عاد التوتر العسكري إلى مدينة حلب شمالي سوريا مطلع عام 2026، بعد اندلاع اشتباكات عنيفة بين قوات الجيش السوري ومليشيات سوريا الديمقراطية “قسد” في حيي الشيخ مقصود والأشرفية ذات الغالبية الكردية.
وأسفرت المواجهات التي تجددت يوم 6 يناير/كانون الثاني عن سقوط قتلى وجرحى، بينهم مدنيون، في واحدة من أعنف جولات القتال منذ سقوط نظام بشار الأسد.
لماذا تجددت الاشتباكات؟
انفجرت المواجهات بعد فترة هدوء حذر أعقبت اتفاق تهدئة مؤقت أواخر ديسمبر/كانون الأول، وذلك حينما بدأت قسد تنفيذ قصف عشوائي بالصواريخ وقذائف الهاون على أحياء مدينة حلب الواقعة تحت سيطرة الدولة.
ويرى مراقبون أن فشل جولة المفاوضات الأخيرة التي توسطت فيها واشنطن لتنفيذ اتفاق دمج قسد في الجيش كان بمثابة الشرارة التي أشعلت الموقف مجدداً بعد تعثر الحل السياسي.
ولليوم الثالث على التوالي، جدّدت “قسد” في 8 يناير/كانون الثاني، تصعيدها العسكري بالمحافظة، وذلك باستهداف منطقة الليرمون ودوار شيحان بالرشاشات الثقيلة.
واتهمت السلطات السورية مسلحي قسد بتنفيذ “تصعيد كبير” عبر استهداف مواقع الجيش ونقاط سكنية في حلب، وارتكاب العديد من المجازر بحق المدنيين خلال الفترة الأخيرة.
وأعلنت وزارة الإعلام أن هجمات قسد في الأشهر الماضية على مناطق سيطرة الدولة تسببت في مقتل أكثر من 20 مدنياً وإصابة 150 آخرين، بالإضافة إلى مقتل ما لا يقل عن 25 عسكرياً.
هذه ليست المرة الأولى التي تفتعل فيها قسد توترًا في حلب؛ فقد شهدت المدينة تصعيدًا مماثلًا في أكتوبر/تشرين الأول ثم في ديسمبر/كانون الأول 2025، وفي كلتيهما ردّت الدولة على مصادر النيران بالمثل ثم عادت إلى تهدئة امتدت منذ أبريل/نيسان من ذلك العام.
إلا أن ردّ الدولة السورية هذه المرة كان أكثر حزمًا منذ اليوم الأول للتصعيد، واقترن بوضع شرط لوقف إطلاق النار يتمثل بانسحاب كافة عناصر قسد من مدينة حلب بالكامل.
وقد أعلن الجيش السوري بالفعل أن جميع مواقع تنظيم قسد العسكرية داخل حيي الشيخ مقصود والأشرفية أصبحت “أهدافًا عسكرية مشروعة”، داعيًا السكان لمغادرة المنطقة عبر ممرات إنسانية قبل بدء العملية.

لماذا حلب؟
شكّل حيا الشيخ مقصود والأشرفية في حلب بؤرة هذا الصراع نظرًا لخصوصيتهما الديموغرافية والجغرافية. فهما منطقتان ذواتا أغلبية كردية بالمدينة ولكنهما خارج سلطة الدولة السورية.
ولم تنسحب الوحدات الكردية المسلحة من الحيين رغم توقيع اتفاق بين دمشق والإدارة الذاتية في مارس/آذار 2025 قضى بخروج مقاتلي قسد من حلب بحلول أبريل/نيسان من ذلك العام، وبقيت قسد ممسكة بهذا الجيب داخل المدينة متحديةً سلطة الدولة.
بالنسبة لدمشق، يعد استمرار سيطرة قسد على جيب معزول في قلب حلب تحديًا مباشرًا لسيادة الدولة وهيبتها.
ويزيد من حساسية الأمر إصرار قسد على مشروع الحكم الذاتي ورفضها الاندماج الكامل في مؤسسات الدولة السورية الجديدة، وهو ما ترفضه دمشق التي ترى أن هذا النموذج يتعارض مع وحدة الدولة السورية التي تشكلت بعد إسقاط النظام السابق.
لماذا قررت الدولة الحسم؟
يرى محللون أن اتخاذ الدولة قرار الحسم العسكري الشامل ضد قسد في حلب جاء نتيجة جملة عوامل متزامنة، من أبرزها:
1- انتهاء مهلة الحل السياسي
جاء القرار بعد استنفاد محاولات دمج قسد سياسيًا وعسكريًا ضمن الجيش السوري بموجب اتفاق 10 مارس/آذار 2025. فقد انقضت المهلة المحددة لتنفيذ الاتفاق بنهاية عام 2025 دون نتائج.
كما أخفقت الجولة التفاوضية الأخيرة بين دمشق وقسد مطلع 2026 بوساطة أمريكية في تحقيق أي تقدم، مما بدد الآمال بحل سلمي ودفع دمشق للاستنتاج بأنه لا مفر من الحسم عسكريًا.
2- تصاعد استهداف قسد للمدنيين
جاء القرار أيضًا نتيجة إصرار قسد على رفع كلفة التصعيد عبر استهداف المدنيين والبنى التحتية في حلب بشكل مباشر.
