تنفّس السوريون الصعداء ليلة 8 ديسمبر/كانون الأول 2024، مع سقوط نظام الأسد البائد ونجاح الثوار في دخول دمشق، بعد معركة استمرت 11 يومًا أذهلت العقول وأثلجت قلوب من أنهكتهم سنوات الفقد والبعد والكد.
بذلك طوت سوريا صفحة مظلمة من تاريخها، وانتهى القتال بمعناه العسكري، لكن معارك أخرى بدأت تتشكّل، لعلّ أبرزها تلك التي تخوضها النساء، فكما تقول الروائية البيلاروسية سفيتلانا ألكسيفيتش: “الرجال يقاتلون في الحرب، أما النساء فيقاتلن بعدها”، إذ تواجه المرأة السورية اليوم إرثًا ثقيلًا خلّفته آلة الحرب الأسدية، من آثار نفسية واجتماعية، إلى معارك قديمة ومتجددة تتعلق بحقوقها الأساسية، وحمايتها من العنف الأسري، ومكانتها في المجتمع، وفرص مشاركتها في صنع القرار في بلد تمثّل النساء فيه نحو 60% من مكوّناته.
وعلى الرغم من الآمال التي عُقدت على الحكومة السورية الجديدة، بعد عقود عاشت فيها السوريات تحت نظام سوّق لنفسه كراعٍ لحقوق المرأة، بينما مارس بحقّها الاعتقال والتعذيب والاغتصاب لمجرد مطالبتها بالحرية، فإن الجدل يتصاعد بعد عام على التحرير حول موقع ملف حقوق المرأة في سلّم أولويات المرحلة الجديدة، ما يجعل الحديث عن مستقبل المرأة السورية وما الذي تحتاجه كي يصبح مستقبلها مشرقًا من الأمور الملحة، نحاول في هذا التقرير بحث ذلك بدءًا من سرد واقعهن المظلم في عهد الأسد باعتباره مدخلًا لفهم التحديات الراهنة.
المرأة السورية في عهد الأسدين
بدأت المرأة السورية بلعب دور نهضوي منذ فترة الانتداب الفرنسي، واستمرّ ذلك بعد الاستقلال عام 1945، ولم تمضِ سوى سنوات قليلة حتى حصلت على حقّي الترشّح والانتخاب. وبلغ نشاط الحراك النسوي أوجه في ستينيات القرن الماضي، غير أنّ هذا الزخم ما لبث أن تراجع مع الانقلاب الذي أجراه حافظ الأسد عام 1970، إذ جرى تقييد أي نشاط نسوي لا يخدم أجندة السلطة.
عمل الأسد على استخدام المرأة أداةً لترسيخ حكمه، عبر سعيه إلى ربط جميع المؤسسات المعنية بالمرأة بالدولة والحزب، ما جعل أدوار النساء في المجال العام مرتبطة بالهيكل الحزبي، وغير معبّرة عن تمثيل مستقلّ للمرأة في المجتمع.
ولعلّ أبرز مثال على ذلك الاتحاد العام النسائي، الذي تأسس عام 1967، لكنه تحوّل في عهد الأسد إلى منظمة شكلية، لا تملك حق الاعتراض على أي قرار تتخذه السلطة. فبينما كانت مهمته المعلنة مناصرة قضايا المرأة، أصبحت مهمته الفعلية الدفاع عن النظام وتبرير قراراته، بل وتجاوز ذلك إلى منع والتضييق على أي نشاط نسوي مدني مستقل يمكن أن يناصر حقوق المرأة، استنادًا إلى الصلاحيات الواسعة التي منحها له النظام.

ورغم السماح بدخول المرأة إلى البرلمان بنسبة مشاركة بلغت نحو 12%، وارتفاع نسب التحاقها بالتعليم، بالتوازي مع انخراطها في مجالات الطب والهندسة والتعليم والسلكين الدبلوماسي والعسكري، فإن هذا الحضور ظلّ شكليًا إلى حدّ بعيد، إذ لم يكن سوى جزء من دعاية رسمية تحت عنوان “تحرير المرأة” ومحاربة “التخلّف”، الذي اختزله الأسد بالحجاب، حتى وصل الأمر إلى تنفيذ حملة عنيفة لنزع حجاب الفتيات في حادثة “دورية تشرين” الشهيرة عام 1981.
