تشهد مختلف مناطق سوريا منذ نهاية العام الماضي تغيرات مناخية أحيت الآمال بتقليص آثار موجة الجفاف الحادة التي تعيشها البلاد وبلغت ذروتها خلال عام 2025، حيث كان شتاء موسم 2024- 2025 الأكثر جفافًا منذ نحو 70 عامًا، ما أدى إلى تراجع منسوب مياه نبع الفيجة، مصدر المياه الأساسي للعاصمة وضواحيها، وقد سجل ذلك الشتاء أدنى هطولات مطرية منذ عام 1956، وفق ما ذكره مدير عام مؤسسة مياه الشرب في دمشق وريفها، أحمد درويش، في تصريحات متلفزة سابقة.
هذه المعطيات دفعت المؤسسات المعنية في وزارة الطاقة ومؤسسة مياه الشرب لدعوة السكان لترشيد استهلاك المياه، معتبرة ذلك “ضرورة وطنية”، لكن الأسبوعين الأخرين قدما هطولات كثيفة أسهمت باستعادة نشاط أنهار كانت جافة، كما ارتفعت الهطولات المطرية في بعض المحافظات متجاوزة المعدل السنوي، لكن وتيرة الهطولات لم تكن بذات السوية، حيث سجلت درعا والقنيطرة نحو 84% من المعدل السنوي، في حين انخفض المعدل في محافظات أخرى.
المناخ والسياسة والاقتصاد
تعد أزمة الجفاف في سوريا من أخطر الأزمات البيئية خلال العقود الأخيرة نتيجة تداخل عوامل مناخية وسياسية واقتصادية، ترتبط بأسباب مثل التغير المناخي وانخفاض معدلات الهطل المطري خصوصًا في محافظات الجزيرة الثلاث، وارتفاع درجات الحرارة وزيادة موجات الجفاف الطويلة، وتراجع تدفق الأنهار، وعلى رأسها نهر الفرات، كما يعتبر سوء إدارة الموارد المائية من العوامل الحاسمة في هذه المشكلة، حيث يؤدي الاعتماد على الآبار الجوفية دون تنظيم إلى جفافها، مع الإشارة إلى ضعف البنية التحتية للري وتهالك السدود وشبكات المياه بالمجمل، وزراعة محاصيل تتطلب الكثير من مياه السقاية، ومنها القمح والقطن، في مناطق غير مناسبة مائيًا.

ورغم تأثير العوامل البيئية الطبيعية والبشرية في إحداث الجفاف، فالحرب أيضًا دمرت محطات مياه وسدود وشبكات ري، مع صعوبة الصيانة أو الوصول إلى الموارد بسبب الانقسام الجغرافي من حيث السيطرة خلال الثورة، ما سبب تأثيرات فادحة على الزراعة والأمن الغذائي وخسائر في المحاصيل ونفوق أعداد كبيرة من المواشي لقلة المراعي، وتراجع إنتاج القمح والاعتماد على الاستيراد، وهذا يعني ارتفاع أسعار الغذاء وزيادة انعدام الأمن الغذائي، وبالتالي فقدان سبل العيش للمزارعين، كما يتسبب الجفاف بتصحر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية واختلال التوازن البيئي المحلي.
ورغم محاولات التغلب على المشكلة أحيانًا، عبر دعم المزارعين سواء من قبل الحكومة (القرض الحسن) أو برامج المنظمات الأممية والدولية في إطار جهود التعافي المبكر، أو تشجيع الري بالتنقيط، إلا أن هذه المحاولات لم تحقق تغييرًا ملموسًا لمجابهة موجة جفاف تتداخل مسبباتها بين الطبيعي والسياسي والعسكري بالإضافة إلى سوء الإدارة والتغير المناخي.
