ترجمة وتحرير: نون بوست
يدير ستيفن ميلر مكالماته اليومية في تمام العاشرة صباحًا – حتى في أيام السبت – ليس كمستشار حكومي، بل كجنرال في زمن الحرب؛ فصوته هو المسيطر، مؤديًا دور الموبّخ والمحقق والمتنمّر، ولا يقبل الأعذار ولا يتيح مجالاً للاعتراض.
يسعى نائب رئيس موظفي البيت الأبيض للسياسات لدى دونالد ترامب بلا هوادة لتحقيق رؤية الرئيس، خصوصًا فيما يتعلق بطرد المهاجرين خارج البلاد، ويدير اجتماعاته بكفاءة صارمة.
إن التوافق لديه ليس الهدف، وبدلاً من ذلك، يطالب ميلر بتقارير تقدم حول حملته الواسعة للترحيل الجماعي، ويصدر أوامر إلى مختلف وكالات إنفاذ القانون الفيدرالية، بما في ذلك مكتب التحقيقات الفيدرالي، وحرس الحدود والجمارك، وإدارة الهجرة والجمارك، ووزارة الصحة والخدمات الإنسانية، ووزارة الدفاع. وقال أحد كبار المسؤولين الذين شاركوا في هذه المكالمات إن حدّة الاجتماعات تصل أحياناً إلى حد التوبيخ: “إنه يدفع الجميع إلى أقصى حدودهم لأنه يعلم أن الوقت ينفد، فهو يتصل ويصرخ في وجه الجميع، ولا أحد ينجو من غضبه”.
في مايو/ أيار، أخبر ميلر مسؤولي إدارة الهجرة والجمارك أنه يريد 3,000 عملية اعتقال يوميًا، أي ما يقارب عشرة أضعاف عدد الاعتقالات التي نُفذت في شوارع الولايات المتحدة عام 2024. كما يطالب بتقارير يومية عن حملة التوظيف في وكالة الهجرة والجمارك؛ إذ تعهّدت الإدارة بنشر 10,000 ضابط ترحيل جديد بحلول هذا الشهر، أي أكثر من ضعف قوة الوكالة العاملة. ويتوقع ميلر أيضًا تحديثات منتظمة عن القدرة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز، ورحلات الترحيل، وحالات عبور الحدود.
ويعيب ميلر على الموظفين علنًا إذا شعر أنهم مقصّرون في أداء مهامهم أو يقاومون الأوامر، وقال أحد المشاركين الدائمين في هذه المكالمات: “إذا كانت هناك مشكلة وأنت المسؤول عنها، فعليك إصلاحها بسرعة. هذا ليس مكانًا يمكنك أن تقول فيه: سأعود إليك لاحقًا”.
وقال مسؤول ثالث إن هذه المكالمات تختلف عن أي اجتماعات حكومية أخرى حضرها: “إذا قلت شيئًا غبيًا، سيواجهك مباشرة. يُتوقع منك أن تؤدي على مستوى معين، ولا عذر لعدم الوفاء بهذه التوقعات”.
وفي الدائرة المقربة من ترامب – وحتى مع الرئيس نفسه – يُعرف ميلر بأنه قوة عقائدية، وأحيانًا تكون أفكاره متطرفة للغاية بحيث لا يمكن قبولها من قبل الجمهور؛ فقد مازح الرئيس في أحد اجتماعات المكتب البيضاوي في أكتوبر/ تشرين الأول قائلاً: “أود أن يأتي ليشرح مشاعره الحقيقية؛ ربما ليس مشاعره الحقيقية”. لكن في ولاية ترامب الثانية، يجد ميلر نفسه في ذروة نفوذه، فهو أشبه بتجسيد حيّ لرئيس تحكمه الغرائز.
وقد حاول ميلر إعادة صياغة الخلافات السياسية الحزبية في البلاد باعتبارها صراعًا وجوديًا، معركة بين “قوى الشر والفساد” وبين الشعب النبيل الفاضل، والذي – بالنسبة له – و؟ هو في معظمه من المولودين في البلاد الذين يعود نسبهم وإرثهم “إلى أثينا وروما وفيلادلفيا ومونتيسيلو”. ويتهم القضاة الفيدراليين بـ”التمرد القانوني” لرفضهم سياسات ترامب، ويصف الحزب الديمقراطي بأنه “منظمة متطرفة محلية”، ويرفض حتى نتائج برامج الهجرة القانونية باعتبارها “صوملة أمريكا”. كما أعلن نهاية النظام الدولي لما بعد الحرب العالمية الثانية القائم على “المجاملات الدولية”، لصالح عالم يوبّخ الضعفاء، “عالم تحكمه القوة، وتحكمه السلطة، وتحكمه القدرة”، كما قال هذا الأسبوع عند حديثه عن العمل العسكري الأخير ضد فنزويلا.
