في لحظة تاريخية تتشكّل فيها ملامح سوريا الجديدة، وتُعاد فيها مساءلة الأدوار الثقافية والفكرية بعد سنوات طويلة من التكلّس والارتهان، يعود السؤال عن موقع المؤسسات الثقافية، وفي مقدّمتها اتحاد الكتّاب العرب، إلى الواجهة.
ما الدور الذي يمكن أن يؤديه اتحاد الكتّاب اليوم؟ وهل يكفي أن يبقى إطارًا نقابيًا تقليديًا، أم أن المرحلة تضع على عاتقه مسؤوليات أوسع، تتصل بالحوار المدني، وبجمع الكتّاب والمثقفين في الداخل والمهجر، وبالمشاركة في صياغة رؤى ثقافية تواكب تحوّلات المجتمع والدولة، أسئلة تفرض نفسها في ظل واقع جديد، تغيّرت فيه طبيعة المؤسسات، وتبدّلت فيه علاقة الكاتب بالفضاء العام، وبفكرة الحرية نفسها.
في هذا الحوار الخاص مع “نون بوست” يقدّم رئيس اتحاد الكتّاب العرب الدكتور أحمد جاسم الحسين رؤيته لمستقبل الاتحاد في المرحلة القادمة، متناولًا إعادة تعريف دور المؤسسة، وعلاقتها بالكتّاب السوريين داخل البلاد وخارجها، وحدود حرية الكتابة والإبداع في سوريا اليوم، والدور المنتظر من المثقف في زمن التحوّل، كما يتوقف عند الخطوات العملية التي يعمل عليها الاتحاد، من إعادة الهيكلة الداخلية، إلى مشاريع النشر والترجمة، ودعم الكتّاب الشباب، في محاولة للخروج من إرث ثقيل، وبناء دور مختلف للمؤسسة الثقافية.
أحمد جاسم الحسين كاتب وناقد سوري، يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب الحديث والنقد من جامعة دمشق، وشغل مناصب أكاديمية وثقافية عدة، من بينها التدريس في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق، وعمادة كلية الآداب في جامعة الفرات – فرع الحسكة، ويتولى حاليًا رئاسة اتحاد الكتّاب العرب في سوريا الجديدة، وصدر له عدد من المؤلفات في النقد والأدب والتحقيق.
ما التعريف الذي تراه مناسبًا اليوم لدور اتحاد الكتّاب العرب؟ وهل يبقى دوره نقابيًا ثقافيًا فحسب، أم أن المرحلة تضع على عاتقه مسؤوليات أوسع؟
سوريا اليوم، بكل ما تعنيه الكلمة، تعيد تعريف نفسها، وتعيد اكتشاف استراتيجياتها، وتعمل على وضع سياسات واستراتيجيات جديدة، ومن المؤكد أن المنظمات والاتحادات والنقابات لن تبقى بالصيغة السابقة، لأن تلك الصيغة كانت موجودة أساسًا لخدمة الديكتاتور، وخدمة الحزب الواحد، وخدمة استراتيجيات لم تعد قائمة.
إضافة إلى ذلك، العالم كله تغيّر، والمنظمات بات لها اليوم دور توصيلي وتمثيلي، وتعبر عن حراك في المجتمع المدني في كل بلد. من هنا، أرى أن دور اتحاد الكتّاب العرب لا ينبغي أن يبقى نقابيًا أو ثقافيًا فقط، بل يجب أن يكون مكانًا للحوار والنقاش، ومساحة للبحث عن آفاق جديدة للمجتمع السوري وللدولة السورية الجديدة.
هذا يضع مسؤولية كبيرة على الاتحاد، مسؤولية تحتاج أولًا إلى سعة أفق من العاملين فيه، كما تحتاج إلى تقبّل من المجتمع والسلطات للدور الذي يمكن أن يقوم به. هذا الدور لا يجب أن يقتصر على المركز في دمشق، بل ينبغي أن يمتد إلى المحافظات كلها، بحيث يكون اتحاد الكتّاب العرب مركزًا للحوار والنقاش وتقديم الرؤى والمقترحات للجهات صاحبة القرار.
كل ذلك يتطلب إعادة تعريف دور الاتحاد، من قبل العاملين فيه وأعضائه، وكذلك من قبل المجتمع والسلطة، لأننا اليوم نتحدث عن مجتمع مدني، وعن تفعيل الحوار والنقاش والديمقراطية، واتحاد الكتّاب العرب يمكن أن يكون إحدى الجهات التي تشكّل مدخلًا لمثل هذه الطروحات.
كيف تقيّم علاقة اتحاد الكتّاب العرب مع أعضائه والمثقفين السوريين في الداخل والخارج اليوم؟ وما الخطوات الضرورية لاستعادة الثقة وبناء حضور فعّال يجمعهم من جديد؟
هناك رمزية لاتحاد الكتّاب العرب تشكّلت عبر فترة طويلة، وهذه الرمزية كانت تتناوشها ناران: الأولى أنه كان يمثل المثقفين والكتّاب في سوريا، والثانية أنه رمز من رموز السلطة السابقة.