ومنذ نحو أسبوعين، تسجل سوريا هطولات مطرية تراوحت بين الخفيفة والغزيرة، وكانت أغزر الهطولات في بلدة حضر بالقنيطرة وبلغت نحو 103 مم خلال يوم واحد، في حين جاءت بلدة شحطة في سهل الغاب، ثانية على مستوى الهطولات، بمعدل 80 مم، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، ما يعكس نشاطًا جويًا في الجنوب الغربي من سوريا وبعض المناطق الوسطى، بينما تعرضت البلاد لمنخفضات جوية مؤثرة نهاية عام 2025، نتج عنها أمطار غزيرة وتساقط ثلوج وتشكل سيول خاصة في المناطق الشمالية والمرتفعات، بينما كانت فرص الهطول أضعف في المناطق الجنوبية والغربية أحيانًا، رغم الزيادات الملموسة عن العام الماضي، لتحمل بداية الشتاء مؤشرات مبشرة غير متوازنة تجعل أمطار الموسم قريبة من معدلاتها.
لا تغيير جوهري في وضع الجفاف
الصحفي المختص بالقضايا البيئية، زاهر هاشم، أوضح لـ”نون بوست” أن الهطولات المطرية والثلجية تشير إلى نشاط جوي موسمي طبيعي، ويمكن لها المساعدة في تغذية التربة والمياه السطحية، وهي ذات فائدة على المدى القريب، لكنها ليست كافية لإحداث تغيير جوهري في وضع الجفاف طويل المدى الذي طال أجزاءً واسعة من سوريا في السنوات الأخيرة، فلا يمكن القول إن الهطولات الأخيرة قلصت الجفاف الكلي، فموجة الجفاف التي تواجهها سوريا أثرت على الزراعة والمحاصيل التقليدية كالقمح والشعير، وتسببت في انخفاضات إنتاجية كبيرة، كما أثر الجفاف على مستويات الأنهار الكبرى والمياه الجوفية، وشهدت السدود والخزانات المائية تراجعًا في مخزونها.
ويمكن للهطولات الأخيرة تخفيف حدة الجفاف في بعض المناطق، لكنها لا تتحقق تحسنًا على مستوى البلاد، لأن الجفاف تراكمي، مع الإشارة إلى الأثر السلبي المحتمل الذي قد يترافق مع مثل هذه الهطولات، فعندما تهطل الأمطار على أراضٍ شديدة الجفاف خصوصًا في المناطق شبه القاحلة أو الصحراوية تتحول إلى صخور صلبة أو مصلّبة بفعل الحرارة ونقص الرطوبة، ما يقلل من المسامية ونفاذية الماء داخل التربة، وهذا يعني أن مياه الأمطار، وتحديدًا الغزيرة منها أو المكثفة في وقت قصير، لا تستطيع التسرب إلى الأسفل بسرعة كافية، فتتحول إلى جريان سطحي سريع يمكن أن يتجمّع في الأودية والمجاري الجافة، مسببًا فيضانات خاطفة مفاجئة يمكن أن تكون مدمرة حتى في أماكن صحراوية واسعة.
وبرأي الصحفي زاهر هاشم، فيمكن اتباع سياسات زراعية ومائية لمواجهة الجفاف مثل تحسين إدارة المياه بالانتقال إلى أنظمة ري حديثة لتقليل الهدر، وترميم قنوات الري، و تخزين المياه الطبيعية عبر بناء آبار تجميعية في المناطق الجافة لصيد مياه الأمطار في مواسمها، كما يجب تشجيع وتوسيع الزراعة المقاومة للجفاف بزراعة محاصيل تتحمل الشحّ المائي مثل الشعير والذُرَة المقاومة، وبعض أنواع البقوليات، واعتماد تدوير المحاصيل بما يحافظ على الرطوبة ويحسّن بنية التربة، مع أهمية تحسين حوكمة المياه وتحديث السياسات الوطنية لإدارة الموارد المائية، والاستثمار في إعادة تأهيل السدود والخزانات واستعادة الأحواض المائية.
وتظهر التوقعات المناخية الموسمية للشرق الأوسط عمومًا، ارتفاعًا في عدم الاستقرار المناخي، مع فترات ماطرة أقصر أو غير منتظمة بالتزامن مع فترات جفاف أطول، نتيجة تأثيرات التغير المناخي، إذ تؤثر الضغوط الحرارية في أنماط السحب والأمطار، مما يجعل موسم الأمطار غير منتظم ومتنوعًا من سنة إلى أخرى، وفق هاشم.