وبعد عام واحد فقط، ارتكب نظام حافظ الأسد في مدينة حماة إحدى أبشع مجازر العصر الحديث، على يد قواته بقيادة شقيقه رفعت الأسد، قُتلت خلالها مئات السوريات الأبرياء بدمٍ بارد، في ذروة استخدام العنف الممنهج لقمع المجتمع، نساءً ورجالًا.
أما في عهد ابنه بشار الأسد، فلم يتغير واقع المرأة السورية إلا نحو الأسوأ؛ إذ لم يرث الحكم فحسب، بل ورث معه منهجية كاملة قائمة على الديكتاتورية والتمسك بالسلطة، ولو كان ثمن ذلك سفك دماء السوريين وتدمير البلاد، لذا عندما انطلقت الثورة السورية عام 2011 – التي كان للمرأة فيها دور محوري وفاعل- لم يتردد في قمعها وشن حرب مفتوحة ضد السوريين استمرت 14 عامًا.
وقد أدّت هذه الحرب إلى تفاقم معاناة المرأة السورية التي كانت تعيش أصلًا في بيئة تكرّس التمييز بينها وبين الرجال بفعل قوانين مجحفة وعادات وتقاليد تمييزية، ما عرّض النساء والفتيات لمزيد من العنف والنزوح والانتهاكات، فضلًا عن استمرار القوانين التي تحد من حقوقهن، وذلك وفق تقارير هيومن رايتس ووتش.
وخلال هذه السنوات، تعرّضت السوريات لشتى أنواع الانتهاكات على يد نظام الأسد؛ إذ وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل 22,123 امرأة على يد قواته، واعتقال نحو 8,501 امرأة في ظروف وُصفت بأنها أشبه بالجحيم، أودت بحياة 118 امرأة تحت التعذيب، إلى جانب ارتكاب جرائم عنف جنسي رُصد منها 8,034 حالة.
وتؤكد الشبكة أن النظام تعمّد استهداف النساء بناءً على خلفيات متعددة، شملت الجندر والطائفة والانتماء المناطقي، إضافة إلى أدوارهن في الأنشطة المدنية والإعلامية والحقوقية، ومشاركتهن في التظاهرات السلمية والجهود الإنسانية.
لم تنجُ المرأة السورية، أياً كان وضعها، من بطش الأسد؛ فإن لم تُقتل اعتُقلت، وإن لم تُعتقل أُجبرت على الهرب لاجئةً بحثًا عن مأوى في بلدان اللجوء أو في مخيمات تعصف بها رياح الشتاء وتحرقها شمس الصيف، فضلًا عن عشرات آلاف الأرامل اللواتي وجدن أنفسهن مضطرات لإعالة أسرهن وتحمل أعباء الحياة كاملة في ظل غياب أي حماية أو دعم حقيقي.
القانون السوري: أساس الإنصاف أم أداة التمييز؟
سقوط النظام البائد مثل بداية انفراجة للمرأة المهمّشة وأحيا أملها من جديد بأن تحصل على حقوقها كاملة وأن ينصفها دستور بلادها الجديد حين يخذلها المجتمع الذي اعتاد على ذلك، لكن هنا يكمن السؤال فهل القانون السوري بشكله الحالي يقف إلى جانبها فعلًا؟
تجيب عن هذا السؤال المحامية ديما الموسى في حديثها لـ”نون بوست”، بالنفي القاطع، قائلةً: “القانون السوري بشكله الحالي لا ينصف المرأة السورية، حيث يحتوي على مواد تمييزية في الكثير من القوانين”، مؤكدة أن ذلك يخالف مادة في الدستور السابق وكذلك في الإعلان الدستوري الحالي، التي تنص على أن المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، من دون تمييز بينهم على أساس عدد من الأمور، من بينها الجنس.
ولعلّ أبرز هذه القوانين التي كرّست التمييز بين المرأة والرجل في سوريا عبر عقود:
- قانون الجنسية: لا يحق للمرأة السورية المتزوجة من أجنبي منح الجنسية لأبناءها
- حق التنقل: يحق للزوج بأن يتقدم بطلب خطي لإدارة الهجرة والجوزات لمنع سفر زوجته
- التمييز في الوصاية والولاية: الأب والفروع والأصول من الدرجة الرابعة من طرف الأب هم أصحاب الولاية والوصاية على الأطفال وليست الأم.