استعادة هذه الرمزية وبناء حضور فعّال يستدعي خطوات متبادلة، فمن جهة، على اتحاد الكتّاب العرب أن يطوّر منظومته القانونية، وآليات الانتساب، ووسائل التواصل. ومن جهة أخرى، على الكتّاب الموجودين خارج الاتحاد أو خارج سوريا أن ينظروا إلى الاتحاد بعيون جديدة، وأن يشاركوا في تطويره وبنائه، وفي تقديم الأفكار لتغيير ما اعتوره من زبد عبر فترة طويلة.
اليوم لا تزال هناك الكثير من التجاذبات التي تأخذ السوريين ذات اليمين وذات الشمال، ولذلك نحن بحاجة جميعًا، كتّابًا وغير كتّاب، أعضاء وغير أعضاء، مثقفين وغير مثقفين، إلى أن نمدّ أيدينا لبعضنا البعض، بحثًا عن نقاط مشتركة للحوار والنقاش. أبواب اتحاد الكتّاب العرب عبر منبركم هذا مفتوحة للتواصل والنقاش والتطوير، ولكل ما يمكن أن يفعّل دوره ويجعله محطة حقيقية للحوار والتلاقي بين المثقفين والكتّاب والسوريين عمومًا
ما الذي يمكن لاتحاد الكتّاب العرب أن يفعله اليوم لضمان حرية الكتابة والإبداع في سوريا الجديدة، وكيف يمكن أن يتحول إلى مساحة حقيقية يكتب فيها الكاتب بلا خوف ويبدع بلا قيود؟
تقتضي الأمانة القول إنه لا يوجد اليوم في سوريا كتاب ممنوع، سوريا اليوم تشكّل مساحة آمنة لحرية الكتابة وحرية الإعلام، لكن هذه الحرية يجب أن تكون مقوننة، لا أن تبقى متروكة بلا ضوابط، بل ضمن آليات واضحة.
وزارة الإعلام لديها اليوم وثيقة شرف يُتوقع صدورها قريبًا، نحن في اتحاد الكتّاب العرب، وأي كاتب من أعضائنا يواجه حالة تتعلق بحرية الكتابة، سواء كان منع كتاب أو استدعاء أو غير ذلك، نقف إلى جانبه متى ما علمنا بذلك ونخاطب الجهات المعنية. حتى هذه اللحظة، لا توجد حالات منع حقيقية. مفهوم المنع بات غير واقعي اليوم، لأن الكاتب عبر الإنترنت يستطيع أن ينشر ما يشاء. المنع أصبح كلمة من الماضي، والسلطة الذكية هي التي تترك المساحات مفتوحة، لكن في الوقت نفسه هناك أخلاقيات والتزامات على الكاتب.
على الكاتب ألا يكون خطابه محرضًا على الكراهية أو عنصريًا أو طائفيًا. هذا يمكن تنظيمه من خلال ميثاق شرف يلتزم به الكتّاب أو الناشرون، بحيث لا يتحول الخطاب الثقافي إلى عبء على المجتمع أو أداة تخريب.
الحرية لا تعني السماح بالإساءة لأي مكوّن اجتماعي أو فكري أو عرقي. من هنا أرى أن حرية الكتابة والإبداع في سوريا اليوم مفتوحة، وكل شخص يستطيع أن يعبّر عما يريد، ضمن حدود عدم الإساءة إلى السوري الآخر.
الرقابة بالشكل القديم انتهت، واتحاد الكتّاب العرب انسحب من هذا الدور، وباتت المخطوطات في عهدة وزارة الإعلام، وبحدود علمي فإن الوزارة منفتحة جدًا، ويكاد لا يُمنع كتاب. وفي حال وجود أفكار أو فقرات تثير أسئلة، يتم التواصل مع الكاتب والحوار معه. كنت شاهدًا على هذه الحوارات، وكانت جلسات ودية وحميمية، وفي بعض الأحيان عدّل الكاتب صفحة أو صفحتين بما لا يثير إشكاليات في المجتمع السوري.
ما الذي تتوقعه رئاسة الاتحاد من المثقف والكاتب السوري اليوم؟ وما الدور الذي يجب أن يقوم به ليكون جزءًا فاعلًا في المرحلة الثقافية الجديدة؟
نحن في اتحاد الكتّاب العرب في صدد الانتهاء من وثيقة سيوقّع عليها أعضاء الاتحاد، تؤكد على ألا يكون الكاتب عامل تخريب في المجتمع السوري، وألا يدعو إلى الحلول العسكرية التي تمس المجتمع وتؤثر على بنية الدولة. نريد من الكاتب أن يكون داعية مواطنة، وداعية ديمقراطية، وداعية مجتمع مدني.