إلى جانب وزير الخارجية ماركو روبيو، كان ميلر القوة الرئيسية وراء قرار ترامب بالقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو. وقال ميلر لشبكة “سي إن إن” في مقابلة مع جيك تابر يوم الإثنين: “نحن قوة عظمى، وتحت قيادة الرئيس ترامب سنتصرف كقوة عظمى”، معبّرًا عن رؤية عالمية بدأت بالخوف من الهجرة لكنها توسعت تدريجيًا لتشمل قضايا الأمن القومي وسيادة القانون. وفي هذا السياق “الدارويني”، أعلن ميلر أيضًا أن الجيش الأمريكي يمكنه الاستيلاء على غرينلاند من دون قتال، مكررًا ما نشرته زوجته كاتي ميلر على وسائل التواصل الاجتماعي قبل يومين، حيث عرضت صورة لعلم أمريكي فوق خريطة تلك الأرض الجليدية إلى جانب كلمة: “قريبًا”. وقد أكد قادة حلف شمال الأطلسي بقلق تمسّك الدنمارك بحقها في السيادة على الإقليم.
ولا تعكس الألقاب الرسمية لميلر – فهو أيضًا مدير مجلس الأمن الداخلي المشترك بين الوكالات – الكثير من حجم صلاحياته الفعلية. ويصفه ستيف بانون، المستشار السابق لترامب وحليف ميلر، بأنه “رئيس وزراء ترامب”. ويلعب ميلر دور في كل مجال يهتم به بعمق: الهجرة وأمن الحدود، نعم؛ ولكن أيضًا الأمن القومي والسياسة الخارجية والتجارة والعمل العسكري والشرطة. فقد يصوغ في يوم واحد سلسلة من الأوامر التنفيذية، ويقود في اليوم التالي اجتماعًا حول خفض أسعار اللحوم المحلية، ثم يسافر في الأسبوع الذي يليه لإلقاء خطاب ناري خاص به. وهو أشبه بترامب في أكثر حالاته غضبًا وتشاؤمًا، لكن من دون أي لمسة من روح الدعابة التي يتميز بها الرئيس. (رفض ميلر التعليق على هذه القصة).
في مطلع ولاية ترامب الثانية، استند ميلر إلى قانون “الأعداء الأجانب” الصادر عام 1798 للتعامل مع المهاجرين باعتبارهم جزءًا من غزو أجنبي، ووجّه الكونغرس لإقرار تمويل جديد بقيمة 150 مليار دولار لتعزيز الأمن الداخلي، وقاد هجوم الإدارة على الجامعات المرموقة مثل هارفارد وكولومبيا. وفي أواخر العام الماضي، ساعد في تنظيم تفويض ترامب بتنفيذ ضربات عسكرية ضد قوارب يُشتبه في تهريبها للمخدرات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ الشرقي، مما مهّد الطريق للعملية العسكرية ضد مادورو.
وتجلّت القوة وراء توجيهات ميلر خلال فضيحة “سيغنال غيت” – حين ضمّت إدارة ترامب عن طريق الخطأ رئيس تحرير مجلة “ذا أتلانتيك”، جيفري غولدبرغ، إلى محادثة خاصة عبر تطبيق سيغنال حول حملة من الغارات على اليمن – وكان ميلر؛ وليس مستشار الأمن القومي، ولا وزير الدفاع، ولا حتى نائب الرئيس؛ هو من أنهى النقاش ووجّه المجموعة للمضي قدمًا في الضربات. وقد وصف ترامب ميلر بأنه يجلس “على قمة الهرم” داخل البيت الأبيض.
وقالت كارولين ليفيت، المتحدثة باسم البيت الأبيض: “إنه يشرف على كل سياسة تتناولها الإدارة. ولا أستطيع أن أحصي عدد المرات التي يُناقش فيها أمر سياسي في المكتب البيضاوي ويقول ترامب: أين ستيفن؟ أخبروه أن ينجز ذلك”.
أما بالنسبة لمنتقديه، فيُعتبر ميلر التجسيد المتبسم لكل ما يرونه خطيرًا واستبداديًا في إدارة ترامب. فقد وُصف بأنه نازي، ونازي جديد، ومؤيد لتفوق العرق الأبيض، و”كابو”، وحتى “لورد فولدمورت”. وعلّقت ملصقات لصور ميلر – بشفاه مشدودة وجبين مقطب – في أنحاء العاصمة، مختومة بعبارات مثل “زاحف” و”الفاشية ليست جميلة”. حتى عمه ندّد به، وكتب في إحدى المرات أنه لو طُبّقت سياسات ميلر الخاصة بالهجرة قبل قرن، لكانت عائلتهم – التي فرت من المذابح المعادية لليهود في أوروبا – “قد تم القضاء عليهم“.
ومع ذلك، إن كان ميلر قد استوعب أيًّا من هذا النقد أو اعترف بالتوازي مع جذوره، فإنه لم يُظهر ذلك، حتى بين أصدقائه أو زملائه. ويعمل ميلر اليوم كمحفز لأكثر دوافع الرئيس التحريضية، ويؤثر في حياة الأمريكيين في كل مجال تقريبًا، ولم يُظهر أي اهتمام أو قدرة على تعديل آرائه؛ حتى ولو كان ذلك لأغراض تكتيكية. إنه يميل إلى المبالغة، وأثبت أنه لا يخشى استخدام سلطة الحكومة ضد من يحاولون الوقوف في طريقه، حتى جيرانه الليبراليين الذين اتهمهم بتهديد عائلته.