- قانون العقوبات: بعض الجرائم هناك تمييز في العقوبات للمرأة والرجل حتى في الجريمة نفسها التي يكون فيها الطرفان امرأة ورجل.
تضرب القوانين السابقة المرأة في صميم حياتها، وكأنها رسالة مفادها أنها مواطنة من الدرجة الثانية لا يحق لها ما يحق للرجل، وهنا تشير المحامية الموسى، أن هذا يجعلها أيضًا في موقع ضعف دائماً في العلاقة الزوجية، حيث تواجه تهديدًا دائماً بفقدان كل شيء في حال الطلاق، بما في ذلك حرمانها من أطفالها.
ويولّد هذا الواقع شعورًا لدى المرأة بأن قدرتها منقوصة على أن تكون شريكًا بالمناصفة مع الرجل في العلاقة الزوجية، كما تُفرض عليها أمور لا ترغب بها بالضرورة، وتحذّر الموسى من أن بعض النساء قد يتقبّلن العنف الأسري دون التقدّم بأي شكوى، إذ يمكن أن تكون الخطوة التالية بسهولة أن يطلّقها الزوج، لتجد نفسها بلا مأوى، والأسوأ من ذلك، محرومة من أطفالها.
ولا تكمن الإشكالية في احتواء القانون السوري على مواد تمييزية فحسب، بل بخلوه من قوانين جوهرية تخص حقوق المرأة مثل عدم وجود قوانين تمنع العنف الأسري أو الاغتصاب الزوجي كما تلفت الموسى، يضاف إلى ما سبق غياب آليات حماية للنساء في حال كان القانون لصالحها، لكنها قد لا تستطيع الانتفاع منه بسبب الخوف على نفسها من الانتقام، بالأخص من أفراد من عائلتها.
هذا الفراغ القانوني بدوره ساهم في تفاقم ظاهرة العنف القائم على النوع الاجتماعي في اتجاهين متوازيين بحسب دراسة قانونية أجراها المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، الأول: عنف السلطة وهي الانتهاكات التي كان النظام البائد يرتكبها بحق النساء بهدف الترويع والإذلال، وتتنوع بين التحرش على الحواجز والابتزاز عبر اعتقالهن لإجبار أزواجهن على تسليم أنفسهم، عدا عن حالات الاغتصاب الجماعي التي وثقتها منظمات دولية.
أما الاتجاه الثاني فهو عنف مجتمعي وهيكلي مستمر يمتد إلى الموروثات الاجتماعية السورية التي تطبّع العنف ضد المرأة باعتبارها إحدى الآليات الاجتماعية الحاسمة التي تضطر المرأة بموجبها إلى الخضوع بالمقارنة مع الرجل.
كل ما سبق يجعل من إلغاء القوانين التمييزية وتشريع قوانين تمنع العنف الأسري ضرورة ملحّة في سوريا الجديدة التي تتطلع إليها السوريات، وتؤكد الموسى، أن هناك خطوات إضافية يجب أن تتخذها الحكومة السورية لتحقيق الإنصاف وليس فقط المساواة، مشيرة إلى أن تحقيق الإنصاف هو لصالح المرأة والرجل، باعتبار أن المساواة في النص القانوني قد لا تكون كافية للوصول إلى المساواة الحقيقية.
كما يمكن الدفع باتجاه إلغاء التحفظات التي وضعتها حكومة النظام البائد عند انضمامها إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو”، والتي يمكن على أساسها العمل على الدفع باتجاه تغيير بعض المواد التمييزية في قوانين الأحوال الشخصية، خصوصًا تلك المتعلقة بالولاية والوصاية والحضانة.
التعميم 17 أعاد حصر الولاية على سفر الأطفال دون 15 عامًا بالعَصَبة الذكورية، وألغى هامش المرونة القضائية الذي كان يسمح بمنح الأم صلاحيات استثنائية
التعميم 17: ما الذي يغيّره فعليًا في وصاية الأطفال بسوريا؟https://t.co/g9cAD9y1hH
مقال لـ: @ReemAouir
— نون بوست (@NoonPost) December 29, 2025
وكانت سوريا قد صادقت على الانضمام إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة “سيداو” في أيلول 2002 مع إبداء عدة تحفظات أبرزها:
- المادة 2 كاملة: التي تتضمن تجسيد مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في الدساتير الوطنية والتشريعات والقوانين، وضمان الحماية القانونية لها من أي فعل تمييزي والعمل على تبديل القوانين والأنظمة والأعراف بما يتناسب مع ذلك.
