في الثاني من يناير/كانون الثاني الجاري، وفي خطوة أحادية الجانب، أعلن رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي في اليمن، عيدروس الزبيدي، ما سمّاه “الإعلان الدستوري”، متضمنًا تصورًا لمرحلة انتقالية تنتهي بإجراء استفتاء شعبي حول قيام دولة الجنوب.
غير أن المشهد لم يلبث أن انقلب رأسًا على عقب، بعد أيام قليلة، إذ أعلن المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية في اليمن، اللواء تركي المالكي، صباح الأربعاء السابع من الشهر ذاته، أن الزبيدي غادر إلى جهة غير معلومة – تبيّن لاحقًا أنها دولة الإمارات – متخلفًا عن مرافقة وفد المجلس المتجه إلى الرياض للمشاركة في مشاورات تتعلق بالقضية الجنوبية.
وفي تطور أكثر دراماتيكية، أعلن الأمين العام للمجلس الانتقالي الجنوبي، عبد الرحمن الصبيحي، ظهر الجمعة التاسع من الشهر نفسه، ومن داخل العاصمة السعودية الرياض، حلّ المجلس بكافة هيئاته وأجهزته الرئيسية والفرعية، وإلغاء جميع مكاتبه في الداخل والخارج، مؤكدًا أن العمل على تحقيق “الهدف الجنوبي” سيجري من خلال الإعداد لمؤتمر جنوبي شامل برعاية المملكة.
أسبوع واحد يفصل بين إعلان أول خطوة رسمية باتجاه الانفصال وبين قرار حلّ الكيان ذاته، في مفاجأة تجاوزت حسابات الجميع، وفتحت الباب واسعًا أمام سيل من التساؤلات حول دلالات هذه التحولات السريعة، ودوافعها الحقيقية، وما يمكن أن تفضي إليه من انعكاسات على المستويين اليمني والإقليمي.
انقسام حول الحلّ
رغم أن قرار إعلان حلّ المجلس صدر بمشاركة قيادات وازنة داخله، في مقدمتهم نائبا رئيس المجلس عبد الرحمن المحرمي وأحمد سعيد بن بريك، إلى جانب الأمين العام لهيئة رئاسة المجلس عبد الرحمن الصبيحي، ورغم ترحيب مجلس الشورى اليمني، في بيان رسمي، بإعلان الحل وما تضمنه من توجه نحو العمل والتهيئة لانعقاد مؤتمر جنوبي شامل برعاية المملكة، فإن هذا القرار لم يحظَ بإجماع داخل أوساط المجلس، حيث واجه تشكيكًا واسعًا من معسكر الزبيدي في مدى صحته وشرعيته.
فقد نفى المتحدث باسم الانتقالي، أنور التميمي، المقيم حاليًا في الإمارات، صحة إعلان الحل، مؤكدًا أن أي قرارات مصيرية تتعلق بالمجلس لا يمكن اتخاذها إلا عبر مؤسساته الكاملة وبرئاسة رئيسه، موضحًا في منشور على صفحته في موقع فيسبوك، أن البت في مثل هذه القرارات سيتم “فور الإفراج عن وفد المجلس الانتقالي الجنوبي الموجود في الرياض”.
وفي السياق ذاته، اعتبر نائب رئيس هيئة رئاسة المجلس، هاني بن بريك، في منشور له على منصة “إكس”، أن ما يجري “مهزلة سياسية يشهدها العالم”، مضيفًا أن الإكراه “موجب للعذر حتى في قول كلمة الكفر، فكيف بما هو دون ذلك من إعلان قرار سياسي تحت الضغط والإكراه لفريق من المجلس الانتقالي المكبّل بقيود الإقامة الجبرية”، على حد تعبيره.
تزامن ذلك مع صدور بيانات ومواقف رافضة لإعلان الحل من هيئات تنفيذية تابعة للمجلس في عدد من المحافظات، من بينها الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي في محافظتي الضالع وشبوة، في مؤشر على عمق الانقسام الذي أحدثه القرار داخل بنية المجلس وقواعده التنظيمية.
طي صفحة الانتقالي
بهذه الخطوة، وبصرف النظر عن حالة الانقسام التي أحاطت بها، تُطوى إلى حدٍّ بعيد صفحة المجلس الانتقالي الجنوبي، وفصله من المشهد السياسي اليمني، بعد أن نجح، منذ تأسيسه في مايو/أيار 2017، في فرض نفسه لاعبًا رئيسيًا ومؤثرًا في معادلات الواقع، مستندًا إلى القوة العسكرية وفرض الوقائع على الأرض.