وخلال ولاية ترامب الأولى، دفع ميلر بسياسة فصل العائلات على الحدود الجنوبية، وهي خطوة طالما اعتُبرت متطرفة للغاية بحيث لا يمكن تنفيذها. وقد أثارت هذه السياسة رد فعل عنيفًا واسعًا لدرجة أن زوجة ترامب وابنته الكبرى حثتاه على وقفها. وأصبحت عمليات الفصل السمة المحددة لسياسة الهجرة في ولاية ترامب الأولى، مما قوّض قدرته على خوض الانتخابات على أساس هذه القضية عام 2020. والآن بعد عودته إلى المنصب، تُظهر أحدث استطلاعات الرأي تراجع الدعم لحملة الرئيس ضد الهجرة، خصوصًا بين الناخبين من أصول لاتينية الذين ساعدوه على الفوز في انتخابات 2024.
غير أن ميلر واصل الدفع ليس فقط نحو ترحيل الأشخاص المقيمين بشكل غير قانوني، بل أيضًا نحو تضييق أو إغلاق مسارات الهجرة القانونية، خاصة بالنسبة للأشخاص القادمين من دول فقيرة، غير ذات أغلبية بيضاء، وغير مسيحية. وقد اعتبر كثير من الأمريكيين أفعاله عنصرية ومعادية للأجانب. (ففي عام 2019، على سبيل المثال، أفاد مركز القانون الجنوبي للفقر عن رسائل بريد إلكتروني مسربة دعا فيها ميلر موقع “بريتبارت” المحافظ إلى الترويج لأفكار من رواية فرنسية صدرت عام 1973 بعنوان “معسكر القديسين”، وهي رواية شائعة في أوساط القوميين البيض والنازيين الجدد).
ويقول زملاء عملوا معه لسنوات إنهم لم يسمعوه يومًا يتلفظ بشتيمة عنصرية، حتى في جلسات خاصة. ويصرّون على أن إخلاصه ليس لتفوق العرق الأبيض بحد ذاته، بل للأطروحة السياسية والفكرية التي ظل يروّج لها منذ ما قبل وصوله إلى واشنطن؛ فهو يريد وقف وعكس الطفرة السكانية الناجمة عن الهجرة في أمريكا منذ ستينيات القرن الماضي، ويسعى لتحقيق هذا الهدف بحماسة جعلته الوجه العلني لسياسات ترامب التقييدية في مجال الهجرة.
وخلال التحضير للمناظرات في حملة عام 2024، وجد ميلر نفسه في سجال محتدم حول قضية الهجرة مع أحد أكثر حلفاء ترامب اعتدالاً. وفي النهاية، قاطع ترامب الرجلين وقد بدا عليه الانزعاج قائلاً: “ستيفن، لو كان الأمر بيدك، لكان الجميع يبدون مثلك تمامًا”، بحسب ما ذكر شخص مطّلع على النقاش. فرد ميلر قائلاً: “هذا صحيح”، قبل أن يعود لمواصلة الجدال.
ويرتكز نفوذ ميلر على إرث من “حرب بوش على الإرهاب”؛ فبعد أسابيع من هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001، أنشأ الرئيس جورج بوش مجلس الأمن الداخلي لتنسيق استجابة الحكومة للتهديدات الجديدة القادمة من الخارج. وبعد أكثر من ربع قرن، أعاد ميلر توظيف هذا الإطار الطارئ ليصبح موجهًا نحو هدف جديد، محوّلاً المجلس إلى غرفة عمليات يومية لمتابعة وضبط حملة ترامب لترحيل مليون شخص سنويًا.
وقد أدت جريمة قتل الناشط اليميني تشارلي كيرك في سبتمبر/ أيلول – وهو مقرّب من العديد من الأشخاص في الإدارة، بينهم ميلر – إلى دفع ترامب، الذي كان بالفعل صارماً ومتشبثًا برؤيته، نحو حالة من التشدّد القصوى. ورغم أنه يعلَّق في المكتب البيضاوي بورتريه لرونالد ريغان بارز فوق كتف ترامب الأيسر وهو جالس خلف مكتب “ريزولوت”، لكن ميلر أوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن هذا لم يعد حزب ريغان الجمهوري.
وقال السيناتور السابق جيف فليك، الجمهوري من أريزونا الذي تقاعد خلال ولاية ترامب الأولى، إنه لاحظ تحولاً واضحًا بين إدارة ترامب الأولى والثانية: “في السابق كان الأمر أكثر خفاءً وأكثر دقة، أما الآن فهو جلي تمامًا. إنه يريد رؤية المزيد من الهجرة من الدول الإسكندنافية، وليس من دول العالم الثالث. إنه انفصال واضح عن شعار “الجماهير المتعبة التي تتوق للتنفس بحرية””. وأضاف فليك، الذي حاول دون جدوى تمرير إصلاح شامل للهجرة بالتعاون بين الحزبين: “هذه ليست رؤية ريغان. وليست الرؤية التقليدية للحزب الجمهوري”.
وأكد فليك أن نظام الهجرة يعاني من مشكلات جدية، لكن هدف ترامب وميلر يبدو أنه “تغيير طبيعة هويتنا كبلد”.
وبعيدًا عن ملف الهجرة؛ يتخصص ميلر في تحويل نزوات الرئيس وتصريحاته الصاخبة إلى سياسات حكومية. ففي أحد الأيام، حين اشتكى ترامب من مخيمات المشردين بالقرب من وزارة الخارجية، تذكرت ليفيت أنه التفت إلى ميلر وقال: “أنجز الأمر”، وأضافت: “وفي غضون ست ساعات، رأيت على تويتر صورًا لرافعات تنظف المكان”.
