مع دخول الليرة السورية الجديدة حيّز التداول، تتجه الأنظار إلى قدرة السياسة النقدية والمالية على حماية هذه العملة من الضغوط التضخمية وضمان قوتها الشرائية في ظل واقع اقتصادي معقد.
فالمصرف المركزي، وفق آخر تصريحاته، يراقب مجموعة من المؤشرات الأساسية، لتقييم نجاح عملية تبديل العملية، أبرزها استقرار سعر الصرف، مستويات التضخم، حجم السيولة، وثقة المتعاملين، في محاولة لتقييم نجاح عملية الإصلاح النقدي.
في حين أن كثيرًا من الأسئلة تثار حول كيفية تحقيق التوازن، وتعزيز القوة الشرائية للعملة الجديدة، وإمكانية فك احتباس السيولة وإخراج السوق السوداء من دائرة التسعير بعد انتهاء عملية التبديل، ومدى قدرة المصرف المركزي على إدارة دفة سعر الصرف، يبقى التحدي الأكبر هو ضبط السوق ومنع المضاربات، إلى جانب إدارة السيولة بما يحقق التوازن بين تيسير التعاملات اليومية وحماية الاستقرار النقدي.
وللحصول على إجابات، توجهنا بهذه الأسئلة إلى الخبير المصرفي أنس فيومي، والخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي.
الأدوات النقدية وضبط التضخم
يرى الخبير الاقتصادي مهند الزنبركجي في حديثه لـ”نون بوست”، أن أبرز أدوات المصرف المركزي للحد من التضخم بعد إطلاق العملة الجديدة تبدأ بعدم الإفراط في طباعة النقد إلا بما يتناسب مع الاحتياطي من الذهب والعملات الأجنبية والأصول، مع تنشيط الإيداع عبر إصدار شهادات استثمار بفوائد مرتفعة، خاصة على الإيداعات السنوية، وتشجيع الادخار بفوائد عالية. كما يشدد على ضرورة تخفيض القروض إلى أدنى مستوى، والتوقف عن الإقراض غير المنتج مثل القروض الاستهلاكية.
من جانبه، يرى الخبير المصرفي أنس فيومي في مداخلة مع “نون بوست”، أن قدرة المركزي على كبح التضخم فعليًا مرهونة باستخدام أدوات علمية معروفة: ضبط الكتلة النقدية، التحكم بسعر الفائدة، ووقف تمويل العجز، مؤكدًا أن حذف الأصفار لا يعني تخفيض الأسعار أو تحسين مستوى المعيشة، بل هو مجرد إجراء تقني يعيد ترتيب القيم الاسمية للنقود، فيما تبقى أسباب التضخم قائمة من عجز مالي وضعف إنتاج وتراجع استثمارات وتآكل ثقة.
ويؤكد الزنبركجي أن تحقيق التوازن بين ضخ السيولة وضبط الأسعار يتم عبر التحكم بالضخ بما يتناسب مع حجم الإنتاج، والتوقف عن تمويل القطاعات غير المنتجة. بينما يحذر فيومي من أن ضخ السيولة في اقتصاد ضعيف الإنتاج يشبه “سكب الوقود على نار مشتعلة”، إذ يؤدي إلى تضخم جديد إذا لم يوجَّه نحو قطاعات إنتاجية حقيقية، مشددًا على أن الإصلاح النقدي دون إصلاح في بنية الإنتاج ليس حلًا بل تأجيل للأزمة.
ويمكن أن تمثّل العملة الجديدة فرصة لتعزيز القوة الشرائية للمواطنين، شرط أن تترافق مع زيادة الدخل عبر رفع الرواتب الحكومية والخاصة وخلق فرص عمل جديدة من خلال الاستثمارات، بما يعزز الثقة بالاقتصاد والليرة الجديدة ويخفض التضخم، بحسب الزنبركجي. أما فيومي فيرى أن حذف الأصفار لا يحسن القوة الشرائية نظريًا، لأن الأجور والأسعار أعيدت تسميتها رقميًا فقط، مؤكدًا أن القوة الشرائية تُبنى في المصانع ومواقع الإنتاج، مع إمكانية تحقيق أثر نفسي إيجابي إذا ترافق مع خطوات ملموسة تقلل التضخم.
الإجراءات المالية والإصلاحات الهيكلية
يشدد الزنبركجي على ضرورة التوقف عن تمويل العجز الحكومي، وتوجيه التمويل نحو القطاعات المنتجة ذات الربحية العالية، مع ملاحقة القروض المتعثرة، خصوصًا الكبيرة منها، وضمان دفعها بسعر الصرف الحالي، إضافة إلى ملاحقة قضايا الفساد واسترداد الأموال المنهوبة، وتأسيس نظام ضريبي عادل قائم على الفائدة المشتركة.
فيومي يلتقي معه في هذه النقطة، مؤكدًا أن أخطر أعداء أي إصلاح نقدي هو العجز المالي، وأن المطلوب خفض العجز وضبط الإنفاق الجاري غير المنتج، وإعادة هيكلة الدعم ليكون أكثر عدالة، وتحسين تحصيل الإيرادات الضريبية دون إرهاق النشاط الاقتصادي. ويرى أن الإصلاحات الهيكلية شرط أساسي للنجاح، وتشمل إصلاح النظام الضريبي، إعادة هيكلة المؤسسات العامة الخاسرة، ضبط اقتصاد الظل، وتعزيز الحوكمة.