وفي أول مؤشر رمزي على هذا التحول، رُفع علم الجمهورية اليمنية الموحدة على سارية مطار عدن الدولي للمرة الأولى منذ نحو عشرة أعوام، بعد أن ظلّ العلم الذي رفعه المجلس الانتقالي، علم جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، مهيمنًا على المطار منذ عام 2015.
وعلى الصعيدين السياسي والعسكري، توحي التطورات المتسارعة بقرب استكمال فرض حضور القوات الموالية للشرعية على مجمل الجغرافيا الجنوبية، إذ يُتوقع أن تعلن قوات “درع الوطن” سيطرتها على محافظتي لحج، المحاذية لعدن غربًا، وأبين شرقًا، على أن تبقى مسألة بسط السيطرة على محافظة الضالع – مسقط رأس عيدروس الزبيدي ومعظم قيادات مجلسه – مسألة وقت لا أكثر.
السعودية بديلًا للإمارات في الجنوب
لم يأتِ إعلان حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي من قلب العاصمة السعودية الرياض بوصفه مصادفة عابرة، بل بدا خطوة محسوبة بعناية، تنطوي على قدرٍ عالٍ من الرمزية السياسية، وتحمل رسائل مباشرة وواضحة إلى الداخل اليمني، كما إلى المحيط الإقليمي على حدٍّ سواء.
وفي دلالاتها الأوسع، تعكس هذه التحولات توجّهًا نحو إبعادٍ رسمي – ولو في حدّه السياسي الأدنى – لدور أبوظبي عن الساحة اليمنية، ولا سيما بعد انسحابها العسكري التزامًا بطلب المجلس الرئاسي، في خطوة حظيت بدعم سياسي واضح من السعودية.
غير أن ذلك لا يعني بالضرورة إخراج الإمارات من المشهد اليمني بصورة كاملة؛ إذ لا تزال بعض الكيانات المحسوبة عليها فاعلة، كما يقيم عدد من قياداتها في الإمارات، وفي مقدمتهم المتحدث باسم المجلس الانتقالي أنور التميمي، فضلًا عن استمرار وجود تشكيلات مسلحة موالية لها في بعض مناطق الجنوب.
في المقابل، تكرّس المملكة، في ظل هذه التطورات، موقعها بوصفها الفاعل الأبرز في إدارة المشهد الجنوبي، أو على الأقل في التحكم بمعظم مكوناته السياسية والعسكرية، ساعيةً إلى إعادة رسم خارطة القوة والنفوذ في الجنوب بما ينسجم مع رؤيتها الاستراتيجية وسرديتها القائمة على حماية أمنها القومي، ومنع تشكّل أي تهديد محتمل من الخاصرة الجنوبية.
الشارع.. اللغم الأكثر قلقًا
يبدو أن هاجس القلق الأبرز داخل معسكر الزبيدي يتجاوز الأبعاد السياسية والعسكرية التقليدية، ليطال ملفًا أكثر حساسية يتمثل في مصير الثروات التي جرى تحصيلها خلال السنوات الماضية، فقد بسط المجلس الانتقالي نفوذه على إيرادات مدينة عدن وعدد من محافظات الجنوب، ولا سيما الموارد النفطية والتعدينية، في ظل اتهامات واسعة بالفساد، وهو ما يجعل سيناريو الخروج السلس والسريع من المشهد مسألة محفوفة بالشكوك والارتياب.
وانطلاقًا من ذلك، يعوّل هذا التيار على تحريك الشارع الجنوبي بوصفه الورقة المتاحة للرهان عليها حاليًا لاستعادة شيء من التوازن المفقود، وفي هذا السياق أشار المتحدث باسم المجلس الانتقالي، المقيم في الإمارات، إلى أن الجمعية الوطنية الجنوبية دعت، عبر بيانات نُشرت على حساباتها في مواقع التواصل الاجتماعي، إلى تنظيم “مليونية” السبت 10 يناير/كانون الثاني الجاري، معتبرًا أن الشارع “سيعبّر عن نفسه تلقائيًا”، مؤكدًا أن ما أسماه “التعبير العفوي” متروك للجماهير، أما التعبير السياسي فسيعبر عنه المجلس الانتقالي وكافة القوى الجنوبية الملتزمة بقضية شعب الجنوب.