فقد كثّفت قسد قصفها للمناطق الآهلة لإحراج الدولة السورية والضغط عليها في ثاني أكبر مدن البلاد من حيث عدد السكان والأهمية الاقتصادية، محولةً الملف من سياسي إلى إنساني وأمني.
3- اختبار مدى التدخل الإسرائيلي
هناك بُعد آخر يتمثل برغبة دمشق في اختبار مدى التزام الاحتلال الإسرائيلي بعدم التدخل، لاسيما أن “تل أبيب” لطالما اتُهمت بدعم جماعات مناوئة (كقسد وغيرها) خلال الحرب.
وجاءت عملية حلب بعد أسابيع من بدء مسار تفاوضي جديد بين سوريا و”إسرائيل” بوساطة أمريكية بهدف خفض التصعيد جنوب البلاد، وقد اشترطت سوريا في أي تفاهم إنهاء تدخلات “تل أبيب” في الشأن الداخلي السوري.
التأثيرات الإنسانية
فرض التصعيد العسكري واقعًا إنسانيًا صعبًا على المدنيين القاطنين داخل أحياء الاشتباكات.
- منذ اليوم الأول لقصف قسد العشوائي، سقط مدنيون قتلى وأصيب العشرات بجروح، مما أثار الذعر بين الأهالي.
- بحلول مساء 7 يناير/كانون الثاني، أعلنت مديرية الشؤون الاجتماعية في حلب نزوح أكثر من 45 ألف شخص من تلك الأحياء.
- توجه معظم النازحين سيرًا على الأقدام إلى مناطق ريف حلب الشمالي الغربي باتجاه منطقة عفرين الحدودية مع تركيا.
- لم يتمكن الجميع من الفرار، فقد حالت كثافة النيران دون خروج بعض الأسر التي اتخذت من الأقبية والملاجئ ملاذًا لها بالأحياء المحاصرة.
- جرى نقل البعض إلى مراكز إيواء مؤقتة في مناطق أكثر أمانًا داخل حلب عبر حافلات خصصتها فرق الدفاع المدني السوري.
- انتشرت قوات الأمن الداخلي وعناصر الدفاع المدني لتأمين خروج المدنيين من الشيخ مقصود والأشرفية عبر ممر شارع الزهور بحلب.
- أعلنت محافظة حلب تعليق الدوام في المدارس والجامعات وكافة الدوائر الحكومية المدينة يومي 7 و8 يناير حرصًا على سلامة السكان.
- علّقت هيئة الطيران المدني جميع الرحلات الجوية من وإلى مطار حلب الدولي لمدة 24 ساعة اعتبارًا من 7 يناير جراء الوضع الأمني.
- أُغلق طريق حلب–تركيا الدولي، وتعطلت المصانع في المنطقة الصناعية بالليرمون، وشُلّت الطرق الرئيسية المؤدية لمركز المدينة.
القوة العسكرية للطرفين
ميدانيًا، تمتلك القوات الحكومية أفضلية كبيرة من حيث التسليح والقدرات النارية في هذه المواجهة المباشرة.
إذ دفع الجيش السوري بوحدات مدرعة وتعزيزات ثقيلة نحو حلب، واستخدم فعليًا الدبابات والمدفعية وراجمات الصواريخ خلال قصفه مواقع قسد داخل الشيخ مقصود والأشرفية، فيما يمتلك طائرات مسيّرة هجومية.
في المقابل، يعاني مقاتلو قسد في حلب من ضعف التسليح النوعي؛ فأسلحتهم تقتصر على البنادق والرشاشات الخفيفة ولا يمتلكون عربات مدرعة أو مدفعية ثقيلة.
وقد أقرّ مسؤولون أكراد بأن القوة الموجودة لدى قسد داخل حلب هي قوات أمن داخلي (أسايش) مع بضعة مئات من المقاتلين بأسلحة فردية، ورغم ذلك، استفاد هؤلاء من طبيعة المنطقة العمرانية والتحصينات التي أعدّوها مسبقًا لصد الهجمات.
مع ذلك، يرى خبراء ومصادر أمنية أن الكفة العسكرية تميل بشكل واضح لصالح الجيش السوري النظامي بفضل تفوقه الناري والعددي. فالقوات الحكومية حشدت ما يكفي من القوات لمحاصرة الجيب الكردي وعزله تمامًا عن محيطه.
ويُقدّر مراقبون أن الجيش ينتظر إكمال إجلاء معظم المدنيين المتبقين قبل إطلاق عملية اقتحام حاسمة لـ“تطهير” الأحياء واستعادتها.
وقد نقلت وكالة رويترز عن مسؤولين أمنيين سوريين توقعهم شنّ عملية عسكرية كبيرة في المدينة لوضع حدّ لهذا الوضع الشاذ.
وعلى المنوال نفسه، اعتبر محللون عسكريون أن أمام دمشق فرصة سانحة الآن لحسم المعركة بسرعة بأقل الخسائر بعد إضعاف دفاعات قسد بالتمهيد الناري الكثيف وعزل مقاتليها عن خطوط الإمداد.
ويرى محللون أن جذور الأزمة ستبقى حاضرة ما لم يُنفّذ اتفاق الدمج المؤجل مع قسد، فدمشق مصممةٌ على استعادة سيادتها الكاملة على كل أراضيها وإخضاع جميع الفصائل لسلطة الجيش الوطني، بينما ترفض مليشيات سوريا الديمقراطية حتى الآن التخلي عن الحكم الذاتي.