وقال المستشار السابق لترامب كليف سيمز في رسالة نصية: “ستيفن هو المساعد السياسي الأكثر فعّالية في هذا الجيل، وربما منذ جيمس بيكر. لا أحد أكثر براعة منه في تحريك أدوات الحكومة لتنفيذ سياسات الرئيس”.
وأوضحت ماي ميلمان، التي عملت العام الماضي عن قرب مع ميلر لمعاقبة الجامعات المرموقة التي تقول الإدارة إنها تعجّ بمعاداة السامية وأيديولوجيا “اليقظة”، كيف يتعامل ميلر مع المشكلات. ففي مارس/ آذار، وبعد أن غضب ترامب من جامعة كولومبيا لعدة أسباب، منها الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين داخل الحرم الجامعي، نشر رسالة على وسائل التواصل الاجتماعي قال فيها: “سيتم وقف جميع أشكال التمويل الفيدرالي لأي كلية أو مدرسة أو جامعة تسمح باحتجاجات غير قانونية”. وطلب ميلر من ميلمان أن تضع بعض الخيارات، ولكن بموافقة ترامب، كان ميلر في النهاية من أقرّ سحب التمويل الفيدرالي من الجامعة.
ثم راقب ميلر بعناية ردود الفعل، وقالت ميلمان، التي عملت لأول مرة خلال ولاية ترامب الأولى: “لو كان سحب الأموال من كولومبيا فكرة سيئة وأتى بنتائج عكسية، لكان ستيفن هو من يطالب بتصحيح المسار. لكن بما أن الأمر سار بشكل جيد، فإنه يحاول بعد ذلك أن يكتشف: كيف يمكننا استخدام هذه الأداة في مجالات أخرى؟”.
ويقول المراقبون المقربون من ميلر إن سيطرته الكاملة الآن تمثل تحولاً واضحًا عن دوره في ولاية ترامب الأولى، حين كان، رغم منصبه كمستشار رفيع، محدود القدرة على توجيه الآخرين. وقال ديفيد لابان، عقيد متقاعد في مشاة البحرية ومساعد وزير الأمن الداخلي السابق جون كيلي، إنه يتذكر اجتماعًا في عام 2017 دعا فيه ميلر المسؤولين إلى تزويده بأمثلة عن جرائم ارتكبها مهاجرون ليقوم بنشرها. وأضاف لابان أن الفرق آنذاك هو أن ميلر كان يؤدي دورًا استشاريًا، وكان بإمكان الحاضرين تجاهل طلباته إذا اعتبروها مبالغًا فيها. “خرجنا من الاجتماع وقلنا: لن نفعل ذلك. وكنا نعلم أن كيلي سيغطي علينا”.
وقال لابان: “هل هناك قصص مثل هذه؟ بالتأكيد. لكنها استثناء وليست القاعدة. انتقاء بعض الحالات السيئة لتصوير جميع المهاجرين بصورة سلبية لم يكن شيئًا نحن مستعدين للقيام به”.
ورغم أن ميلر يعتبر نفسه خادمًا مخلصًا للرئيس، إلا أن مواقف ترامب تبدو وكأنها تحوّلت تحت تأثيره. فقد كان الرئيس يتحدث بإيجابية عن بعض فئات المهاجرين الذين يحبهم، مثل المستفيدين من برنامج “داكا” وموظفي منتجعاته. لكن في الآونة الأخيرة، خفتت تصريحاته المؤيدة للهجرة، وقال لابان: “شعار “أمريكا أولاً” أصبح يتحول إلى ‘الأمريكيون فقط'”.

بلغ ميلر الأربعين من عمره في أغسطس/ آب، واحتفل بهذه المناسبة بحفل مفاجئ في نادي “ذا نيد”، وهو نادٍ أنيق للأعضاء فقط يقع على بُعد بضعة شوارع من البيت الأبيض. لم يحضر الرئيس، لكن حضر الجميع تقريبًا: رئيسة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ورئيس مجلس النواب مايك جونسون، ومؤثرون محافظون، وجميع وزراء الحكومة تقريبًا. لم يكن لدى ميلر خطاب مُعد مسبقًا، لكنه تحدث بروح متواضعة مازحًا، وشكر وايلز على تحمّل أفكاره واقتراحاته. وقد عكس الحضور الكبير ليس فقط نفوذ ميلر الهائل، بل أيضًا شعبيته داخل إدارة اتسمت بكثرة الصراعات الداخلية والغدر، خصوصًا خلال خلال ولاية ترامب الأولى.
وقال زملاؤه إن صورة ميلر كمقاتل شرس يظهر على شاشات التلفاز ليست مجرد تمثيل، بل إنه يتصرف بالطريقة نفسها في حياته الخاصة (وإن كان غالبًا مع لمسة من الدعابة الجادة). وأوضح عدة أشخاص أنهم يقدّرون مدى تعنته، لسبب قد يبدو مفاجئًا: فهم دائمًا يعرفون موقفه من القضايا، ويعرفون موقفهم منه. وخلال الإدارة الأولى لترامب، حين كان كاتب خطاباته، كوّن رصيدًا من الثقة مع زملائه عبر تحذيرهم مسبقًا عندما كان الرئيس على وشك قول شيء يتعارض مع خططهم، ليمنحهم فرصة لمحاولة إقناعه بخلاف ذلك.
