تلو العملية العسكرية الصادمة التي قادها ترامب في الثالث من يناير العام الجاري على الأراضي الفينزويلية والتي أدت لاختطاف الرئيس الفينزويلي نيكولاس مادوروتحت مسمى “عملية العزم المطلق”، أسقطت وكالات الاعلام الرسمي في الولايات المتحدة بيدها؛ فمن الصدمة الأولى بالتغطية العشوائية العمياء إلى تحضير وتنفيذ خط تحريري يتخذ من الأحداث الجسيمة موقفاً واضح المعالم.
تقول التغطية الاعلامية للوكالات الرسمية الكثير حول الاصطفاف الرسمي والموقف الأمريكي المعلن من العملية العسكرية من جهة والدور الذي يلعبه الاعلام الرسمي في إعادة رسم وتقديم الأحداث للمشاهد والمتابع الأمريكي العادي الذي يجتاحه القلق مع بدايات العام الساخنة من تغيرات جمّة قد تطال نواحي حياته اليومية.
فما هي الخطوط التحريرية الرئيسية لوكالات الاعلام الرسمية في الولايات المتحدة؟ كيف غطّت الهجوم؟ وكيف عملت مصطلحاتها وتوصيفاتها على فضح الخطاب المستتر؟ ما هي منطلقاتها لسؤال المشروعية؟ وهل عملت كمنابر نقدية حرّة أم كأبواق استعمارية للإدارة الأمريكية؟ ما هي السردية التي فرضتها تلك الوكالات؟ وكيف أبرزت الاصوات التي منحتها منبراً لديها تلك السردية؟ يجيب هذا المقال على هذه التساؤلات وغيرها
حين يفضح المصطلح النوايا
رغم إدعاء كافة وكالات الاعلام بتقديم تغطية إعلامية مهنية وغير متحيزة للحدث؛ إلا أن المصطلحات المستخدمة في توصيف عملية الدخول إلى الأراضي الفيزويلية واختطاف مادورو من مكان إقامته وقتل عدد من حراسه ومن ثم إقتياده إلى الولايات المتحدة ليُعرض على قضائها الوطني بتهمة الارهاب وتجارة المخدرات تشي بمواقف كثير من وكالات الأنباء الرسمية واصطفافها وراء سياسة البيت الأبيض وإلا اختلافها معه حول الآليات والتبعات لا الحدث ذاته.
وإذا ما غضضنا الطرف عن الاختلافات الأيديولوجية بين تغطية وكالات الأنباء الأمريكية للحدث إلا أن التأطير العام للعملية جاء كعملية إنفاذ قانون أو في أفضل الأحوال كعملية عسكرية أمريكية، لا كاستخدام غير مشروع للقوة وعدوان مجرّم في القانون الدولي وقواعد الدبلوماسية الدولية على دولة ذات سيادة عضو في الأمم المتحدة.
ففي الساعات المبكرة من الحدث؛ اتخذت كل من النيويورك تايمز وواشنطن بوست موافقاً تواطئياً بحتاً مع إدارة ترامب؛ فرغم علمها الآني بالعملية العسكرية وقت حدوثها إلتزمت الوكالتين الصمت في خطوة دفعت بوزير خارجية ترامب ماركو روبيو لإمتداح الوكالتين والاثناء على قرارهما بالغنتظار وعدم المسارعة لتقديم السبق الصحفي ما “أنقذ أرواح أمريكيين” وفقاً لروبيو.
وما إن تكشّف ضباب المعركة حتى أفردت النيويورك تايمز للعملية منصة كاملة مستقلة تابعت فيها التطورات الميدانية لاختطاف مادورو وتقديمه للمحاكمة، والعملية العسكرية التي أدت لاختطافه إضافة لصفحات متغيرة تعالج المسائل المنبثقة من العملية مثل القيادة الجديدة، والانعكاسات الشعبية والاقتصادية في فينزويلا وأوضاع زوجة الرئيس المختطفة معه ومواقف الادارة الفانزويلية الحالية.

