لعدة سنوات كان عيدروس الزُبيدي الرجل القوي بلا منازع في جنوب اليمن – ضابط سابق تحوّل إلى قائدٍ متمرّد ثم مسؤولٍ حكومي رفيع – قبل أن تنقلب مسيرته بشكل حاد مطلع 2026، فبعد مسار صعود شهد تعيينه نائبًا في مجلس القيادة الرئاسي، وجد الزبيدي نفسه مُقالًا من منصبه ومتهمًا بـ“الخيانة العظمى” إثر خلافات عميقة مع شركائه في السلطة.
جاءت هذه التهم الخطيرة عقب تصعيد عسكري قاده الزبيدي لتحقيق حلمه القديم بإعادة انفصال جنوب اليمن، وهو طموح سياسي لم يتخلَّ عنه قط رغم مشاركته في حكومة وحدة معترف بها دوليًا.
هكذا بات زعيم المجلس الانتقالي الجنوبي هدفًا لحملة عسكرية وإعلامية من قبل خصومه في الحكومة والتحالف السعودي، الذين أعلنوا أنه فرّ إلى وجهة غير معلومة، في حين يدعي أنصاره أنه لا يزال في عدن.
النشأة والخلفية
وُلد عيدروس قاسم الزُبيدي عام 1967 في محافظة الضالع بجنوب اليمن، وترعرع في مرحلة اتسمت باضطرابات سياسية في الجنوب.
التحق بالسلك العسكري وتخرج ضابطًا في كلية القوات الجوية بعدن عام 1988، لكن مسيرته المبكرة انقطعت مع اندلاع حرب صيف 1994 بين الشمال والجنوب. شارك في تلك الحرب إلى جانب القوات الجنوبية التي هُزمت أمام قوات الرئيس المخلوع علي عبد الله صالح، الأمر الذي دفعه لمغادرة البلاد إلى جيبوتي بعد سقوط مشروع الانفصال.
عام 1996، عاد الزبيدي سرًا إلى اليمن ليؤسس حركة مسلحة باسم “حق تقرير المصير”، تبنّت عمليات اغتيال استهدفت مسؤولين عسكريين شماليين دعمًا لانفصال الجنوب، فصدر بحقه حكمٌ غيابي بالإعدام بتهمة التمرد المسلح، قبل أن يصدر صالح عفوًا عنه مطلع عام 2000.
وخلال السنوات اللاحقة، واصل الزبيدي نشاطه كمعارض جنوبي ضمن حراك منخفض الوتيرة، ثم برز مجددًا في انتفاضة الربيع العربي 2011 عندما أعلن فصيله مسؤوليته عن هجمات استهدفت قوات الجيش اليمني في الضالع.
شكّلت هذه الخلفية المتمرّدة ملامح شخصية الزبيدي كقيادي متصلّب في مطلب انفصال الجنوب عن الشمال.

حاكم عدن وعدو الحوثيين
مثّل اجتياح جماعة الحوثيين للعاصمة صنعاء عام 2014 وتمددهم جنوبًا عام 2015 نقطة تحول في مسيرة الزبيدي، فمع انهيار الوحدات العسكرية الحكومية أمام الحوثيين، برز الزبيدي قائدًا لقوات المقاومة الجنوبية ولعب دورًا محوريًا في دحر الجماعة من محافظة الضالع وصولًا إلى مدينة عدن في الجنوب.
وبفضل نفوذه ودوره الميداني البارز آنذاك، عيّنه الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي محافظًا لعدن في ديسمبر/كانون الأول 2015. وخلال توليه هذا المنصب، نجا الزبيدي من محاولة اغتيال تبناها تنظيم الدولة، مما عزز صورته كقائد ميداني في نظر أنصاره.
غير أن شهر العسل بينه وبين الحكومة لم يدم طويلًا؛ إذ سرعان ما تصاعدت التوترات بين السلطات التابعة لهادي والقوى الجنوبية المطالبة بالحكم الذاتي، ليبلغ الخلاف ذروته بإقالة الزبيدي من منصب محافظ عدن في أبريل/نيسان 2017.
شكّلت هذه الإقالة منعطفًا في علاقة الزبيدي بالحكومة، ورسخت قناعته بأن تحقيق الانفصال لن يتم من خلال المؤسسات القائمة بل بمواجهة سياسية – وربما عسكرية – مفتوحة مع سلطات الشمال.