وقال ستيفن تشيونغ، مدير الاتصالات في البيت الأبيض، حول الاتهامات الموجهة لميلر بوصفه نازيًا أو فاشيًا: “الهجوم عليه بهذه الألقاب البغيضة ليس إلا هجومًا كسولًا وكذبًا صريحًا. إذا تعمقت في الأمر ولم تكن أسيرًا لمتلازمة جنون ترامب، ستكتشف أنه ليس كما تصوره وسائل الإعلام. في الواقع، هو شخص ودود ولطيف، يهتم بالبلاد ويسعى لأداء عمله بأفضل وجه. ومن السهل جدًا العمل معه؛ لقد عايشت عالم ترامب طويلًا، وهو ربما الأسهل في التعامل بين الجميع.”
ووصف المقربون ميلر بأنه رئيس صارم للغاية، ومتحكم أحيانًا بالتفاصيل، لكنه في الوقت نفسه يحرص على فريقه، بما في ذلك المساعدون الشباب. خلال الفترة الأولى لإدارة ترامب، لم يكن متزوجًا بعد، وكان يقضي الليالي خارج المنزل، يتناول المشروبات أو العشاء مع الجميع، بدءًا من وزراء الحكومة إلى الموظفين الأصغر سنًا الذين كانوا حريصين على قضاء وقت معه. وعند انتهاء الفترة الأولى، حرص ميلر على تأمين وظائف لكل من عمل مع فريقه، وأحيانًا حتى من لم يكونوا جزءًا من الفريق.
ويقول أصدقاؤه وزملاؤه إنه نادرًا ما تأثر بالنقد أو الصور الكاريكاتيرية عنه. ومع ذلك، يمكن أن يكون مغرورًا بمظهره؛ ففي الفترة الأولى، ظهر في برنامج (واجه الأمة) بشعر رُش بطريقة أثارت السخرية، واختفى هذا الشعر في الفترة الثانية. وفي جلسة تصوير لمجلة “فانيتي فير” لفريق الجناح الغربي، ذكر المصور – الذي انتشرت صوره المقربة على نطاق واسع – لصحيفة واشنطن بوست أن ميلر كان “ربما الأكثر اهتمامًا بجلسة التصوير”، متسائلًا عن ما إذا كان ينبغي عليه الابتسام أم لا.
ويصفه زملاؤه بأنه يولي اهتمامًا فائقًا بأناقته، حتى في أدق التفاصيل، ويتبادل نصائح الموضة مع هوجان جيدلي، النائب الرئيسي للسكرتير الصحفي للبيت الأبيض في فترة ترامب الأولى. وقال جيدلي: “كنا نناقش أنواع الأقمشة حسب المواسم، وأبعاد الشُرَف وعرض الروابط، وأمور من هذا القبيل”، موضحًا أن أسلوب ميلر “راقٍ وذكي وأنيق، لكنه لا يخلو أحيانًا من الجرأة.”
وفي فيديو قديم يعود لعام 2003، يظهر ميلر البالغ من العمر 17 عامًا، بشوارب جانبية وشعر بني ملتف بإحكام، جالسًا في مؤخرة حافلة مدرسية، متحدثًا عن الحرب في العراق. في الفيديو، يقترح ميلر بابتسامة ساخرة أن “الحل المثالي” لـ”صدام حسين وأعوانه” هو “قطع أصابعهم”، مؤكّدًا أن التعذيب هو العقوبة المناسبة في مجتمع غير همجي، وأن الموت هو الملائم في مجتمع همجي. ويضيف: “التعذيب هو احتفال بالحياة وكرامة الإنسان”، فيما لا يستطيع إخفاء سروره عندما تثير تصريحاته الغريبة ضحكات زملائه، فتتسع ابتسامته ويصدر ضحكة مسموعة قبل أن يواصل حديثه.
هذا هو ميلر المثير للجدل، الذي اعترف لأصدقائه بأنه يستمتع بإشعال النار ثم صب البنزين عليها. وبعد أكثر من عقدين في دور المخالف المرح، أصبح هذا الدور يعكس شخصيته الحقيقية أكثر من كونه مجرد رسمة ساخرة غريبة. وقال بانون: “لديه ميل للدراما، ويمكنك أن ترى ذلك في طريقة تصرفه على التلفزيون. إنه يؤدي الشخصية ببراعة، مع العلم أنه يسعى دائمًا لإثارة غضب الليبراليين والتقدميين.”
وبعد تخرجه من جامعة دوك عام 2007، حيث دافع بحماسة عن لاعبي لاكروس بيض اتهموا زورًا بالاغتصاب، حصل ميلر على وظيفة مع النائبة الجمهورية المنتخب حديثًا ميشيل باخمان من مينيسوتا. كمساعد شاب في الكابيتول هيل، ساعد ميلر وسيرجيو غور – الذي أصبح لاحقًا سفير ترامب في الهند – في إطلاق طموحات باخمان، وهي شخصية يمينية كانت آيديولوجيتها آنذاك هامشية لكنها مهّدت لصعود حركة ماغا. وبحلول الوقت الذي فشلت فيه حملة باخمان الرئاسية عام 2012، كان ميلر قد استقر بقوة مع السيناتور جيف سيشنز من ألاباما، الذي يشاركه الهوس المتشدد بالهجرة، ومع ستيف بانون، الذي وفر إطارًا قوميًا وشعبيًا أوسع.