تصوير: آدم غراي / بلومبيرغ
في مقال الرأي “هجوم دونالد ترامب على فانزويلا غير قانوني وغير حكيم”، انتقدت الهيئة التحريرية للنيويورك تايمز عملية ترامب علناً معتبرة أنها تفتقر للأساس القانوني الوطني إذ لم تحصل على تفويض الكونجرس المخول بإعلان حالة حرب، كما تفتقر لأساس المشروعية الدولية إذ لم تحصل على تفويض من الأمم المتحدة. عقدت الهيئة في طيات المقال مقارنات تاريخية بين “التدخلات العسكرية” الأمريكية في العراق وأفغانستان وليبيا، مهددة أن حالة من الفوضى وعدم الاستقرار ستنتج عن هجوم فانزويلا كما نتجت من قبل عن عمليات الولايات المتحدة العسكرية في الماضي.
لم تلجأ النيويورك تايمز رغم انتقادها المعلن لوصف العملية بتوصيف قانوني دقيق ك”عدوان” و”استخدام غير شرعي للقوة”، ولا هي في المقابل أسمتها ب “عملية إنفاذ القانون” تيمناً بغيرها من وكالات الأنباء الرسمية. بل عادة ما أسمتها “العملية العسكرية” و”الضربة” في تغطيتها الحية والمباشرة على التطورات. هذا التوصيف المحايد ظاهرياً وغير المنحاز لموقف الادارة الأمريكية لا يضع الوكالة في موضع العداء مع الادارة على عكس توصيفاتها النارية للعمليات العسكرية التي يشنها بوتين في أوكرانيا على الطرف الآخر من المحيط.
الواشنطن بوست من جهتها كانت واضحة تماماً في دعمها للهجوم الأمريكي على فانزويلا معتبرة إياه “إنتصاراً مهماً للمصالح الأمريكية”. فبمجرد توارد الأنباء عن العملية العسكرية سارعت هيئة التحرير لإعلان دعمها تحت مسمى “العدالة في فانزويلا” مدّعية ان ملايين حول العالم بما فيهم الفانزويليين يحتفلون الآن بإسقاط الديكتاتور مادورو، وأن قرار إعتقاله كان “اجرأ خطوة إتخاذها رئيس أمريكي من سنوات” وتشكل بدون جدال “نجاحاً تكتيكياً باهراً للولايات المتحدة”. كما بالغت الواشنطن بوست في مديح وكالة الاستخبارات الأمريكية والعسكرية الأمريكية موجهة رسالة تهديد مباشرة لديكاتوتريي أمريكي اللاتينية والعالم بقولها “إن ترامب يراقب” خاصةً بالذكر كل من كوبا وإيران في خط تحريري صادم يبدو بوقاً للدافع الاستعماري الأمريكي أكثر منه خطاً صحفياً مهنياً ورصيناً.
من ناحية أخرى، نأت الوول ستريت جورنال بنفسها عن إتخاذ موقف أخلاقي أو مهني واضح من العملية واتسمت تغطيتها بالآلية والبرود. غير أن تأطير العملية بوصفها “عملية إنفاذ القانون” يشي بإتخاذ الوكالة موقفاً موالياً لموقف الادارة الامريكية. فقد اتسمت سردية الوكالة التي تميل بإتجاه اليمين بالتفوقية الامريكية والانتقائية في التعامل مع القواعد القانونية الدولية. فما كان “استعمارياً بحتاً” في حالة بوتين صار “استخداماً إضطرارياً ومبرراً للقوة” في حالة ترامب، والخطاب الموالي للتسليح وإطلاق يد الناتو في أوكرانيا، صار خطاباً تكنوقراطياً، متمركزاً حول النفط وإستقرار السوق ومنع الفوضى في فانزويلا.
بالمثل، لم تؤطر السي أن أن العملية ضمن حدودها القانونية والشرعية وظلت تتابع تطوراتها ك”ضربة عسكرية” نفّذتها قوات الدلتا ووكالة الاستخبارات الأمريكية لأهداف متعددة يترأسها الطمع بمخزونها من النفط، “ألقت خلالها القبض” على مادورو وأعلنت إدارة ترامب أنها س”تدير فانزويلا”. كما وصفت الرئيس مادورو ب”المخلوع” أو “المطاح به” في إشارة لفترة حكمه الديكتاتورية وتصويرالقبض عليه ك”عملية ديمقراطية” لقي فيها “الجاني” جزاءه”.
