يتصاعد في إسرائيل، سياسيًا وإعلاميًا، خطاب يضع تركيا في واجهة “التهديد الإقليمي القادم” بعد إيران، ولا يبدو هذا التحوّل مجرّد ارتداد لحظيّ على سجالات وتصريحات متبادلة، بقدر ما يعكس مسعىً منظمًا لإعادة تعريف أنقرة في المخيال الدولي؛ من شريك إقليمي صعب المراس إلى خصم أيديولوجي يجب التحذير منه.
في إطار هذه السردية، تُدفع اتهامات مركّبة إلى الواجهة، من “رعاية الإرهاب” عبر العلاقة مع حركة حماس إلى “معاداة السامية” و”اضطهاد المسيحيين”، وصولًا إلى تصوير القيادة التركية باعتبارها ذات نزعة توسعية تزعزع استقرار الشرق الأوسط.
ولعل من المهم أن نتتبع كيف تشكّل مسار التحشيد، ومن يقوده، ولماذا يتصاعد الآن، وما الذي تسعى إسرائيل لانتزاعه عبره سياسيًا واستراتيجيًا؛ وأن نرصد أدواته وأثره المحتمل على خرائط الاصطفاف الإقليمي والدولي.
ملامح الخطاب الإسرائيلي الجديد تجاه تركيا
عرف الخطاب الإسرائيلي حيال تركيا، على امتداد عقود، تذبذبًا بين الشراكة الحذِرة والتوتر المحسوب، غير أنّه شهد في السنوات الأخيرة تحوّلًا لافتًا نقل أنقرة من خانة “الشريك المزعج” إلى موقع “الخصم الأيديولوجي الخطير”، ولم يقتصر ذلك على تبدّل في النبرة، بل تجسّد في سرديات متكاملة تسعى إلى نزع الشرعية عن الدور التركي إقليميًا وتشويه صورته دوليًا.
تتصدر هذه السرديات اتهامات دعم “الإرهاب”، عبر التركيز على علاقة تركيا بحركة حماس، فالمسؤولون الإسرائيليون يضعون رفض أنقرة تصنيف الحركة منظمة إرهابية، واستضافتها بعض قياداتها، في صلب خطابهم التحريضي. وقد بلغ هذا الاتهام ذروته عقب هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين شنّ الرئيس رجب طيب أردوغان هجومًا حادًا على العمليات الإسرائيلية في غزة، واصفًا حماس بأنها “حركة تحرر وطني“ لا تنظيمًا إرهابيًا، ومتهمًا إسرائيل بارتكاب جرائم حرب.
هذا الموقف أثار ردود فعل غاضبة في تل أبيب، دفعت صحيفة “جيروزاليم بوست” إلى توصيف أردوغان صراحةً باعتباره “عدوًا معلنًا لإسرائيل“. وفي السياق ذاته، روّجت وسائل إعلام إسرائيلية لتقارير تزعم العثور على وثائق في غزة تتحدث عن خطط لحماس لإنشاء بنية تنظيمية سرية في تركيا، وجرى تقديم هذه المزاعم باعتبارها دليلًا على توظيف الأراضي التركية في أنشطة معادية لإسرائيل.
السردية الثانية تتمحور حول اتهام تركيا بـ”معاداة السامية“، فوفق الخطاب الإسرائيلي، لم يعد انتقاد أنقرة للسياسات الإسرائيلية يُقرأ بوصفه موقفًا سياسيًا، بل يُقدَّم على أنه تحريض ممنهج ضد اليهود. ويتهم مسؤولون وإعلاميون إسرائيليون أردوغان بتسخير منابر الدولة ووسائل الإعلام القريبة من السلطة لبث خطاب تعبوي معادٍ للسامية تحت غطاء الدفاع عن الفلسطينيين.

ويستشهد هذا الخطاب بمشاهد التظاهرات المؤيدة لغزة في المدن التركية، حيث رُفعت أعلام حماس وصُوِّب النقد الحاد نحو “الصهيونية”، باعتبار ذلك — في الرواية الإسرائيلية — شيطنةً جماعية لليهود. وفي هذا السياق، كتب صحفيون إسرائيليون، من بينهم ديفيد بن بساط، أن تركيا أسهمت بشكل مباشر في تصاعد موجة معاداة السامية عالميًا، وذهبت تصريحات رسمية أبعد من ذلك، إذ وُصف أردوغان بأنه “طاغية معادٍ لليهود”.