وبصفته مساعدًا مقربًا لسيشنز، ساعد ميلر رئيسه في إحباط مشروع قانون الهجرة الثنائي المعروف باسم “عصابة الثمانية”، الذي مرّ في مجلس الشيوخ بفارق كبير عام 2013. وفي وقت كانت فيه مراجعات الحزب الجمهوري بعد 2012 تدعو إلى تبني حزب أكثر لطفًا وشمولية، ويحظى الإصلاح المقترح للهجرة بدعم رجال الأعمال وقادة التكنولوجيا والجماعات المهتمة والمتبرعين الأغنياء، لم يتأثر ميلر بذلك، بل كان يوقف الصحفيين في ممرات الكونغرس للضغط عليهم، ويتصل بهم لاحقًا في منازلهم لساعات لشرح تفاصيل مشروع القانون وأثره على العمال الأمريكيين. وتوفي المشروع في مجلس النواب قبل أن يُطرح للتصويت.
وضغط ميلر أيضًا على زملائه للحفاظ على نفس ساعات العمل الطويلة، بما في ذلك عقد الاجتماعات بعد ظهر يوم الجمعة، حين يفضل معظم موظفي الكابيتول الانصراف مبكرًا، وحضّر الموظفون الجمهوريون لمناقشة الرسائل المتعلقة بالهجرة.
ومن خلال شراكته مع بانون، حوّل ميلر موقع بريتبارت نيوز إلى الذراع الإعلامية لمجهوده السياسي. ومع وعيه بأن البيانات والإحصاءات، مهما كانت محل شك، تمنح أي قضية غطاءً من المصداقية، رفعوا مجموعات مناهضة للهجرة كانت مجهولة مثل مركز دراسات الهجرة ومنظمة “نَمبرز يو إس إيه” إلى مصاف المصادر المؤثرة والبارزة. وقال بانون: “كلما كان العنوان أكثر إثارة وغرابة، كان أفضل.”
وبحلول الوقت الذي انضم فيه ميلر إلى حملة ترامب عام 2016، والتي أطلقت رسميًا بادعاءات أن المكسيك ترسل “مغتصبين” ومجرمين عبر الحدود، كانت مصداقيته في ملف الهجرة راسخة، وتعلم توجيه صوت ترامب نحو سياسات محددة. وسرعان ما انتقل ميلر، ذو الوجه الطفولي، من مؤخرة طائرة ترامب إلى الدائرة الداخلية في المقدمة.
وبحلول مارس / آذار 2016، أصبح ميلر المقدم الافتتاحي لترامب، يثير الجماهير في جميع أنحاء البلاد بشعبوية مناهضة للهجرة ومناهضة لواشنطن، وأحيانًا بطريقة قد تطغى على حضور ترامب نفسه. وقال بانون: “قلت: ‘استمع، الهدف من المقدمة أن ترامب لا يحتاج لتجاوزها.’ كان مبالغًا فيه للغاية، لكن قاعدة ماغا لم تشبع منه أبدًا.”
في البيت الأبيض الأول لإدارة ترامب، استغل ستيفن ميلر بسرعة جميع الوسائل المتاحة له، حتى تلك المخفية في أعماق البيروقراطية. وركز بشكل خاص على مكتب سكرتير الموظفين، فريق صغير لكنه فعال، يتولى مراجعة أي مذكرة أو خطاب أو سياسة قبل وصولها إلى الرئيس. وعلى الرغم من أنه لم يكن محاميًا، اعتمد ميلر على تفسيرات مبتكرة وواسعة للقوانين لدفع أجندة الرئيس.
فعلى سبيل المثال، في الأيام الأولى لجائحة كوفيد، نجح ميلر في حث الإدارة على تفعيل قانون الطوارئ العامة للصحة لعام 1944، ما أدى إلى إغلاق الحدود وطرد المهاجرين بسرعة إلى المكسيك أو بلادهم الأصلية. وفي بيت أبيض يضم بعض الهواة، استغل ميلر خبرته العميقة في قضايا السياسات، التي بدأ صقلها منذ أيام دراسته الثانوية، لتدريب الرئيس ترامب وآخرين على مواقف أشد تشددًا في الهجرة، موضحًا أسباب اعتقاده بأن منح بطاقات الإقامة الخضراء للطلاب الأجانب الموهوبين يمثل خطرًا.
وحتى حلفاؤه يجدون ميلر “شخصية مثيرة للجدل يصعب التكيف معها في البداية”، كما وصفه أحدهم. ومازح آخر قائلاً إن أسلوبه يشبه طريقة تعامل هاينريش هملر، أحد أقدم أتباع أدولف هتلر وأحد المهندسين الرئيسيين للهولوكوست. ومع ذلك، قالت ميلمان إن ميلر يستطيع أن يكون إستراتيجيًا عند تقديم مقترحات سياسية. ففي قضايا الهجرة، كان يدرك بشكل فطري ما إذا كان الشخص معنيًا بـ”نوع المهاجر” (أي يهتم بنوع المهاجر القادم إلى البلاد) أو بـ”الأرقام فقط” (أي يهتم بعدد المهاجرين بغض النظر عن نوعهم)، وغالبًا ما كان يكيف رسالته وفق ذلك. وقالت: “إنه يفكر دائمًا في منطق الطريقة التي يتعامل بها الآخرون مع الموضوع.”