- المادة 9 فقرة 2 المتعلقة بمنح المرأة حقا مساويا للرجل في منح جنسيتها لأطفالها.
- المادة 15 فقرة 4: التي تمنح المرأة حقًا مساويًا للرجل بحرية الحركة والتنقل واختيار أماكن السكن.
ويجمع حقوقيون على أن هذه التحفظات تمثل جوهر الاتفاقية وسبب وجودها الرئيسي، ما يجعل الانضمام إلى الاتفاقية مجرد إجراء رمزي لا يعبّر عن جدية تنفيذ الغاية منها.
المرأة وصنع القرار.. شبه غياب وتمثيل ناقص
لا يمكن تصوّر تشريعات تُنصف المرأة بصورة كاملة من دون النظر إلى حجم حضورها في مواقع صنع القرار، إذ إن سنّ القوانين غالبًا ما يبقى حكرًا على الرجال، ويظهر ذلك جليًا في واقع التمثيل السياسي للمرأة السورية، حيث لم تتجاوز نسبتها في البرلمان السوري تاريخيًا 12%، ولم تتولَّ منذ عام 1976 أي حقيبة وزارية سيادية.
هذا الخلل لم يكن حكرًا على مرحلة ما قبل التحرير، إذ استمر حتى بعد سقوط نظام الأسد البائد، ورغم انفتاح المناخ السياسي في بيئة يُفترض أنها تتيح حرية العمل السياسي، فقد أظهرت نتائج أول انتخابات برلمانية بعد التحرير، التي أُجريت في أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي، شبه غياب للمرأة عن المجلس الجديد، إذ لم تحصل النساء سوى على 4% من إجمالي المقاعد، رغم أن نسبة المرشحات بلغت 14%.
وفيما تعهّد الرئيس أحمد الشرع بمعالجة هذا الخلل المتعلق بتمثيل النساء، ممازحًا بالقول: “مجتمعنا ذكوري ما بده نساء بالمجلس”، أكد المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات أن هذه النتائج تعكس الواقع الاجتماعي أكثر مما تعبّر عن توجه مؤسساتي إقصائي، مشددًا على عدم وجود معايير تستبعد النساء من العملية الانتخابية، غير أن هذه التصريحات لم تبدد التساؤلات المتزايدة حول مدى إتاحة المساحة السياسية للمرأة، ومنحها فرصة حقيقية لتمثيل السوريات في سوريا ما بعد الأسد.
رئيس اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب محمد طه الأحمد:
📌 أُغلق باب الترشح لعضوية مجلس الشعب على مستوى الدوائر الخمسين في عموم سوريا، بعدد بلغ 1578 مرشحًا، بينهم 14% من النساء.
📌 تبدأ الدعاية الانتخابية اعتبارًا من صباح اليوم وتنتهي مساء الجمعة القادم، على أن يكون السبت يوم… pic.twitter.com/j6IzVXc9ph
— نون سوريا (@NoonPostSY) September 29, 2025
وفي محاولة لفهم أسباب هذا التراجع، تشير الباحثة المتخصصة في العلاقات الدولية وقضايا المرأة، الدكتورة نجوى الصافي، في حديث لـ”نون بوست”، إلى أنه بعد رصدها للمناخ السياسي في مدينة إدلب عقب التحرير، تبيّن لها أن الفعاليات الحكومية تدعو وتشجع انخراط النساء في العمل السياسي، إلا أن محدودية حضورهن، واقتصاره غالبًا على العمل الدعوي والإغاثي والاجتماعي، يعود إلى مجموعة من العوامل المتداخلة.
وتُرجع صافي هذا الواقع إلى ضعف الوعي السياسي لدى شريحة واسعة من النساء بطبيعة العمل السياسي وأهميته في التأثير وصنع القرار، إلى جانب استمرار النظرة المجتمعية المتحفظة تجاه مشاركة المرأة في هذا المجال، وما يرافقها من تراجع ثقة بعض النساء بقدراتهن على خوض التجربة السياسية.