أما السردية الثالثة، فتستثمر ملف الأقليات الدينية، وتركّز تحديدًا على مزاعم اضطهاد المسيحيين في تركيا. هنا يسعى الخطاب الإسرائيلي إلى كسب تعاطف غربي، ولا سيما داخل الأوساط المسيحية المحافظة، ففي أواخر عام 2025، لمح رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال خطاب أمام قادة إنجيليين أمريكيين، إلى أن تركيا من بين الدول التي يتعرض فيها المسيحيون للاضطهاد، متحدثًا عن تحالف دولي ناشئ لحماية هذه المجتمعات. وجاء هذا الطرح رغم أن تركيا تضم عشرات الآلاف من المسيحيين الذين يتمتعون رسميًا بحرية العبادة.
واستثمر الإعلام الإسرائيلي خطوات تركية ذات حساسية رمزية، مثل إعادة “آيا صوفيا” إلى مسجد، لتكريس صورة أنقرة كخصم للحضارة الغربية وقيمها، مقابل تقديم إسرائيل باعتبارها حامية للتعددية الدينية في المنطقة.
السردية الرابعة تتعلق بما تصفه إسرائيل بـ”التطرف الأيديولوجي” و”النزعة التوسعية” التركية. في هذا الإطار، يُصوَّر أردوغان كزعيم إسلامي يسعى إلى إحياء إرث الإمبراطورية العثمانية على حساب استقرار الشرق الأوسط.
وتُستحضر مفاهيم مثل “العثمانية الجديدة” في الإعلام الإسرائيلي بسياق سلبي، لتوصيف سياسة أنقرة الإقليمية بوصفها تمددًا نفوذيًا قائمًا على التحالف مع جماعات تصنفها إسرائيل “متطرفة”، كالإخوان المسلمين وحماس، إلى جانب التقارب مع خصومها الإقليميين مثل إيران وقطر.
وتستند هذه الرواية إلى تحركات تركيا العسكرية في محيط إسرائيل، ولا سيما في سوريا، حيث حذرت لجنة ناغِل الحكومية الإسرائيلية من أن تعاظم الوجود العسكري التركي هناك قد يشكّل تهديدًا استراتيجيًا لا يقل خطورة عن التهديد الإيراني، وصولًا إلى التحذير من احتمال مواجهة مباشرة إذا تحولت سوريا إلى ممر بري للقوات التركية باتجاه حدود إسرائيل.
كما جرى تداول تصريحات منسوبة لأردوغان تحدث فيها عن إمكانية دخول إسرائيل كما فعلت تركيا في ليبيا وناغورنو قره باغ، وهو ما غذّى نقاشات واسعة في الإعلام الأمني الإسرائيلي حول سيناريوهات صدام محتملة، حتى وإن بقيت في إطار الافتراض.
إلى جانب هذه السرديات، يحرص الخطاب الإسرائيلي على إدراج ملف الداخل التركي ضمن بناء صورة “الخصم الشرير”، فتصريحات وزارة الخارجية الإسرائيلية تهاجم سجل الحكومة التركية في الحريات وسيادة القانون، معتبرة أن من “يقمع شعبه ويسجن معارضيه” لا يملك شرعية توجيه انتقادات أخلاقية للآخرين.
ووصف وزراء إسرائيليون أردوغان بأنه “دكتاتور” يهدد شعبه والمنطقة، فيما ذهب بعض قادة المعارضة، مثل بيني غانتس، إلى اعتبار أن “نظام أردوغان خطر على الاستقرار العالمي”. وبذلك، تتقاطع مواقف اليمين واليسار في إسرائيل، رغم تباين دوافعها، عند نقطة واحدة: ترسيخ صورة تركيا كعدو أيديولوجي متكامل، لا مجرد منافس إقليمي ظرفي.
من يقود حملة التحشيد ضد تركيا؟
لا يبدو التحوّل العدائي في الخطاب الإسرائيلي تجاه تركيا نتاج اندفاع عفوي أو ردود فعل ظرفية، بل حصيلة جهد منسق تقوده منظومة سياسية إعلامية متكاملة.