وبفضل شهرته بآرائه، خاصة في الهجرة، كسب ميلر ثقة ترامب، رغم اختلافه معه أحيانًا بشكل حاد. وقال مساعد للرئيس في الفترة الأولى: “ميلر متمسك تمامًا بقناعاته، ويعبر عنها بصراحة. إذا توافقت مع ما يريد الرئيس، فهذا ممتاز، وإذا اختلفت، فإنه يحدد موقفه ولا يهتم بالاختلاف عن الآخرين أو رغبات الرئيس، لكنه ينفذ قرار الرئيس بمجرد وضوحه، سواء وافق عليه أم لا.”
وعلى الرغم من سنواته كمتدرب ومساعد لسيشنز، سرعان ما ابتعد ميلر عن معلمه القديم، حسبما أخبرنا عدة مصادر، عندما امتنع سيشنز، الذي كان يشغل حينها منصب المدعي العام الأول لترامب، عن متابعة التحقيق في التدخل الروسي في انتخابات 2016، مما أثار غضب الرئيس. وفي الواقع، كانت الفجوة أعمق مما بدا للجمهور؛ فقد كان ميلر غاضبًا بشدة من ما اعتبره خيانة لا تُغتفر من سيشنز تجاه ترامب.
وخلال الفترة الأولى لإدارة ترامب، أقام ميلر تحالفًا إستراتيجيًا مع إيفانكا ترامب وزوجها جاريد كوشنر، بعد أن اتضح أن لهما نفوذًا كبيرًا على الرئيس. وكان هذا التحالف غير مألوف، لا سيما أن قاعدة اليمين المتطرف كانت ترى في ابنة الرئيس وصهره مروجين لأفكار عالمية مضللة. وقال مصدر مطلع على الديناميكية إن ميلر قضى ساعات طويلة في متابعة المبادرات الرئيسة لإيفانكا، بما في ذلك إجازة الأسرة المدفوعة والإعفاءات الضريبية للآباء. وأضاف المصدر: “التفسير الخيري هو أنه كان كريمًا بوقته وخبرته، أما التفسير الأكثر تشاؤمًا فهو أن ميلر فهم أن وجود علاقة جيدة مع إيفانكا ترامب سيجعلها أقل ميلًا للاعتراض على سياساته المتشددة في الهجرة.”
وقال ستيف بانون: “ميلر دائمًا يعرف أين تكمن السلطة، ومهما كان الموقف، حتى لو كان يدرب فريقًا شبابيًا، يستطيع تحليل الأمور بسرعة.”
وكان ولاء ميلر للرئيس ظاهرًا حتى نهاية الفترة الأولى لإدارة ترامب. ففي 6 يناير/ كانون الثاني 2021، كانت زوجته، التي عملت كمديرة اتصالات لنائب الرئيس مايك بنس، في إجازة أمومة لكنها لا تزال موظفة. وعندما اتصل ترامب بميلر صباح ذلك اليوم لمناقشة إضافة أسطر إلى خطابه لمهاجمة بنس، نفذ ميلر التعليمات دون تردد، كالجندي المطيع دائمًا. وفي وقت لاحق من اليوم، اقتحم أنصار ترامب الغاضبون الكابيتول مطالبين بإعدام نائب الرئيس بتهمة الخيانة.
وفي صباح دافئ من شهر سبتمبر/أيلول، وصل “العدو” إلى عتبة منزل عائلة ميلر على هيئة أستاذة متقاعدة لدراسات النوع والسلام، ترتدي فستانًا مخططًا واسعًا. باربرا وين، التي كانت تحتج على تواجد العائلة في أرلينغتون بولاية فرجينيا، أشارت بأصابع السبابة والوسطى إلى عينيها ثم وجهتها نحو كاتي ميلر الواقفة على الشرفة الأمامية.
اعتبر ستيفن ميلر الإشارة الموجهة إلى زوجته، والتي تم توثيقها بالفيديو، بمثابة دعوة للعنف، وجريمة يعتقد أنه كان يمتلك القدرة الفريدة على معاقبة مرتكبها.
كانت عائلة ميلر تشعر بالفعل بأنها تحت الحصار، حيث كانت تتلقى تهديدات وتخشى أن تكون تحت مراقبة جهات متطورة. ففي أغسطس/ آب، وُجّهت تهمة لرجل من رود آيلاند لتهديده العلني بقتل ميلر ومسؤولين آخرين. وأفاد مسؤول في أجهزة إنفاذ القانون بأن كاتي ميلر تم تصويرها خلسة في حيّها، أثناء ذهابها إلى صالة الألعاب الرياضية، ومرّة على الأقل أثناء سيرها مع أطفالها، مؤكدًا أن هناك جهودًا “منسقة” و”خبيثة” تهدف على الأقل إلى تخويفهم. كما تم توزيع منشورات في الحدائق التي يلعب فيها أطفالهم، تكشف عنوان منزلهم وتصف ميلر بأنه نازي. وتوقفت العائلة عن السماح لأطفالها باللعب أمام المنزل أو في الفناء الخلفي.