أما محافل اليمين الاعلامية فلا يخفى على أحد نبرتها الابتهاجية بالحدث؛ فقد اتخذت فوكس نيوز موقفاً مؤيداً لإدارة ترامب منذ اللحظة الأولى؛ بتخريجات عدة تمجد فيها العملية وتعتبرها إنجازاً طال إنتظاره للعدالة.
لم تكن المغالطات التوصيفية حكراً على وكالات اليمين والوسط؛ فعلى سبيل المثال تحظى كل من أن بي آر وذا أتلانتيك بشعبية واسعة بين الديمقراطيين والليبراليين إلا أنها لم تنجُ من فخ التوصيف وظلت الرواية الأمريكية بوجوهها المختلفة تسيطر على تغطيتها الاعلامية.
انتقدت ذا أتلانتيك الهجمة العسكرية على فانزويلا منذ اليوم الاول وأسمتها “حرب ترامب الخطيرة” التي تفتقر لخطة خروج آمنة و”ربما تنتهك القانون الدولي.” ورغم هذا لم يرقَ موقف الوكالة لموقف أخلاقي حاسم؛ إذ ظلت تتراوح سرديتها بين استحقاقية مادورو ونظامه الديكتاتوري وبين ترتيبات البيت الامريكي والتأثير بعيد الأمد على الساحة الأمريكية ومصالحها وتوافقاتها الداخلية والخارجية.
في مقال تحليلي لذا أتلانتيك بعنوان “حتى أقرب الحلفاء يسألون لماذا يريد ترامب أن يدير فانزويلا” توظّف الوكالة كدأبها نقاشاً تحليلياً معمقاً يتجاوز آلية تغطية الخبر والسبق الصحفي الضحل بإتجاه الفهم المركب للواقع الجيوسياسي وموازين القوى بحيث طرحت أسئلة صعبة حول سياسة الولايات المتحدة الخارجية ومشروعية ضرباتها في الخارج وأي وآلات تنتظرها بعد “القبض على مادورو”.
ومن ناحية الدولانية، قارنت ذا أتلانتيك بين كارثية التدخل الأمريكي العسكري في العراق وبين تحركات ترامب في فانزويلا إلا أنها لم تستخدم النقد الصارم اللازم واكتفت بمصطلحات من قبيل “متهور” و”سخيف” و “ارتجالي” لوصف قرار ترامب. غير أنها أقرت في الوقت عينه بتغير السياسة الخارجية الأمريكية في عهد ترامب وتحولها من دولة شريكة مبنية على المثل الديمقراطية لدولة تتبنى نظرية القوة والعنف في علاقاتها الدولية.
ورغم ميلها للقاعدة الشعبية الديمقراطية ووقوفها في مواقف المناوئ لإدارة ترامب؛ تراوحت الأن بي آر بين اللغة النقدية المشككة وبين الحيادية في تغطيتها الاعلامية للهجوم للفانزويلا؛ فقد اتبعت الخط التحريري العام بتوصيف الهجوم ك”عملية عسكرية” أسفرت عن “القبض على مادورو”. وظلت تأطيراتها للمشروعية تدور في إطار الرأي والرأي الآخر حيث “أطلقت العملية تساؤلات حول مدى قانونيتها بين صنّاع القانون” كما “اطلقت جرس إنذار بين القوى الاقليمية والعالمية.”
سؤال المشروعية: مركزية أمريكية أم نزعة تدويلية
طرحت وكالات الاعلام الرسمية طيفاً واسعاً من التساؤلات حول مدى قانونية العملية وتأثيراتها الجيوسياسية سواء الوطنية أو الاقليمية أوالدولية، فاقتها بطبيعة الحال التطورات المباشرة على الأرض من مكان احتجاز مادورو وقرار القاضي الفيدرالي بمثوله أمامه، إضافةً لنقطة الخلاف الرئيسة بين الحزبين الحاكمين بطمع ترامب بمخزون فينزويلا النفطي التي احتلت صفحات الوكالات الأولى.