في صدارة هذه المنظومة تقف حكومة بنيامين نتنياهو اليمينية، التي عادت إلى السلطة قبيل حرب غزة عام 2023، وجعلت من تركيا أحد محاور خطابها الخارجي التصعيدي، فقد لعب نتنياهو شخصيًا دورًا بارزًا في تأجيج هذا المسار، من خلال ربطه المتكرر بين انتقادات أنقرة لإسرائيل واتهامات “معاداة السامية”، وصولًا إلى تلميحاته العلنية إلى ما وصفه باضطهاد المسيحيين في تركيا.

كما يعود هذا النهج إلى سنوات أبعد، حين سعى نتنياهو مبكرًا إلى حشد إدانة دولية للرئيس رجب طيب أردوغان، معتبرًا تصريحاته “مخزية” ومطالِبًا المجتمع الدولي بالتبرؤ منها.
إلى جانب رئيس الوزراء، اضطلع مسؤولو الخارجية والأمن الإسرائيليون بدور محوري في تكريس هذا الخطاب، فقد درج وزراء الخارجية، على اختلاف الحكومات، على استخدام لغة حادة تجاه أردوغان. ووصف وزير الخارجية الأسبق أفيغدور ليبرمان الرئيس التركي بأنه “متنمّر معادٍ للسامية“، منتقدًا ما اعتبره صمتًا أوروبيًا مريبًا إزاء مواقفه.
ولم يقتصر الأمر على الدبلوماسية، إذ شاركت مؤسسات أمنية وعسكرية في تغذية هذا المسار، فقد سُرّبت تقارير وتحذيرات صادرة عن دوائر رسمية، أبرزها توصيات لجنة ناغِل الحكومية لتقييم الموازنة الدفاعية، التي خرجت إلى العلن عبر صحيفة مقربة من الحكومة، محذّرة من “التهديد التركي” وداعية إلى تبنّي سياسة أكثر تشددًا تجاه أنقرة، ولا سيما في الساحة السورية.
على المستوى الإعلامي، تصدّرت الصحف الإسرائيلية ذات التوجهات اليمينية حملة التصعيد، إذ نشرت صحيفة جيروزاليم بوست تقارير ومقالات رأي تصف أردوغان بأنه “جزء من المشكلة لا الحل” و”عدو صريح لإسرائيل”، فيما ذهبت صحيفة إسرائيل هيوم، المقربة من نتنياهو، إلى التحذير من سيناريوهات تصعيدية تتحدث عن تمدد عسكري تركي في سوريا وصولًا إلى حدود إسرائيل.
كما أسهمت منصات إخبارية ومراكز بحثية يهودية دولية، مثل “JNS” ومركز دراسات أورشليم للإستراتيجية، في ضخ كمّ كبير من المواد التي تروّج لفكرة “الخطر التركي”، بينها تقارير تساءلت صراحة عما إذا كانت تركيا “التهديد الكبير التالي” بعد إيران.
وحتى مراكز أبحاث إسرائيلية تُعد أكثر رصانة، مثل معهد دراسات الأمن القومي، خصصت أوراقًا تحليلية لمناقشة تصاعد التوتر، وذهبت إحداها إلى توصيف تركيا في الخطاب العام الإسرائيلي بـ”إيران الجديدة“.
ويتغذى هذا المسار كذلك من نشاط جماعات الضغط الصديقة لإسرائيل في واشنطن وعواصم غربية أخرى. إذ تسعى هذه الدوائر إلى إعادة تصنيف تركيا بوصفها “حليفًا إشكاليًا” داخل حلف الناتو، من خلال دراسات وأبحاث تُقدَّم في قالب أكاديمي، تركّز على ابتعاد أنقرة عن الإجماع الغربي عبر شرائها منظومة S-400 الروسية أو تدخلها العسكري في سوريا.
والهدف من ذلك إقناع صناع القرار الغربيين بأن تركيا في عهد أردوغان شريك يصعب الوثوق به، بما يخدم مسعى تطويقها سياسيًا ودبلوماسيًا. وفي السياق ذاته، برز تنسيق غير مباشر مع أطراف إقليمية عربية تناصب تركيا الخصومة، لتبادل رسائل إعلامية تحذّر مما يُسمّى “الخطر العثماني”، مستندة إلى إرث التنافس الإقليمي على النفوذ.