كما تشير إلى قلة، بل وندرة، الكوادر النسائية المؤهلة سياسيًا نتيجة محدودية فرص التدريب والتأهيل خلال السنوات الماضية، فضلًا عن الخلط الشائع بين المشاركة السياسية للمرأة والخطاب النسوي، الأمر الذي يثير حساسيات اجتماعية ويحدّ من انخراط النساء في العمل العام.
وتعزو الدكتورة نجوى صافي قلة تمثيل المرأة في المجلس الجديد إلى هذه الأسباب ذاتها، مؤكدة أن إدماج النساء في مؤسسات الدولة لا يمكن أن يبقى في إطار رمزي، وترى أن تحقيق مشاركة فاعلة يتطلب من الحكومة السورية إطلاق حملات توعية مجتمعية تستهدف الرجال قبل النساء، لتسليط الضوء على أهمية الدور السياسي للمرأة في بناء المجتمع والدولة، إلى جانب العمل على تأهيل الكوادر النسائية سياسيًا على مختلف المستويات الأكاديمية، وتشجيعها على الانخراط في الفعاليات السياسية المتنوعة.
في المقابل، ترى كيندا عمارين، المسؤولة في وزارة الطوارئ، أنه على الرغم من أن وجود المرأة اليوم أوسع في الشؤون العامة مقارنة بالماضي، إلا أن الفجوة بين الجنسين تصبح واضحة بشكل لافت للنظر عندما يتعلق الأمر بالأدوار القيادية أو المناصب التنفيذية الرئيسية.
وتضيف: “لا يزال التوظيف يبدو رمزياً في كثير من الأحيان، قد يكون هناك العديد من النساء في مؤسسات الدولة، لكنهن نادراً ما يحصلن على فرص متساوية للمشاركة في صنع القرار أو تشكيل السياسة العامة”.
لكن للصحافية منار شربجي التي تحدثت لـ”نون بوست”، رأي آخر، فهي ترى أنه غالبًا ما يتم اختزال مفهوم “إشراك النساء” بالحياة السياسية وجودهن ويعمّق تهميشهن كونه يفترض أنهن غير فاعلات في الشأن العام أو بتشكيل سياسات البلاد، إنما المشكلة الأساسية تكمن بغيابهن عن المناصب الرسمية ما يتطلب فرض كوتا نسائية في المجالس الحكومية.
ورغم أن الكوتا قد تعزز من فرص وصولهن إلى المستويات الرسمية إلّا أنها ليست كافية لتطبيع ممارسة النساء العملية السياسية، بل يتطلب ذلك جهودًا مجتمعية لكسر التنميط وأخرى حكومية لمنح النساء حقوقهن المدنية وتعزيز وصولهن إلى فرص العمل وضمان المساواة وحماية حقوق النساء في سوق العمل.
التمكين الاقتصادي.. شرط الاستقلال والاستدامة
على الضفة الأخرى لا يكتمل الحديث عن إنصاف المرأة وتعزيز فرصها السياسية دون تمكينها اقتصاديًا خاصة وأنها أكثر من دفعت ثمنًا خلال 14 عامًا من الحرب، كفتاة وكزوجة وكأم، ما دفعهن إلى تحمّل أعباء معيشية مضاعفة في ظل غياب شبكات حماية اجتماعية كافية، وقيود قانونية ومجتمعية حدّت من فرص وصولهن إلى العمل اللائق والدخل المستقر.
يتجلى ذلك في الواقع الاقتصادي للمرأة، فبلغت مشاركتهن في قوة العمل في سوريا عام 2024 حوالي 13.3٪ فقط مقارنة مع 62.8% للرجال، مما يعكس فجوة كبيرة في دخول سوق العمل، كما بلغ معدل البطالة بين النساء 24.65% أعلى من معظم البلدان وفق تقديرات منظمة العمل الدولية، ما يعبّر عن إقصاء وتهميش واضح.