بينما لم يفوّت الاعلام التغيرات السياسية التي تشهدها فانزويلا حالياً بعد فراغ كرسي الرئيس وتولي نائبته ديلسي رودريغز مكانه مؤقتاً؛ إذ تناولت الوكالات الاشارات المتضاربة التي تصدر عن إدارة فانزويلا الحالية بالمتابعة والتحليل لمعرفة احتمالات المواجهة أو التعاون بينها وبين إدارة ترامب.
وقد ظهرت روايات المشروعية ومدى قانونية الهجوم كمواد للسجال الاعلامي والرأي والرأي الآخر بدلاً من أن تشكل مركزية وجوهر التأطير للعملية وما يتوجب على المجتمع الدولي فعله. إذ خلت وكالات الأنباء الرسمية الأمريكية إلا فيما ندر من النزعة “التدويلية” أي تلك التي تضع الولايات المتحدة على قدم المساواة مع بقية الدول أعضاء المجتمع الدولي وتحتكم في سرديتها إلى قواعد القانون الدولي بدلاً من قواعد القانون الأمريكي الوطني أو على الأقل تقدمه عليها.
إلا أنّها تتفاوت وفق موقعيتها الأيديولوجية في التعامل مع دولة القوة واحتكامها للقانون الدولي؛ فمن التهميش التام الذي تمارسه وكالات اليمين المحافظة مثل فوكس نيوز، تنحو وكالات الوسط بإتجاه استخدام توظيفي ثانوي لتلك القواعد مثل سرديات النيويورك تايمز وواشنطن بوست، وأخيراً تولي وكالات اليسار الوسطي أو تلك التي تميل بإتجاه اليسار إلى التركيز أكثر على تلك القواعد وتوظيفها بشكل أبرز وإن لم تكن جوهر النقاش بالمطلق وهو ما تفعله ذا أتلانتيك و أن بي آر في خطها التحريري.
وقد ظهر التناقض صارخاً بين خط التغطية الاعلامية للوكالات الرسمية الأمريكية حين يتعلق الأمر بعملية عسكرية يشنها بوتين على أوكرانيا وبين خط التغطية الاعلامية الحالية للهجوم الأمريكي على فينزويلا؛ إذ تختفي فجأة لغة الادانة غير الاعتذارية التي تستخدم التوصيفات القانونية الدولية كمرجعية “الغزو غير المبرر”، “الانتهاك الجسيم لقواعد القانون الدولي”، “إعتداء على سيادة الدولة وسلامة أراضيها” و”جرائم الحرب” هي عبارات تزخر فيها مواقع وكالات الاعلام الرسمية حين تغطي هجوماً روسياً على أوكرانيا، بينما تستبدلها الوكالات ب”هجوم عسكري”، “ضربة عسكرية”، “عملية أمنية” و”عملية إنفاذ قانون” في توصيف الهجمة الأمريكية على فانزويلا.
فرغم إلتزام سي أن أن بخط التحرير المحايد في ظاهره والنأي عن إتخاذ حكم أو موقف أخلاقي من العملية حتى أن تلميحاتها لمخالفة العملية للقواعد الدستورية والدولية أتت ضمن آراء الكُتّاب والضيوف أكثر منها موقفاً تحريرياً واضحاً ومباشراً، لم يستقر التساؤل المنطقي “هل كان هذا قانونياً؟” في قلب السردية التي اتبعتها سي أن أن في تغطية الهجوم، بل تم استبدالها بشكل منهجي بأسئلة من قبيل “هل كان خياراً ذكياً؟” “هل كان قراراً حكيماً” “هل سينجح؟”، بينما توارت فانزويلا قيادة وشعباً في مؤخرة المشهد إذ اختفت تماماً السردية التعاطفية والقصص الانسانية ومثال القائد الأخلاقي الملهم التي اتبعتها الوكالة في تغطيتها للحرب الروسية على أوكرانيا.
أشار مقال هيئة تحرير النيويورك تايمز المبدئي للسياسة الخارجية الامريكية في عهد ترامب كإمبريالية حديثة تتصرف فيها الولايات المتحدة كإمبروطورية استعمارية في تهميش تام لحقوق الشعوب بالسيادة وتقرير المصير. هذا الموقف المهتم بالقانون الدولي احتل مركزاً ثانياً في الجدل القانوني الذي أثارته النيويورك تايمز؛ إذ ظل تركيزها الأكبر على القواعد الدستورية والقانونية المحلية كما ومنحت المحللين الوطنيين والقانونيين الأمريكيين مساحة أوسع للجدل القانوني في زوايا الرأي لديها.