خلاصة المشهد أن حملة “تركوفوبيا” الإسرائيلية ليست نتاج جهة واحدة، بل ثمرة عمل منظومة متشابكة تضم صانعي القرار السياسي، ومؤسسات الأمن، ومنصات الإعلام، ومراكز الأبحاث، مدعومة بشبكات ضغط خارجية. جميعها تسهم في إنتاج خطاب متماسك يصوّر تركيا كتهديد متعدد الأبعاد—أمنيًا وعقائديًا وحضاريًا—بما يهيئ الأرضية لتبرير سياسات إسرائيلية أكثر تشددًا تجاه أنقرة على المستويين الإقليمي والدولي.
لماذا تركيا تحديدًا؟
يطرح تصاعد الخطاب الإسرائيلي المعادي لتركيا سؤالًا جوهريًا: لماذا تتجه تل أبيب اليوم إلى شيطنة أنقرة وجعلها “العدو التالي”، بدل الاكتفاء بإيران بوصفها الخصم التقليدي؟ الإجابة تكمن في تداخل عوامل إقليمية وسياسية داخلية، أعادت ترتيب سلّم التهديدات في الحسابات الإسرائيلية.
أول هذه العوامل يتمثل في قراءة إسرائيلية تعتبر أن تركيا بدأت تملأ فراغًا إستراتيجيًا في الإقليم كان يشغله النفوذ الإيراني، فبعد سنوات من تركيز تل أبيب على مواجهة ما تسميه “محور إيران ووكلائها” في سوريا ولبنان وغزة، برزت أنقرة لاعبًا متقدمًا في ساحات قريبة وحساسة. فقد نسجت علاقات مباشرة مع الفصائل الفلسطينية، وعلى رأسها حماس، وعززت حضورها في سوريا عبر دعم فصائل معارضة وتفاهمات مع روسيا، كما أبدت طموحًا للمشاركة في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب في غزة.
View this post on Instagram
هذه التطورات دفعت دوائر سياسية وأمنية إسرائيلية إلى التعامل مع تركيا بوصفها “خصمًا إستراتيجيًا بديلًا” قادرًا على تهديد المصالح الإسرائيلية في أكثر من مسرح، لا سيما في سوريا، حيث حذّرت تقارير إسرائيلية من أن تل أبيب قد تجد نفسها أمام تهديد طويل الأمد لا يقل خطورة عن التهديد الإيراني، ويفتح الباب أمام مرحلة مواجهة جديدة بعد عقود تمحورت حول إيران.
العامل الثاني يرتبط بحسابات داخلية وخارجية تدفع نحو توسيع دائرة “الأعداء”. داخليًا، يرى محللون إسرائيليون أن تضخيم تهديد خارجي جديد يساهم في توحيد الصفوف السياسية وتخفيف حدة الانقسامات الداخلية. فقد شهدت إسرائيل في عام 2023 انقسامًا مجتمعيًا حادًا على خلفية التعديلات القضائية، قبل أن تأتي حرب غزة لتفرض حالة اصطفاف مؤقت. ومع تراجع الزخم الإيراني نسبيًا، يتيح استحضار “الخطر التركي” استمرار تعبئة الرأي العام حول عدو خارجي جديد، بما يؤدي إلى امتصاص التوتر الداخلي ومنح الحكومة هامش مناورة أوسع.
أما خارجيًا، فإن إدراج تركيا ضمن قائمة الخصوم يبعث برسالة إلى الحلفاء الغربيين مفادها أن إسرائيل لا تواجه إيران وحدها، بل تقف في مواجهة طيف أوسع من القوى الإقليمية التي تصفها بـ”المزعزِعة للاستقرار”. وبهذا تسعى تل أبيب إلى ترسيخ صورتها كحصن متقدم في مواجهة تهديدات متعددة، مقدّمة تركيا في هذا السياق بوصفها ممثلًا لما تسميه “التطرف السُنّي” أو “الإخوان”، في مقابل “التطرف الشيعي” الذي تجسده إيران.
العامل الثالث يتصل بامتلاك إسرائيل أدوات خطابية فعالة لتأليب الرأي العام الغربي ضد تركيا، فأنقرة، بخلاف طهران، تُعد جزءًا من المنظومة الغربية: عضو في حلف شمال الأطلسي، وذات علاقات تاريخية مع أوروبا والولايات المتحدة، وهذا الموقع يمنح إسرائيل فرصة لإحراج تركيا أمام حلفائها عبر إبراز التناقض بين سياساتها المعلنة وقيم الغرب.