لكنهم رفضوا الخضوع للترهيب من ناشطة تبلغ 66 عامًا، وقال ميلر بعد أيام، في ظهور له على برنامج شون هانيتي على قناة فوكس نيوز: «هل تريدون منا أن نعيش في خوف؟ لن نعيش في خوف». وكان ميلر قد شارك في البرنامج لمناقشة الرد الفيدرالي على اغتيال كيرك الذي كان قد حدث مؤخرًا، إلا أنه، وبينما ركّز حديثه على ما وصفه بـ«الإرهابيين المحليين»، أدرج أيضًا نشر المعلومات الشخصية ضمن الجرائم ذات الصلة. وبالنسبة للمطلعين على تفاصيل حياة عائلة ميلر، بدا حديثه أقل ارتباطًا بقاتل كيرك، وأكثر توجيهًا إلى وين، التي قامت بتوزيع منشورات تكشف عنوان منزله.
وأضاف ميلر بلهجة تهديدية: «ستعيشون في المنفى، لأن سلطة إنفاذ القانون تحت قيادة الرئيس ترامب ستُستخدم للعثور عليكم، وستُستخدم لسلب أموالكم ونفوذكم، وإذا كنتم قد خالفتم القانون، لسلب حريتكم أيضًا».
وبعد ذلك، شرع ميلر في صياغة سلسلة من الأوامر التنفيذية، التي وقعها ترامب لاحقًا، لتوجيه سلطات إنفاذ القانون الفيدرالية إلى إعادة تركيز جهود مكافحة الإرهاب على الأشخاص الذين يحملون أفكارًا «مناهضة للفاشية»، بما في ذلك ما وصفه بـ«التطرف في الهجرة والعرق والنوع» و«العداء تجاه من يحملون القيم الأمريكية التقليدية المتعلقة بالأسرة والدين والأخلاق».
وفي خريف ذلك العام، بدأ ميلر أيضًا في رسم صورة للانقسام المركزي في البلاد، مفصّلًا الصراع بين «السلطة الشرعية للدولة» و«العنف الشعبي اليساري»، مع توسيع تعريف الأخير ليشمل سلوكيات متعددة. واتهم السياسيين الديمقراطيين الذين وصفوه أو وصفوا ترامب بـ«سلطوي» بـ«تحريض العنف»، متجاهلًا أنه كان يصف إدارة بايدن مرارًا بـ«الفاشية». وأضاف ميلر ما تعرضت له عائلته من نشر معلومات شخصية ضمن الطيف الذي قد يؤدي إلى العنف، متجاوزًا في سياق ذلك موقف نائب الرئيس جيه دي فانس الذي شجع على كشف هوية من احتفل باغتيال كيرك، بما في ذلك في أماكن عملهم.
وبينما كان ميلر يعلن السياسات الفيدرالية لمواجهة هذا التهديد، كان يقاتل أيضًا معركته الخاصة ضد العدو نفسه الذي وصفه؛ فبعد أسابيع من الإشارة التي قامت بها وين أمام زوجته، قررت عائلة ميلر أنهم لم يعودوا آمنين في منزلهم الواقع في شمال فيرجينيا، المكون من ست غرف نوم والذي تبلغ قيمته نحو 3 ملايين دولار. ولضمان سلامتهم، لجأوا إلى مساكن عسكرية في قاعدة قريبة، موضحين لأصدقائهم وحلفائهم داخل الإدارة أن حياتهم كانت على المحك.
غير أن السلطات الشرعية للدولة واصلت رفض التعاون الكامل مع محاولة ميلر وعائلته تحويل وضعهم الشخصي إلى مبرر لتشديد الرقابة التي اعتبروها ضرورية. ففي البداية، أبدى مكتب التحقيقات الفيدرالي تحفظات على تولي دور رئيسي في التحقيق مع باربرا وين، ما دفع ميلرز للمطالبة بمشاركته، وفقًا لمصدر مطلع على جهودهم. وأبدت المدعية العامة الديمقراطية في فيرجينيا قلقها من التدخل الفيدرالي في أمر تفتيش صادر ضد وين، وسعت لتقليص نطاقه. كما رفض قاضٍ اتحادي إصدار أوامر التفتيش الفيدرالية، بحسب تقرير أكسيوس.
وفي خطوة أثارت جدلاً واسعًا، ظهرت كاتي ميلر، مقدمة بودكاست خاص بها، مؤخرًا على برنامج بيرس مورغان على يوتيوب، متهمة ضيفًا تقدميًا، وهو سينك أويغور، بمحاولة استهداف أطفالها اليهود لمجرد اختلافه معها في الرأي، ثم أطلقت تهديدًا ضمنيًا بسحب جنسيته. (وكان أويغور مواطنًا مجنسًا، ووصف في رسالة نصية تهديد كاتي بأنه “ليس هجومًا علي بقدر ما هو هجوم على أمريكا”). وعندما بدا أن التحقيق ضد وين يتعثر، أعلن حليف ميلر القديم، جيم جوردان، رئيس لجنة القضاء في مجلس النواب، عن فتح تحقيق في المدعية الديمقراطية التي حاولت تضييق أمر التفتيش وأبدت تحفظاتها على التدخل الفيدرالي.
وعلقت كاتي ميلر على وسائل التواصل الاجتماعي قائلة: “هذا رائع جدًا. شكرًا لكم.”
وبعد أيام، أعلنت المدعية أنها لن تتعاون مع تحقيق جوردان، مشددة على أن الكونغرس لا يمتلك سلطة التدخل في مسائل إنفاذ القانون على مستوى الولاية، مؤكدة أن بعض السلطات القضائية في الولاية ما زالت خارج نطاق سيطرة ميلر.
المصدر: ذي أتلانتيك