تأسيس “الانتقالي” وصراع الجنوب
بعد أقل من شهر على عزله من محافظة عدن، أعلن الزبيدي في مايو/أيار 2017 تأسيس “المجلس الانتقالي الجنوبي” ليمثل – حسب وصفه – القيادة السياسية المفوّضة عن الجنوب اليمني وقضيته.
حظي المجلس منذ نشأته بدعم قوي من دولة الإمارات، التي كانت آنذاك شريكًا رئيسيًا في التحالف العسكري الذي تقوده السعودية باليمن.
سارع الزبيدي، عبر الدعم الإماراتي، إلى بناء قوة عسكرية جنوبية منظمة ومجهّزة تمكنت خلال سنوات قليلة من بسط سيطرتها على أجزاء واسعة من الجنوب. ولم يقتصر النفوذ الإماراتي على الدعم الميداني، بل شمل أيضًا الترتيب لتحركات الزبيدي السياسية، بما فيها زيارات خارجية بارزة.
وشهدت الفترة 2017–2019 عدة مواجهات مسلحة بين قوات المجلس والقوات الموالية للحكومة الشرعية، بلغت ذروتها في أغسطس/آب 2019 حين انتشرت مليشيات الزبيدي في عدن وسيطرت عليها بالكامل بعد معارك خاطفة مع قوات هادي.
هذا التحرك الانفصالي فتح جبهة صراع جديدة داخل المعسكر المناهض للحوثيين، وكاد يفجّر حربًا أهلية جنوبية لولا تدخل الرياض لاحتواء الموقف.
وبرعاية سعودية وُقِّع اتفاق الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2019 بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي، متضمنًا ترتيبات لتقاسم السلطة ودمج قوات الزبيدي ضمن هيكل الدولة مقابل مشاركة الجنوبيين في حكومة مناصفة.
ورغم الآمال المعقودة على الاتفاق في تهدئة الأوضاع، ظل تنفيذه متعثرًا وشهد خروقات عديدة، إذ استمر المجلس الانتقالي في تعزيز نفوذه على الأرض بدعم إماراتي، وسط اتهامات متبادلة بالتنصل من بنود الاتفاق.
من مجلس الرئاسة إلى المواجهة المفتوحة
في أبريل/نيسان 2022، وكتتويج لتسوية رعتها السعودية بهدف توحيد الصفوف ضد الحوثيين، جرى تعيين عيدروس الزبيدي نائبا لرئيس مجلس القيادة الرئاسي المشترك المكوّن من ثمانية قادة يمنيين.
خلال الفترة الأولى من عمل المجلس، حرص الزبيدي على الظهور بمظهر رجل الدولة المسؤول، حيث شارك في مشاورات سياسية رفيعة والتقى دبلوماسيين غربيين وإقليميين ضمن جهود إنهاء الحرب.
لكن في الكواليس، بقي متمسكًا بهدفه الإستراتيجي بإعادة ما تسمى دولة الجنوب، ولم يتوانَ عن بناء القوات الموالية له وتعزيز تحالفاته الإقليمية لتحقيق ذلك الهدف.
ومع تعثر مسار السلام وتعاظم نفوذ المجلس الانتقالي على الأرض، بدأ التصدع يدب في مجلس القيادة الرئاسي حتى سيطرت مليشيات الزبيدي أواخر 2025، على مناطق شاسعة في محافظتي حضرموت والمهرة الغنيّتين بالنفط شرقي اليمن.

واتخذ الزبيدي خطوة جريئة أخرى حين أصدر إعلانًا دستوريًا من طرف واحد في 2 يناير/كانون الثاني 2026، قضى ببدء “مرحلة انتقالية” لمدة عامين تنتهي بإجراء استفتاء تقرير مصير الجنوب.
هذا الإعلان اعتبره المجلس الرئاسي بمثابة انقلاب وتمرد صريح، مما دففه للإعلان عن إقالة الزبيدي بتوافق أغلب الأعضاء وإصدار رئيس المجلس رشاد العليمي مرسوما يقضي بإحالته إلى النائب العام ومحاكمته بتهمة “الخيانة العظمى” وقيادة تمرد مسلح يهدد كيان الدولة.