توارى الجدل حول قانونية العملية وراء جدر سميكة من التغطية اليومية وأسئلة السياسة الأمريكية والاستقرار الاقليمي في تغطية الوول ستريت جورنال. ففي لمحة مقتضبة أشارت الصحيفة لموقف المكسيك الذي يرى في العملية خرقاً للقانون الدولي؛ بإستثناء ذلك يكاد سؤال المشروعية لا يخطر على بال الصحيفة بقدر ما يشغلها ماذا سيحصل لاحقاً وأي أثر تحمله العملية على استقرار الأسواق الأمريكية والاقتصاد العالمي حيث اتخذ سؤال النفط مساحة واسعة من تغطيتها. هذا الموقف البارد للصحيفة يلمح إلى خطها التحريري الملتف حول المركزية الأمريكية والشأن الداخلي في منأى عن الهم الدولي والعالمي حول حقوق الشعوب وحرياتها أو سيادة الدول وسلامة أراضيها.
كما لم تتعدَ تساؤلات أن بي سي حول قانونية العملية برمتها بضعة أسطر يقتبس فيها خبير قانون دولي هنا أو هناك، أو مقابلة ملتوية مع ممثل تشريعي ديمقراطي، تحاول فيه المراسلة لي عنق السؤال ونزع المشروعية عن تهم الممثل بمخالفة الضربة للقانون وإظهارها كمحاولة للمناكفة السياسية لا اكثر؛ أفردت الوكالة لكبير مساعدي ترامب، ستيفن ميلر، مساحة يجادل فيها أن “الاستعمار” كان جيداً للدول التي خضعت له مثلما كان جيداً للدول التي أشرفت عليه. على امتداد المقال الطويل الذي أعدّه جونثان آلن، أحد كبار مراسلي أن بي سي، راح يتنقل آلن بين خبراء القانون وأساتذة الجامعات وسياسيين بارزين ورجال أعمال ورواد حركة ماجا يستميتون في الدفاع عن الاستعمار وإيجابياته المظلومة والمهمشة على البشرية وحاجة النظام العالمي الحالي لإعادة إحياء ذلك الارث العظيم.
وبالنسبة لإعلام اليسار الوسطي؛ تساءلت ذا أتلانتيك عن مدى قانونية الهجوم في عدة مقالات مركزية منذ إندلاع الأحداث؛ ففي مقالها “هل الكونجرس موجود أصلاً؟” طرحت الوكالة أسئلة مهمة حول عدم مشروعية الضربة بينما اتاحت في الوقت آنه لأقلام تناقش مشروعية التهم الموجهة لمادورو وزوجته وإمكانية محاكمتهما أمام محاكم الولايات المتحدة في زوايا الرأي الأخرى.
من ناحية أخرى، كانت المناكفة الحزبية حول مدى قانونية الضربة واضحة على طول الخط التحريري لوكالة أن بي آر واتخذت موقعاً مركزياً في معالجة الأزمة، بينما حلّت التخوفات اللاتينية من انتهاك قواعد القانون الدولي ثانياً في النقاش.
حين يفرض الاعلام السردية
عملت النيويورك تايمز وواشنطن بوست وسي أن أن على تطبيع منطق القوة في التعامل وظهر التفوق الأمريكي في خلفية سرديتها ملقياً بظلاله الثقيلة على صياغة العناوين وهيكلية المقالات ونوعية الضيوف والمتحدثين وإن لم يكن فجاً واحتفائياً كخطاب فوكس نيوز ووول ستريت جورنال. في المقابل قاومت ذا أتلانتيك وأن بي آر تلك النزعة ولجأت إلى ركن الدستور الامريكي وحسابات المشروعية الوطنية.