هنا تبرز ورقتا “معاداة السامية“ و”اضطهاد المسيحيين“ بوصفهما سلاحين دعائيين مؤثرين. فاتهام تركيا بمعاداة السامية يكتسب وزنًا خاصًا لأنها دولة حليفة للغرب، بينما يلقى الحديث عن اضطهاد المسيحيين صدى قويًا لدى التيارات المسيحية المحافظة في الولايات المتحدة وأوروبا.
هذه السرديات، وفق الرؤية الإسرائيلية، تهدف إلى عزل أنقرة سياسيًا وتجريدها من التعاطف الغربي، مقابل تقديم إسرائيل في صورة المدافع عن القيم الإنسانية العالمية. وقد ردّت أنقرة على هذا المسار باتهام تل أبيب باستخدام هذه الاتهامات كسلاح دعائي لتخويف الإعلام الغربي وبناء إجماع دولي يبرر سياساتها في فلسطين، معتبرة أن استدعاء ملف حماية المسيحيين ليس سوى محاولة لكسب دعم اليمين الإنجيلي وتبرير الحرب على غزة.
أما العامل الرابع، فيرتبط بتوقيت التصعيد ذاته. فقد تزامن التحول الحاد في الخطاب الإسرائيلي مع ذروة التوتر في غزة أواخر 2023 وما بعدها، حين بلغت انتقادات أنقرة لإسرائيل مستوى غير مسبوق، وصلت إلى اتهام قادتها بارتكاب إبادة جماعية تستوجب المحاسبة. وردّت تل أبيب آنذاك بخطوات دبلوماسية غاضبة، بينها سحب سفيرها من أنقرة مؤقتًا، في مؤشر على شعور بخيبة أمل من حكومة كانت قد راهنت قبل عام واحد فقط على مسار تطبيع متصاعد مع تركيا.
ومع اصطفاف أنقرة الواضح إلى جانب الفلسطينيين، بدا أن إسرائيل قررت التحرك سريعًا لتحجيم الدور التركي في مرحلة ما بعد الحرب، فعارضت أي مشاركة تركية في ترتيبات وقف إطلاق النار أو إعادة إعمار غزة، وسعت إلى قطع الطريق أمام دور تركي محتمل في قوة دولية هناك.
وجاء هذا التوجه في سياق تقدير إسرائيلي بأن إيران باتت، في تلك المرحلة، منكفئة أو مردوعة جزئيًا بفعل الضربات التي تلقاها وكلاؤها، ما أتاح نقل التركيز إلى “الخطر الصاعد” في أنقرة قبل تحوله إلى معضلة إستراتيجية مكتملة. كما غذّت بعض التحليلات الإسرائيلية هذا المسار بالرهان على تحولات سياسية دولية، من بينها احتمال صعود إدارة أمريكية أكثر تحفظًا وأقل تعاطفًا مع أردوغان، بما يمنح تل أبيب هامشًا أوسع للمواجهة السياسية مع تركيا.
بهذا المعنى، لا تبدو شيطنة تركيا خيارًا عارضًا في الخطاب الإسرائيلي، بل نتاج إعادة ترتيب واعية للأولويات، تسعى من خلالها تل أبيب إلى استبدال “العدو الواحد” بسلسلة خصوم، تتصدرهم أنقرة بوصفها التهديد الأكثر تعقيدًا في المرحلة الراهنة.
كيف تتعامل تركيا مع هذا الخطاب؟
لم تعتمد أنقرة سياسة الصمت أو الاكتفاء بالردود التقليدية، بل اختارت مقاربة مزدوجة تجمع بين الدفاع المنهجي والهجوم السياسي والدبلوماسي. فمن جهة، عملت على تفنيد الاتهامات الموجهة إليها ونزع صدقيتها أمام الرأي العام الدولي، ومن جهة أخرى واصلت تصعيد خطابها المنتقد للسياسات الإسرائيلية، مقدّمة نفسها طرفًا مدافعًا عن الحقوق الفلسطينية، غير عابئ بكلفة التشهير السياسي والإعلامي.