كما اتهمه التحالف الذي تقوده السعودية بتشكيل مليشيات خارج إطار الدولة وتوزيع أسلحة ثقيلة على أنصاره في عدن بقصد “إثارة الفوضى”، وأعلن أنه فرّ إلى جهة غير معلومة بعد تخلفه عن الحضور إلى الرياض رغم إنذاره بذلك خلال 48 ساعة.
في المقابل، نفى المجلس الانتقالي مزاعم فرار قائده، مؤكدًا أنه ما زال في عدن يمارس مهامه، ومتهما الرياض باحتجاز وفده المفاوض الذي سافر إلى المملكة وبقطع الاتصال به.
وبذلك انهار التحالف الهش بين الزبيدي والمجلس الرئاسي، ودخل جنوب اليمن منعطفًا خطيرًا من الصراع المفتوح على وقع عودة شبح الاحتراب الداخلي في معسكر الشرعية.
العلاقات الإقليمية ودعم الإمارات
رغم أن الزبيدي كان جزءًا من التحالف الذي تقوده الرياض ضد الحوثيين، فإن ولاءه لأبو ظبي وضعه في مرمى خلاف سعودي إماراتي مكتوم ظهر للعلن نهاية 2025، فمع اجتياح قوات الانتقالي لمناطق واسعة بالجنوب ووصولها إلى حدود السعودية، اتهمت الرياض أبوظبي بدعم هذه التحركات وبتسهيل “فرار” الزبيدي من اليمن عبر قارب إلى دولة ثالثة ثم نقله جوًا إلى الإمارات.
وتصاعد التوتر إلى درجة قصف الطيران السعودي نهاية العام 2025 شحنة عربات عسكرية إماراتية وصلت ميناء المكلا في حضرموت، كتحذير مباشر لأبوظبي من مغبة استمرار دعمها العسكري للانتقالي، مما دفع الإمارات للإعلان مطلع 2026 سحب ما تبقّى من قواتها في اليمن.
هذه التطورات كشفت بجلاء أن الزبيدي أصبح في قلب صراع أجندات بين حليفَيه الخليجيَّين السابقَين؛ السعودية التي تؤكد حرصها على يمن موحد واستقرار حدودها الجنوبية، والإمارات التي رأت في الانتقالي أداة لتعزيز نفوذها في جنوب اليمن وموانئه الحيوية.
وبانسحاب الإمارات فعليًا من المشهد تحت الضغط السعودي، خسر الزبيدي داعمه الإقليمي الأبرز، ما جعل موقفه أكثر صعوبة في مواجهة التحالف العربي الداعم لوحدة اليمن.
مواقف انفصالية وارتهان خارجي
تميّز خطاب عيدروس الزبيدي السياسي بالوضوح في تبنّي انفصال جنوب اليمن، حتى وهو يتقلد مناصب في سلطة موحدة.
- يؤكد أن هدفه النهائي استعادة دولة “جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية” التي اندمجت مع الشمال عام 1990.
- طرح رؤية لدولة جنوبية حديثة سماها “دولة الجنوب العربي”، تقوم على نظام فيدرالي يمنح الأقاليم استقلالية واسعة.
- صرّح بأن عملية السلام اليمنية متعثرة، وأن الحل الوحيد يكمن في فصل الشمال عن الجنوب ضمن إطار حل الدولتين.
- أعلن الانفتاح على فكرة انضمام دولة الجنوب المستقبلية إلى اتفاقات إبراهام التطبيعية مع “إسرائيل”.
ويوصف الزبيدي من قبل معارضي الانتقالي بأنه “أداة بيد الإمارات” تدعم من خلالها نفوذها في جنوب اليمن على حساب السيادة الوطنية، خاصة بعد الكشف عن حجم التسليح والتدريب الذي قدّمته أبوظبي لقواته.
كما تُتهم قوات الحزام الأمني والنخب التابعة للمجلس الانتقالي بارتكاب انتهاكات لحقوق الإنسان في مناطق سيطرتها، بما في ذلك إنشاء سجون سرية وقمع المعارضين. وقد وثّقت منظمات دولية حالات لاستهداف ناشطين وصحفيين، فضلًا عن التضييق على منظمات المجتمع المدني.
ومع احتدام المواجهة الأخيرة، يجد الزبيدي نفسه أمام تحدٍ مصيري بعد أن أصبح مطاردا من قبل السعودية ومعسكر الشرعية اليمني، ما يرجح أن تنتهي تجربته بالنفي السياسي أو المحاكمة بتهمة الخيانة أو حتى الملاحقة والاغتيال.