ويثير هذا التخارج السريع للمجلس، وبهذه الكيفية المفاجئة، مخاوف واسعة في أوساط المراقبين، إذ تتصاعد الشكوك حول النوايا الحقيقية لقياداته، ولدور أبوظبي من خلفها، فبينما يبدو المشهد في ظاهره استجابة مباشرة لمطالب الرياض ومحاولة لاحتواء غضبها، تبرز في العمق احتمالات الانزلاق نحو مرحلة جديدة من الفوضى، قد تتشكل هذه المرة خارج الأطر التنظيمية للمجلس ذاته، مع انتقال مركز الثقل إلى الشارع الجنوبي بوصفه ساحة الصراع المقبلة.
وفي مثل هذا السيناريو، تتراجع إمكانية تحميل المسؤولية المباشرة للمجلس أو للإمارات، لتتحول المسألة في جوهرها إلى مواجهة بين إرادة الشارع الجنوبي وإصرار السعودية، ومعها القوات المدعومة منها، على فرض معادلات جديدة في الجنوب، بما قد يدفع مسار الأحداث نحو منحنى مختلف وأكثر تعقيدًا.
قضية الجنوب نحو مسار جديد
في ضوء تلك المؤشرات يمكن القول إن السعودية نجحت، إلى حدٍّ بعيد، في تبديد القلق الناجم عن اختزال القضية الجنوبية في كيانات محددة، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، بعدما تمكنت من تفكيك هذا الكيان بوصفه اللاعب الأبرز والأكثر حضورًا وتأثيرًا في المشهد.
ويكتسب هذا التطور أهميته من كون المجلس كان يمثل، من وجهة النظر السعودية، تهديدًا مباشرًا مرتبطًا بالدعم الإماراتي له، وبأجندة أبوظبي في الجنوب، القائمة على الدفع نحو مشروع انفصالي صيغ وفق مقاس المصالح الإماراتية، دون اعتبار كافٍ للحسابات الأمنية والاستراتيجية للمملكة.
غير أن الرياض تدرك في الوقت ذاته أن تفكيك المجلس الانتقالي لا يعني بالضرورة تبريد حالة الاحتقان في الجنوب، فهناك إرادة شعبية ورغبة واسعة لدى ملايين الجنوبيين لا يمكن تجاوزها أو القفز عليها، ومن هذا المنطلق، تسعى إلى استمالة الشارع الجنوبي عبر التأكيد على حرصها على الاستجابة لمطالبه، وتجنب أي صدام مباشر معه، في محاولة لإعادة توجيه الزخم الشعبي نحو مسار سياسي جديد.
أصبح لقضية الجنوب مسار حقيقي ترعاه المملكة ويدعمه ويؤيده المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض، الذي نسعى من خلاله لجمع إخوتنا أبناء الجنوب؛ لإيجاد تصور شامل للحلول العادلة بما يلبي إرادتهم وتطلعاتهم.
— Khalid bin Salman خالد بن سلمان (@kbsalsaud) January 9, 2026
ويأتي هذا التوجه واضحًا في التصريحات التي أدلى بها وزير الدفاع السعودي، الأمير خالد بن سلمان، في منشور له على منصة “إكس”، حيث وصف قرار القيادات والشخصيات الجنوبية بحل المجلس الانتقالي بأنه “قرار شجاع”، يعكس حرصًا حقيقيًا على مستقبل القضية الجنوبية، ويمثل خطوة مشجعة نحو إشراك مختلف مكونات الجنوب في مؤتمر الرياض، بما يخدم قضيتهم على نحو أوسع وأكثر شمولًا.
وأكد وزير الدفاع السعودي أن قضية الجنوب “أصبح لها مسار حقيقي ترعاه المملكة، ويحظى بدعم وتأييد المجتمع الدولي عبر مؤتمر الرياض”، موضحًا أن الهدف من هذا المسار يتمثل في جمع أبناء الجنوب على طاولة واحدة، للخروج برؤية شاملة وحلول عادلة تلبي إرادتهم وتطلعاتهم.
في المحصلة، وعلى الرغم من حالة التهدئة النسبية التي فرضها التدخل السعودي، سياسيًا عبر تفكيك المجلس الانتقالي، وعسكريًا من خلال ما تحقق من مكاسب ميدانية عبر القوات الحكومية والموالية لها، فإن الساحة اليمنية لا تزال مفتوحة على مختلف الاحتمالات، فمخاطر انتقال التوتر من إطار الكيانات والتنظيمات السياسية إلى فضاء الشارع تظل قائمة، وحينها ستتغير طبيعة المواجهة، وتتبدل أدواتها، لتغدو السيناريوهات كافة مطروحة على طاولة الاحتمالات، دون استثناء.