مرجعيتنا الأساسية هي حقوق الإنسان، ورؤى سوريا الجديدة، وتفعيل قيم المواطنة، والانتماء إلى تاريخ هذا البلد. سوريا كانت عبر التاريخ مكانًا لأعراق وأجناس متعددة، ولذلك على المثقف والكاتب السوري اليوم أن يتعالى على الجراح، وأن يدعو إلى المحاسبة والعدالة الانتقالية الثقافية، وأن يبحث عن المشتركات في المجتمع السوري، وعن قيم حقوق الإنسان، وعن رؤى جديدة للدولة المدنية والديمقراطية، وأن يكون داعية خير ووئام وتواصل.
ما ملامح الخطة التي تضعونها للاتحاد في المرحلة القادمة؟ وهل هناك رؤية واضحة لعمل ثقافي منظم يمتد لسنوات؟
نعم، لدينا خطط ومشاريع. أعدنا هيكلة اتحاد الكتّاب العرب من خلال لجنة من الخبراء والقانونيين، وحوّلنا الاتحاد إلى مؤسسة. خلال سنوات طويلة، كان الاتحاد مكانًا لإنتاج الأيديولوجيا وشراء الولاءات. اليوم حوّلنا الاتحاد إلى مؤسسة وفق المعايير العالمية، هذه المؤسسة تقتضي أن يكون هناك مديريات خدمية وفنية، وصلاحيات واضحة، لأن العمل الثقافي لا يمكن أن ينطلق من دون بيت داخلي منظم. هذا العمل استغرق نحو ثلاثة أشهر. إنجاز ذلك هو مرحلة للانتقال إلى الإنتاج الثقافي.
في عام 2026 لدينا مجموعة من الأنشطة العربية والدولية سنفصح عنها لاحقاً، هي ملتقيات دورية، نستضيف فيها كتّابًا عربًا وعالميين، إلى جانب حضور فاعل للكتّاب السوريين.
لدينا أيضًا أفكار وملتقيات حول الكتابة والمنفى، بناء الدولة، سرديات المخيمات، سنعلن عنها تباعًا. تنظيم البيت الداخلي يتيح لنا اليوم القيام بأنشطة نوعية، ناجحة، لها أبعادها الثقافية والإعلامية.
هل لديكم مشاريع محددة لإعادة تنشيط حركة النشر والترجمة، وإتاحة الفرصة للكتّاب الشباب داخل سوريا وخارجها؟
على مستوى النشر، نحن بصدد الانتهاء من ترخيص دار نشر. تاريخيًا، كان النشر في اتحاد الكتّاب العرب قائمًا في جزء كبير منه على شراء الولاءات أو نشر كتب غير صالحة للنشر. اليوم، دار النشر ستعمل وفق شروط السوق، وستكون لديها رؤية واضحة، وستدعم الكتاب المتميز والكاتب الذي يقدّم فكرًا ورؤية، كما ستقوم بترجمة عدد من الكتب من ثقافات أخرى.
بالنسبة للكتّاب الشباب، لدينا مشروعان: إطلاق أكاديمية لتعليم الكتابة ستبدأ دوراتها قريبًا، وتقديم برامج متخصصة في شؤون الكتابة، إضافة إلى جوائز سنعلن عنها في نهاية هذا العام بعد استكمال الترتيبات اللازمة، وبالتالي أي كاتب شاب لديه نص متميز سيجد طريقه إلى اتحاد الكتّاب العرب.
ما الرسالة التي توجهها اليوم للكتّاب السوريين وهم يدخلون مرحلة جديدة من التاريخ الثقافي للبلد؟
لدي قناعة أن الكتّاب السوريين اليوم لا أحد يمنعهم من أداء دورهم، وإن غابوا عن المشهد، سيملؤه آخرون. على الكاتب السوري أن يعلي صوته، ألا يخاف، أن يقول: أنا هنا، وألا يصمت.
مجالات التعبير مفتوحة أمام الجميع، وكل كاتب لديه منصته الخاصة، لم تعد هناك سلطة تمنع التعبير أو تسجن الكاتب بسبب رأيه.
لا دار نشر تتحكم بك، ولا ناشر، ولا إعلام يمنعك، لا حجة اليوم للكاتب السوري للابتعاد عن الفضاء العام.
نحن أمام مرحلة تغيير تاريخية نادرة، وغالبًا ما تفرز هذه المراحل كتّابًا ومفكرين وأصحاب رؤى، من لديه شيء مختلف أو متميز، الباب مفتوح أمامه.
الكرة اليوم في ملعب الكاتب، وعليه أن يقدّم أفكاره ورؤاه الإنسانية لبناء الدولة والمجتمع. النشر الإلكتروني مفتوح ومجاني، فقط قدّم فكرك وتميزك، فالمجال كله مفتوح أمامك.