انعكاس إيجابي على المياه السطحية
كشفت منصة “إيكاد” للتحقيقات، استنادًا لصور الأقمار الصناعية، أن عام 2025، كان الأكثر جفافًا في كثير من البحيرات والسدود السورية التي راقبتها خلال السنوات الخمس الماضية، كما حللت انخفاض منسوب المياه في سبع بحيرات وسدود، وخلصت إلى أن هذه البحيرات لم تعد كما كانت قبل سنوات، فتراجع الأمطار وانخفاض المياه الجوفية أدى في معظم المحافظات إلى موجة جفاف هي الأكبر خلال العقود الماضية، ومنها بحيرات “سبخة الجبول” في حلب، وبحيرة قطينة غربي حمص، وبحيرتي صافيتا والمزينة جنوبي طرطوس.
🔴 عاجل: أظهرت صور الأقمار أن عام 2025 كان الأكثر جفافاً في معظم البحيرات والسدود السورية التي راقبتها إيكاد بالسنوات الخمس الماضية.
— EekadFacts | إيكاد (@EekadFacts) January 6, 2026
مدير الموارد المائية في دمشق وريفها المهندس باسل غفاري، أوضح لـ”نون بوست” أن الهطولات المطرية والثلجية على مختلف المناطق كان لها أثر إيجابي على المياه السطحية تمثل بزيادة غزارة مختلف الأنهار والأودية وجريان بعض الأنهار التي كانت جافة، كما تمثل هذا الأثر بزيادة غزارة معظم الينابيع، ما يدعو للتفاؤل بموسم جيد مختلف عن مواسم الجفاف السابقة وتحديدًا الموسم الماضي، لافتًا إلى أن الهطولات المطرية في هذا الموسم، ستؤدي حتمًا إلى تقليص الفجوة بين الوارد والمستخدم وبالتالي سيكون هناك تحسن في تغذية المياه الجوفية، ينعكس إيجابًا على الموارد المائية والتقليل من حالة العجز المائي.
وبحسب غفاري، فهناك أساليب متعددة لإدارة الجفاف، منها الإدارة المتكاملة للموارد المائية بما يتيح العمل على استدامتها، والعمل على إدارة الطلب بدلًا من إدارة العرض، بالإضافة إلى التنسيق بين من يدير الملف المائي ووزارة الزراعة لوضع خطة مناسبة لزراعة محاصيل تحتاج لمقننات مائية قليلة، مع العمل على الاستفادة من المياه المعالجة وتطبيق قانون تشريع مائي عصري يؤدي تطبيقه للحفاظ على الثروة المائية، متوقعًا أن يكون الموسم الحالي رطبًا وبالتالي تكون الهطولات مبشرة بموسم زراعي جيد يؤمن المياه لمختلف الاستخدامات.
ويرى غفاري أن هناك حاجة ملحة حاليًا للبدء بدراسة مجموعة من المشاريع الاستراتيجية المتوقفة، كبناء السدود وجر المياه لتنمية بعض المناطق والانتقال إلى أساليب الري الحديث واستبدال شبكات الري المكشوفة بأخرى مطمورة تقلّص هدر المياه، مع الحاجة لمحطات معالجة المياه وإعادة استخدامها، في سبيل تجاوز مواسم الجفاف.
من جانبه، اعتبر المهندس الزراعي، موسى البكر، في حديث لـ”نون بوست”، أن الهطولات المطرية والثلجية ذات فائدة كبيرة، باستثناء موجات الصقيع التي استمرت لنحو أربعة أيام وكان ضارة، لكن الهطولات المطرية حققت أثرًا إيجابيًا على المزروعات بالعموم والأشجار والنباتات الحراجية والغطاء النباتي بالمجمل.
كما شدد على ضرورة الاهتمام بترشيد استهلاك المياه الجوفية والاعتماد على الموارد المائية الطبيعية، كون جزءًا كبيرًا منها يتعرض للهدر، مع الحاجة إلى الاهتمام بزراعة أنواع أشجار مقاومة للجفاف بطبيعتها واستهلاكها المائي قليل، والابتعاد عن النباتات ذات الاستهلاك المائي العالي، إلى جانب إعادة تشجير المساحات المحتطبة أو المحروقة، فكلما زاد الغطاء النباتي أكثر اتجهت المنطقة إلى الاستقرار وزاد تعرضها للهطولات المطرية، مشيرًا إلى أن الموسم الحالي مبشر مقارنة بما سبقه في السنوات الماضية، في ظل توقعات بهطولات تساعد المزارعين والزراعة بالمجمل.