إذ تنحو الوكالات الرسمية في أغلبها لتلميع المعارضة الفينزويلية في معرض أخبارها التي تغطي في ظاهرها مستقبل فانزويلا السياسي ومن سيحكمها في قابل الايام محاولة للدفع بالموقف الفينزويلي المؤيد للهجوم والصادر عادة من المعارضة الفينزويلية. ففي تغطية لمراسل السي ان أن ليكس هارفي تشيد الوكالة بزعيمة المعارضة الفينزويلية ماشادو بوضفها “حاصلة على جائزة نوبل للسلام” وفوق هذا منفية “تتوق للعودة إلى الوطن” ثم يعود هارفي ليتدارك بتصريح من ستيف ميلر، مسؤول مساعد في البيت الأبيض، بأن واشنطن لن توافق على تعيين “غريب” و”لا مشروع” لماشادو سيرفضه الشعب الفانزويلي في إشارة مرة أخرى لتوافق إرادة واشنطن مع الارداة الشعبية ومحاولة ربط الهجوم بأهداف ذات صبغة ديمقراطية مع الحرص على إظهار النبرة التفوقية التي تربط مستقبل فينزويلا بالقرار الأمريكي.
ففي برنامجه “سي أن أن تن”، وهو برنامج مركّز تعرض فيه القناة أحداث العالم بصورة “واقعية غير متحيزة” بحسب وصفها، وصف كوي واير مراسل السي أن أن العملية بأنها “تغيير باهر للنظام” وحاول في دقائق البرنامج المعدودة تبرير العملية من علاقة مادورو بتشافيز وحكومته الشيوعية إلى علاقاته مع روسيا والصين وإيران مروراً بتهم الارهاب والاتجار بالمخدرات ووصولاً لملف إدارته لفانزويلا وحكمه الديكتاتوري هناك. قبل أن تنتقل الكاميرا لجموع المبتهجين من الفانزويلين المعارضين في كولومبيا الهاربين من حكم مادورو والمباركين لضربة ترامب. وعليه يبدو أن السي أن أن كانت تبحث في الصورة وصياغة الخبر عن نقل ما لم ترغب بقوله بالحرف والتصريح.
احتجاجات في العاصمة الأمريكية واشنطن نصرةً لفلسطين، وتنديدًا بالهجوم على فنزويلا، واختطاف الرئيس مادورو. pic.twitter.com/91p2V0nVJG
— نون بوست (@NoonPost) January 7, 2026
وبدلاً من الحضور الرسمي والحقوقي والمدني اللاتيني اختارت واشنطن بوست الابراز الانتقائي لفانزويليين من الشوارع. فقد ركزت الواشنطن بوست في مقالاتها على الأوضاع المعيشية في فينزويلا قبل الهجوم الأمريكي، راسمة صورة قاتمة في ظل ديكتاتور دفع بالولايات المتحدة للإطاحة به توافقاً مع “معاييرها الديمقراطية”. وملوحة بأن بقية الدول “التي تتبع منهجاً مماثلاً في الحكم” قد تلقى المصير نفسه؛ ففي مقابلة “ودية” بين مراسلة الواشنطن بوست نعومي شانن والرئيس ترامب كررت شانن بنغمة ابتهاجية “وماذا عن المكسيك؟ وماذا عن كوبا؟ وكاذا عن جرينلاند؟” ليجيبها ترامب بأن دور كل منها قادم. دون أن يكون هناك أي إشارة لمدى مشروعية هذه التحركات وما إذا كانت الولايات المتحدة تقيم وزناً للمجتمع الدولي وشعوب تلك البلاد.
وقد ربطت أن بي سي بشماتة ظاهرة بين كوبا وفانزويلا بوصفهما “شيوعيتين” ويحكمهما اليسار السلطوي معنونة الخبر ب”كوبا جاهزة للسقوط” بالبونط الأحمر العريض. كما ربطت الوكالة بين مقدم ماركو روبيو من كوبا ورغبته الشديدة بتغيير النظام فيها وتساءلت عما إذا كان ممكناً “التدخل العسكري” لإنجاح ذلك. ففي مقابلة أجراها مراسل الوكالة في هافانا كوبا إد أوغستين وصف المظاهرات الرافضة للهجوم الأمريكي على فانزويلا بأنها مظاهرات كبار السن الذين شهدوا الثورة والتغيير الذي جاءت به بينما نأى الشباب بأنفسهم عن إدانة الولايات المتحدة وفقاً لإوغستين. كما أشار لكون الحكومة الكوبية “غير شعبية” بشكل كبير بين “الناس العاديين” في شوارع كوبا لكنهم و”ياللعجب” يعارضون ما حدث في فانزويلا رغم أنهم “فقراء ومهمشون وغامقو اللون” وفق تعبير المراسل في إشارات عنصرية تماماً لإرادة الشعوب التي تتعارض مع سياسة وأطماع الولايات المتحدة.