على المستوى الدفاعي، أولت تركيا أهمية خاصة لدحض مزاعم “معاداة السامية”، التي تعدّ حجر الزاوية في الخطاب الإسرائيلي ضدها، فقد شدّد الرئيس رجب طيب أردوغان وكبار المسؤولين الأتراك مرارًا على أن انتقادات أنقرة تستهدف سياسات الحكومة الإسرائيلية، لا اليهود كدين أو قومية. وأكد رئيس دائرة الاتصال في الرئاسة فخر الدين ألتون أن تركيا تدين الكراهية بجميع أشكالها، سواء معاداة السامية أو العنصرية أو رهاب الإسلام، مذكّرًا بأن التاريخ العثماني مثّل ملاذًا لليهود الفارين من محاكم التفتيش الأوروبية، وبأن التجربة التركية تخلو من إرث عداء ممنهج لليهود.
أردوغان: “إسرائيل تمنع إدخال المنازل المتنقلة إلى غزة، ومن يقودها قاتـ.ـل لا يعرف الإنسانية”. pic.twitter.com/zL7ubSZDD0
— نون بوست (@NoonPost) November 30, 2025
كما حرص أردوغان نفسه على التحذير من الخلط بين الغضب من سياسات إسرائيل وأي إساءة ليهود تركيا، معتبرًا ذلك خطًا أحمر لا يمكن القبول بتجاوزه. وتهدف هذه الرسائل إلى تقويض السردية الإسرائيلية التي تحاول تصوير أنقرة كمحرّض ديني، والتأكيد على أن الموقف التركي ينطلق من اعتبارات إنسانية وسياسية مشروعة تتصل بالدفاع عن الفلسطينيين، لا من دوافع أيديولوجية معادية لليهود.
وبالمثل، رفضت أنقرة الاتهامات بدعم الإرهاب، وأكدت أن علاقتها بحركة حماس تندرج في إطار سياسي يهدف إلى تشجيع المصالحة الفلسطينية، لا تبرير العنف. وردّت الخارجية التركية على المطالب الإسرائيلية بطرد قيادات الحركة من إسطنبول بالتأكيد أن حماس حركة فلسطينية منتخبة، وأن التواصل معها جزء من مقاربة سياسية لحل الصراع. كما شددت أنقرة على أنها لم تشارك يومًا في أنشطة تستهدف المدنيين الإسرائيليين، مستشهدة بدورها في وساطات إنسانية، من بينها المساهمة في الإفراج عن رهائن إسرائيليين خلال ترتيبات قادتها قطر وتركيا أواخر عام 2023.
وحرصت أنقرة على تحصين صورتها الدولية بوصفها فاعلًا إقليميًا عقلانيًا وبراغماتيًا، في مواجهة محاولات اختزالها في صورة “الطرف المتطرف”. وواصلت تركيا سياسة المسارات المتعددة، فحافظت على دورها كعضو فاعل في حلف شمال الأطلسي ومتعاون مع الغرب في ملفات أمنية، بالتزامن مع إبقاء قنوات الحوار مفتوحة مع روسيا وإيران.
كما عززت مكانتها الدولية عبر أدوار الوساطة في أزمات معقدة، وكانت من أوائل الدول التي أرسلت مساعدات وإغاثة إلى غزة بعد وقف إطلاق النار. هذه الأدوار ساعدت في تكريس صورة تركيا كقوة مسؤولة تمزج بين القدرة العسكرية والانخراط الدبلوماسي، في تناقض واضح مع الصورة التي يسعى الخطاب الإسرائيلي إلى ترسيخها.
في الأمد المنظور، يبدو أننا سنبقى أمام خطاب إسرائيلي متشنج، وتحشيد متبادل، دون قطيعة كاملة أو انفراج حقيقي. صحيح أن إسرائيل نجحت جزئيًا في تكريس صورة تركيا كخصم لدى بعض دوائر الرأي العام الدولي، لكنها لم تنجح في بناء إجماع عالمي ضد أنقرة. وفي المقابل، استطاعت تركيا الصمود أمام موجة الضغط، والحفاظ على موقعها كلاعب إقليمي مؤثر رغم الضجيج السياسي والإعلامي.
وبذلك يبدو خطاب “تركوفوبيا” الإسرائيلي أداة ظرفية لتحقيق مكاسب آنية، أكثر منه استراتيجية طويلة الأمد قابلة للاستدامة. ومع تغيّر موازين القوى الإقليمية والدولية، قد يتآكل هذا الخطاب أو يُعاد توجيهه، فيما تبقى العلاقة بين الطرفين رهينة لحسابات متحركة، مفتوحة على مفاجآت قد تعيد رسم صورة الخصوم والتحالفات في المنطقة.