سبل لمقاومة الجفاف عبر الزراعة
المهندس الزراعي فواز خانجي، مدير مشروع البيئة والأمن الغذائي في مؤسسة “مداد”، بيّن لـ”نون بوست”، أن الهطولات الثلجية عالية الأهمية أمام النقص الحاد الحاصل في معدلات الهطول في السنوات الأخيرة لكن أثرها محدود أمام التطرف المناخي الحاصل، دون أن ينفي ذلك وجود أساليب قد تساعد في تجنب التأثيرات والانعكاسات السلبية للانزياح المناخي، عبر وضع رؤية شاملة لمكافحة الجفاف والاستفادة من القاعدة التي تقول إن الأشجار تجلب الأمطار.
وبحسب خانجي، فيجب تعويض الفاقد من الغطاء النباتي عبر حملات تشجير مدروسة واختيار الأصناف متعددة الأغراض (ذات فوائد طبية ورحيقية وغذائية وعلفية وتزيينية مثل الأكاسيا والصنوبر الثمري)، والتركيز على الأنواع دائمة الخضرة بالتوازي مع إجراءات لحماية ما تبقى من الغابات، لإيقاف القطع والتعدي الجائر على الغابات الذي ما يزال مستمرًا، كما يجب حماية الأشجار المزروعة حديثًا مع خدمتها ورعايتها للحفاظ عليها وتنميتها، ومن الضروري برأي المهندس الزراعي، حجز مياه الأمطار في سدود، فالوضع الحالي يعبّر عن ضياع للمياه التي تذهب لدول الجوار أو تصب في البحار، والينابيع والأنهار التي نشطت بعد المنخفض الأخير تتطلب الحفاظ على مياهها.
وفي ضوء الحديث عن أثر الجفاف وانعكاسه على الإنتاج الزراعي ونتيجة للانزياح المناخي طرأت تغيرات أفرزت ما يسمى شتاءًا متأخرًا أو ربيعًا متأخرًا أو ربيعًا قصيرًا، ما خلّف آثارًا سلبية على النباتات من حيث تغير موعد الازهار، ما يفضي إلى تراجع الإنتاج، وبالتالي هناك حاجة لتغيير موعد زراعة العروات بما يتناسب مع التغيرات الفصلية أو إدخال أصناف جديدة تتناسب مع المتغيرات، مع إمكانية العمل على استنباط أصناف مقاومة للجفاف.
وحثّ المهندس الزراعي فواز خانجي الجمعيات والمنظمات ذات البرامج الزراعية، للمبادرة وتبني أفكار وأطر، منها الزراعة الحافظة (بدون فلاحة) للحفاظ على التربة ورفع نسبة المادة العضوية بفعل بقايا المحصول السابق والحفاظ على “سر خصوبة التربة” أي الكائنات الحية الدقيقة، وهذا أثر تراكمي يقلل نسبة الفاقد من الحبوب، كما يمكن تقليل انتشار الأمراض الفطرية الناتجة عن التراص الحاصل للتربة بسبب الفلاحات الكثيرة وتخفيض تكاليف الزراعة وزيادة الإنتاج بنسبة قد تصل إلى 30%، بالإضافة إلى استصلاح التربة وزيادة المادة العضوية لزيادة احتفاظ التربة للماء.
ومن التوصيات التي قدمها خانجي، حقن التربة بالفطريات الجذرية والأنزيمات التي تسهم في رفع الإنتاج، وبالبكتريا النافعة، فهناك آلاف السلالات التي تؤدي الغرض من حيث تحمل النباتات للإجهاد الحراري والملحي وتحمل الجفاف، إضافة لتأمين المتطلبات الغذائية للنباتات، مع أهمية إضافة مواد أساسية للتربة لرفع الإنتاجية، وتحمل الجفاف، وتخفيف الري إلى 30%، وتقليل الأمراض، وتقليص آثار الجفاف.