وفي برنامجها الاخباري الليلي، أحد أهم محطات أن بي سي الاخبارية، رسم مراسل القناة توم لاماس صورة شيطانية للإدارة الفانزويلية التي تركها “المقبوض عليه” مادورو وراءه؛ فقد تجوّلت الكاميرا بين المحتجين المناهضين للنظام الحالي والمؤيدين لترامب بحجة ان مادورو كان ديكتاتوراً وأن نظامه الحالي يمنعهم من الاحتفال ويعاقب المحتفلين والصحفيين دأبه دأب الأنظمة الشمولية حول العالم. في مقاطع “عاطفية” دارت الكاميرا بين ماشادو، زعيمة المعارضة” بعينيها الدامعتين تقول أن التاريخ سيحفظ الثالث من يناير كيوم إنتصار “العدالة على الهمجية”، وبين المحتفلين الذين حظوا أخيراً بفرصة للقصاص من مادورو الذي عذّب وسحل واعتقل آباءهم وأبناءهم. صورة يصعب معها القول أن أن بي سي إتخذت موقفاً أخلاقياً وقانونياً من الأزمة أو حتى إلتزمت الحياد بحسب ما يشي ظاهر خطها التحريري.
وليس جديداً على أن بي سي وقوفها في صف المعارضة الفانزويلية وقرعها لطبول الحرب طوال الشهور التي تصاعدت فيها حدة التوتر بين واشنطن وكاراكاس؛ فقد أغرقت الوكالة عشرات المقالات والبرامج التي تمجد المعارضة وتكيل التهم لمادورو وحكومته وتصف عمليات ترامب غير المشروعة ضد المراكب الفانزويلية نهاية العام المنصرم ب”الضغط العسكري”.
تحت عنوان “لحظة المعارضة الفينزويلية التاريخية: الكرة الآن في ملعبكم استغلوا فرصتكم” كتب عضو الهيئة التحريرية في الوول ستريت جورنال هولمان جينكينزجونير مقالاً يمجد فيه المعارضة الفينزويلية ومؤسساتها المدنية “الباسلة” ويحضهم على تولي زمام القيادة في البلاد عوضاً عن نائبة الرئيس مادورو التي وصفتها الصحيفة مراراً باليسارية في إشارة لإمتهانها وصلتها العضوية بالرئيس المختطف مادورو وكونها تمثل استمراراً لولايته وفلسفة حكمه في غيابه.
أما رد الفعل الشعبي الأمريكي فقد اتخذ زاويةً هامشية في التغطية الاعلامية تراوحت بين تغطية احتفالات الجالية الفينزويلية في بعض الولايات مثل فلوريدا وبين الغضب الشعبي الرافض للتدخل الأمريكي السافر في الخارج في ولايات مثل نيويورك، وقد اتّبعت الوكالات خطاً أعمّ يظهر الخلافات الجلية بين الولايات الديمقراطية وتلك الجمهورية في ردود أفعالها على العملية العسكرية في الجنوب اللاتيني.
قل لي من ضيفك أقل لك من أنت
تكشف طبيعة الأصوات التي منحتها وكالات الأنباء منبراً وسلطت عليها الضوء خلال الأسبوع الأول من الهجوم الأمريكي على فانزويلا عن أولويات هيئات التحرير وتوجهاتها الأيديولوجية عموماً؛ فبينما تسابقت الوكالات فيما بينها على استضافة ومقابلة مسؤولي إدارة ترامب ووكالة الاستخبارات الامريكية لنقل الرواية الرسمية ومبررات الهجوم وتبعاته كما تراها وتخطط لها الادارة، يبدو الحضور الفانزويلي الرسمي في الاعلام الأمريكي في أدنى مستوياته.
