولوجيا والهيمنة العالمية.
حدود الاستراتيجية الأمريكية في مواجهة الصعود الصيني
بالرغم من وجود سجلات رسمية لتصدير المعادن النادرة من فنزويلا عبر الموانئ، تشير تحقيقات صحفية في نوفمبر/ تشرين الثاني 2025 إلى أن جزءًا كبيرًا من هذه المعادن يُهرّب بطريقة غير قانونية إلى كولومبيا، ثم يتم “تبييضه” قبل أن يصل إلى أيدي شركات صينية تعمل في المعالجة العالمية.
هذه الشبكات غير المنظمة جعلت من سوق المعادن النادرة الفنزويلية ساحة رمادية يمكن أن تستفيد منها الشركات والجهات المتحالفة مع النخبة الحاكمة، وشبكات التهريب، ما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والاقتصادي.
في هذا السياق، تدرك أمريكا أن أي تفوق صيني مستدام في مجال التكنولوجيا لن يكون ممكنًا دون تقليص السيطرة الصينية على سلاسل الإمداد من المعادن النادرة، ما يجعل البحث عن بدائل – أو تعطيل وصول الصين لمصادر جديدة وتقليل اعتمادها على مصدِّرين خارجيين – أولوية قصوى.
ورغم أن فنزويلا لا تُعد حتى الآن لاعبًا رئيسيًا في سوق المعادن النادرة، إلا أن إمكاناتها غير المستغلة تثير اهتمامًا متزايدًا، خاصة بعد إطلاق أمريكا تحالف “باكس سيليكا” الدولي في نهاية عام 2025، بهدف تأمين سلاسل تأمين سلاسل توريد الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات والمعادن الحيوية.
ويرتكز هذا التحالف على جمع الدول الأكثر تأثيرًا في مجالات التكنولوجيا ورأس المال والموارد ضمن إطار انتقائي يقوم على الثقة الجيوسياسية وتكامل الأدوار، في حين يكشف غياب الصين عن هذا التحالف ملامح إعادة رسم لخريطة النفوذ التكنولوجي الدولي تحكمه المعادن بقدر ما تحكمه الأفكار، وتتراجع فيه الحروب التقليدية لصالح صراعات أكثر تعقيدًا، تتشابك فيها السياسة بالاقتصاد والتكنولوجيا بالموارد.
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة الرهان الأمريكي في الضغط على فنزويلا، كما في مناطق أخرى غنية بالموارد، كمسعى يقوم على فرضية أساسية مفادها أن إضعاف الحلقات الرئيسية في سلسلة التوريد الصينية سيكون له تأثير ملموس على قدرة بكين على تأمين المواد الخام اللازمة لتطوير التكنولوجيا الحديثة، ما قد يؤدي إلى إبطاء تقدمها في قطاعات تعد حجر الأساس في سباق النفوذ العالمي خلال العقود القادمة.
بعبارة أخرى، لا تسعى واشنطن فقط إلى الوصول إلى الموارد لتقليل اعتمادها على الصين، بل إلى منع الآخرين من الوصول إليها، إلا أن الخبراء يشيرون إلى أن تحقيق هذا الهدف في المدى القصير ليس بالأمر السهل، إذ أن بناء قدرات بديلة يستغرق سنوات طويلة، وقد يتطلب استثمارات ضخمة في البنية التحتية والتكنولوجيا، ويُفترض أن الإنتاج المحلي للمعادن وتصنيعها قد يستغرق عقدًا أو أكثر للوصول إلى مستوى يُقلل فعليًا من الهيمنة الصينية.
كذلك يواجه هذا الرهان تحديات بنيوية، أولها أن الصين استوعبت مبكرًا خطورة الاعتماد على مصادر محدودة، وأثبتت قدرتها على التكيّف في مواجهة الضغوط الأمريكية، عبر تنويع تنويع شبكاتها العالمية في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، والاستثمار بكثافة في إعادة تدوير المعادن وتطوير بدائل تكنولوجية، وتعزيز قدراتها المحلية في المعالجة والتصنيع، وقد تستغل تحالفاتها ومواردها الإستراتيجية للرد بطريقة تخدم مصالحها طويلة الأمد، أو عبر مبادرات مثل تحالفات المعادن التي طرحتها بكين على الساحة الدولية.
ثانيًا، ينطوي تسييس الموارد وتسليح سلاسل الإمداد على مخاطر ارتدادية محتملة، فبدلاً من كبح طرف بعينه، قد تفضي هذه السياسات إلى تعميق الانقسامات الدولية وتسريع مسار “فك الارتباط” الاقتصادي، بما يحمله ذلك من تداعيات سلبية على الاستقرار العالمي.
أما التحدي الثالث، فيتعلق بفنزويلا نفسها، فالدولة التي تعاني من هشاشة مؤسساتية واقتصادية لا يمكن تحويلها بسهولة إلى حلقة مستقرة في سلسلة توريد استراتيجية دون معالجة جذور أزمتها الداخلية. وبالتالي، فإن أي محاولة لإعادة توظيف فنزويلا جيوسياسيًا دون استقرار داخلي قد تأتي بنتائج عكسية بدلاً من تحقيق الأهداف المرجوة.
أخيرًا، قد يستغل فاعلون آخرون هذه السابقة، فإدارة ترامب تجادل، وبقدر من الوجاهة، بأن العملية كانت قانونية لأن مادورو كان خاضعًا لملاحقة قضائية أمريكية، لكن إذا كانت بكين تراقب عن كثب، فربما لأن تكتيكات ترامب – من فرض حصار على دولة أخرى إلى إقصاء قيادتها – قد تُعد، يومًا ما، أدوات قابلة للاستخدام في سياق تايوان، وقد يتحول هذا النموذج نفسه إلى سابقة تُستخدم بطرق أكثر خطورة في البيئة الدولية الأكثر تعقيدًا اليوم.
في المحصلة، تكشف فنزويلا، بما تختزنه من أزمات وثروات، عن ملامح ما يمكن تسميته بـ”حروب المستقبل”، حيث لا تُخاض المعارك بالضرورة بالجيوش والدبابات وحدها، بل عبر العقوبات، والتحكم في الموارد وسلاسل الإمداد، والتنافس على التكنولوجيا، فهي ليست مجرد دولة تواجه ضغوطًا سياسية، بل “بروفة” لصراع أوسع على من يملك مفاتيح التكنولوجيا والموارد في عالم يتغير بسرعة.
ويبقى السؤال الجوهري مفتوحًا: هل تنجح إدارة ترامب في توظيف الجغرافيا السياسية والموارد لكبح صعود الصين واستعادة نفوذها في أمريكا اللاتينية وإعادة رسم مستقبل الابتكار والتفوق الصناعي العالمي أم أن هذه الاستراتيجية ستُفضي إلى عالم أكثر انقسامًا، تتعدد فيه مراكز القوة وتتراجع فيه القدرة على السيطرة؟