يزداد المشهد الاقتصادي قتامة بالنظر إلى ما خلفته آلة الحرب الأسدية، إذ تشير تقارير إنسانية أن 8.3 مليون امرأة وفتاة في سوريا يحتجن إلى مساعدة إنسانية عاجلة، مع تراجع قدرتهن على الوصول الآمن لهذه المساعدات مقارنة بالرجال لتتحول معيشتهم اليومية إلى كفاح يومي لتأمين لقمة العيش.
وتبرز النساء المعيلات اللواتي وجدن أنفسهن مسؤولات عن عائلة بأكملها كالأكثر هشاشة اقتصاديًا اليوم ولا سيمّا زوجات وأمهات وبنات الشهداء والمفقودين والمغيبين، حيث تعجز الأسر التي تعيلها نساء عن تلبية احتياجاتها الأساسية بمعدل ضعف الأسر التي يعيلها رجال، فعلى سبيل المثال أظهرت إحصائية أممية أن 92% من النساء اللواتي يترأسن عائلات في المخيمات يعجزن بشكل مطلق على تأمين مستلزمات عوائلهن الأساسية.
ولعله من الشريحة الأكثر تهميشًا يجب أن تبدأ جهود تمكين المرأة الاقتصادية، كما ترى شربجي التي أكدت “قدمت زوجات وبنات وأمهات الشهداء والمعتقلين والمغيبين تضحيات لم تكن الثورة لتنتصر من دونها، لذا تحقيق العدالة لهن من أولويات المرحلة الانتقالية”.
ولا يكمن إنصافهن فقط من جهة كشف مصير أحبائهن ومحاسبة المتورطين فحسب، بل يتعين على الحكومة خلق برامج تعويض ودعم لعوائل المفقودين كتأمين فرص عمل وبدل معيشي، وتأمينهم صحيًا وحجز مقاعد دراسية لأبنائهن، وفق شربجي.
من جهتها تستعرض الحركة السياسية النسوية السورية في رؤيتها حول إعادة بناء الاقتصاد، عدة مسارات يمكن للحكومة السورية من خلالها تمكين المرأة اقتصاديًا، أبرزها:
1- الإصلاح القانوني والتشريعي: ويكون عبر أولاً، تعديل القوانين التمييزية التي تعيق مشاركة المرأة، مثل قوانين الأحوال الشخصية، وقوانين العمل، بما يتوافق مع معايير حقوق الإنسان وثانيًا حماية حقوق الملكية والسكن بمراجعة القوانين العقارية الضمان حقوق النساء في السكن والملكية، ومنع مصادرة العقارات بذرائع قانونية تعسفية، ومعالجة حساسية النوع الاجتماعي في حرمان النساء من ممتلكاتهن.
2- الدعم الاقتصادي المباشر وريادة الأعمال: من خلال توفير فرص عمل مستدامة كإطلاق برامج مخصصة لتطوير الوظائف للنساء، ودعم المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر والتعاونيات المجتمعية، بالإضافة إلى توفير برامج تدعم ريادة الأعمال النسائية ودعم الصناعات المحلية والحرف التقليدية، فضلًا عن توفير أجور تتماشى مع تكاليف المعيشة المرتفعة.
3- المشاركة في صنع القرار: ويتحقق بحصول المرأة على التمثيل العادل في الحكومة وضمان حصة للنساء لا تقل عن 30-50% في كافة الهيئات المسؤولة، وبإدماجها في كل مرحلة من مراحل إعادة الإعمار من التخطيط إلى التقييم لمعالجة الآثار غير المتناسبة للنزاع على النساء.
4- توفير بيئة أمنية واجتماعية محفزة: بوضع استراتيجية أمنية فعالة للحد من ظاهر العنف تجاه النساء والتصدي للممارسات التي تفرض قيوداً على المرأة بالإضافة إلى الاستفادة من المعرفة العلمية والخبرات العملية التي تمتلكها النساء السوريات في كافة المجالات بدلاً من تهميشهن.
وربما لا يمكن أن أختم بأبلغ من الاقتباس التالي من كتاب “التخلف الاجتماعي” لكاتبه المفكر مصطفى حجازي: “لا يُمْكِنُ للرجل أن يتحرر إلا بتحرر المرأة، ولا يمكن للمجتمع أن يرتقي إلا بتحرر وارتقاء أكثر فئاته غُبنًا، فالارتقاء إما أن يكون جماعيًا عاماً، أو هو مجرد مظاهر وأوهام”.