فقد تربعت وجوه اليمين والمحافظين في قلب الشاشات والصفحات الاخبارية الأولى، وتراجعت الوجوه المنطلقة من قواعد المشروعية الدولية وحقوق الشعوب حتى في الوكالات التقدمية إلى المقعد الخلفي في التوصيف القانوني للعملية؛ وحتى في هذه تم إختيار أصوات غربية تدافع عن دور الأمم المتحدة وأخرى أمريكية تناقش القواعد الدستورية الامريكية ونادراً ما ظهر خبراء لاتينيون في القوانين الدولية وقواعد السيادة أو منحت منظمات المجتمع المدني اللاتينية مساحة تعبر فيها عن مخاوفها وآمالها برغم إنتماء الأزمة أولاً وأخيراً لهذه الجهات.
وفي رصد ردود الأفعال الوطنية والدولية أفسحت النيويورك تايمز المجال واسعاً للرأي والرأي الآخر من مسؤولين يكررون الرواية الرسمية لإدارة ترامب، بما يهم ترامب نفسه الذي أجرت الصحيفة معه مقابلة تليفونية في تمام الساعة 4:20 من فجر يوم العملية، حول مبررات الارهاب وتجارة المخدرات وتوصيف العملية كعملية إنفاذ للقانون، وبين من ينتقد العملية بوصفها “اختطافاً” غير مشروع وتعدياً غير مبرر على سيادة دولة عضو في الامم المتحدة. غير أن الغياب الملحوظ لأي قيادة فانزويلية من إدارة مادورو والاكتفاء بآراء المواطنين العاديين جعل الوكالة تبدو كمن لا يرغب بإثارة غضب إدارة ترامب وخلق البلبلة حول مهمتها الصحفية في تغطية العملية.
وإضافة لكبار مسؤولي إدارة ترامب كماركو روبيو، استضافت فوكس نيوز عدداً من السيناتورز الجمهوريين كالسيناتور المؤيد لترامب ليندسي جراهام والسيناتور توم كاتون، اللذين رأيا في العملية صورة لأمريكا بأبهى حللها كما استضافت ثلة من السياسيين المقربين من ترامب وصفوا مادورو ب”تاجر مخدرات متعطش للدماء” بل وتجاوزت السياسيين لإستضافة رجال قانون مؤيدين للعملية يصفّون الأدلة القانونية التي تدعم مشروعيتها وينفون أي مخالفة للقانون الأمريكي فيها؛ يجمع ضيوف فوكس نيوز كونهم من المحافظين المنتمين في أغلبهم للحزب الجمهوري وحركة ماجا والذين يمثلون الخط اليميني الداعم لدونالد ترامب بينما همشت الوكالة الأصوات المناوئة للعملية وذكرتها لماماً في معرض سيل هادر من المواد الممجدة للعملية في خطاب إمبريالي يميني يرى في قيادة ترامب القوية مثالاً يحتذى لتنظيف “فوضى الديمقراطيين” من جهة وإنقاذ “الدول الفاشلة” من جهة أخرى.
وقد تفوقت وكالة سي أن أن في تغطيتها الاعلامية الرسمية؛ فانفردت بمقابلات حصرية مع مسؤولين من الصف الأول في إدارة ترامب، وعملاء وكالة الاستخبارات الأمريكية وممثلي مجلس النواب في رواية تكشف مخططات البيت الأبيض للعملية وللفترة القادمة؛ منحت وول ستريت جورنال في المقابل حضوراً ملفتاً للمستثمرين والخبراء الاقتصاديين على منصتها وطغت نبرة الأرقام والقيمة المالية ومخططات النفط على بقية الأصوات المتعلقة بالهجوم.
بينما تميزت الأن بي آر بفتح منبرها أمام الأصوات اليسارية المعادية لترامب من أمثال السيناتور بيرني ساندرز والممثلة التشريعية ألكساندريا أوكاسيو كورتز التي رأت في الهجوم إفرازاً إمبريالياً فجاً، في مقابل أصوات رسمية ومحافظة مؤيدة لهجوم ترامب ترأسها ماركو روبيو وصناع قانون جمهوريين يبررون مشروعية الضربة.