ويتطلب إخراج السوق السوداء من دائرة التسعير تثبيت سعر صرف عادل وحظر تداول العملات الأجنبية خلال فترة الاستبدال مع عقوبات صارمة للمخالفين، إضافة إلى رقابة مشددة على شركات الصرافة وتشجيع الدفع الإلكتروني، طبقًا لزنبركجي.
فيومي يرى أن تقليص دور السوق السوداء ممكن بعد التبديل، لكن إلغاؤها بالكامل يحتاج إلى توحيد سعر الصرف وتوفير القطع الأجنبي عبر القنوات الرسمية، مشددًا على أن السوق الموازي ليس سبب الأزمة بل نتيجة لغياب الثقة واختلال العرض. ويضيف أن الحد من المضاربات والتهريب النقدي يستلزم منظومة رقابية متكاملة تشمل ضبط المعابر، تتبع حركة الأموال الكبيرة، وتنظيم عمل مكاتب الصرافة.
مكانة الليرة والاعتماد على الدولار
يشدد الزنبركجي على ضرورة حظر التعامل بغير الليرة السورية والتسعير بها حصرًا، مع تثبيت سعر الصرف لتحقيق الاستقرار في الأسواق.
فيومي يضيف أن هذه المرحلة فرصة لتقليل الاعتماد على الدولار وتعزيز مكانة الليرة في التعاملات اليومية، عبر فرض التسعير بالليرة وجعل الدولار أداة ادخار لا وسيلة تبادل، مع تقييد التعامل به تدريجيًا وبذكاء لتجنب نشوء أسواق موازية جديدة.
يتفق الخبيران على أن نجاح الإصلاح النقدي مرهون بقدرة المصرف المركزي على ضبط الكتلة النقدية ووقف تمويل العجز، وتوجيه السيولة نحو الإنتاج، إلى جانب إصلاحات هيكلية في المالية العامة والضرائب والدعم.
التحديات العملية في تداول الليرة الجديدة
ورغم الطرح النظري لأدوات السياسة النقدية والمالية، فإن الواقع اليومي يكشف عن صعوبات ملموسة يواجهها المواطنون في التعامل مع الليرة السورية الجديدة، فعملية الحساب وإعادة التكيّف مع الأرقام بعد حذف الأصفار أرهقت المتعاملين، وأوجدت حالة من الارتباك في التسعير وفي المعاملات البسيطة، من شراء السلع إلى دفع الفواتير. هذه الصعوبات تتفاقم مع شح الكميات المطروحة من العملة الجديدة، حيث لم يتم التبديل وفق الخطط المعلنة، ما جعل كثيرًا من المواطنين عاجزين عن الحصول على النقد الكافي لتسيير تعاملاتهم اليومية.
إلى جانب ذلك، يبرز ضعف البنية التحتية المالية كعامل معرقل، إذ يعاني الناس في تسديد فواتير الكهرباء والهاتف والاتصالات، فضلًا عن محدودية نقاط البيع الإلكترونية وقلة أجهزة الصراف الآلي القادرة على التعامل مع الإصدار الجديد، هذه الفجوات التقنية والتنظيمية تجعل الإصلاح النقدي أقرب إلى خطوة شكلية ما لم يُدعَم بتهيئة البنية التحتية اللازمة.
إشكالية مزدوجة
ويستشهد كثيرون بقول الحاكم: “إذا شربت فدع الدور لغيرك”، وهو تصريح يعكس بوضوح أن عملية التبديل لم تُطرح بالكميات الكافية لتلبية الطلب العام، وأن المركزي يواجه تحديًا في توفير السيولة الجديدة بشكل عادل ومتوازن.
هذا الواقع يضع الإصلاح النقدي أمام اختبار مزدوج: ليس فقط في ضبط المؤشرات الكلية كالتضخم وسعر الصرف، بل أيضًا في ضمان انسيابية التعاملات اليومية للمواطنين، وهو ما يشكل جوهر الثقة بالعملة الجديدة.
أيضا هناك إشكالية مزدوجة، وهي أن السوق متعطش للسيولة نتيجة القيود على السحب وحبس النقد في البنوك، ما عطّل الحركة الاقتصادية وأضعف الثقة، وأي ضخ إضافي من العملة الجديدة قد يُنظر إليه كفرصة لتحريك عجلة الاقتصاد، لكنه يحمل خطرًا مزدوجًا، إذا زادت الكتلة النقدية فعليًا، قد يؤدي ذلك إلى ضغط على سعر الصرف وارتفاع التضخم، وإذا بقيت الكتلة ثابتة كما أعلن الحاكم، فإن الأزمة ستظل قائمة ما لم تُعالج مشكلة توزيع السيول وانسيابها في السوق.
الإصدار الجديد، وفق تصريحات الحاكم، يهدف إلى معالجة مشكلة الأوراق التالفة وتحسين جودة التداول، لكنه لا يضمن بالضرورة تحرير السيولة المحبوسة، وهنا يبرز التناقض: السوق يحتاج إلى سيولة متاحة لتحريك العمل، بينما المركزي يخشى أن يؤدي تحريرها إلى انفلات التضخم.
هل يعيد الإصدار تحريك العجلة؟
من الناحية النظرية، طرح العملة الجديدة قد يسهم في تحسين انسيابية التداول النقدي، خصوصًا إذا ترافق مع تحديث البنية التحتية للدفع الإلكتروني وتوسيع نقاط البيع، لكن عمليًا، إذا لم تُرفع القيود عن السحوبات ولم يُسمح بتداول كميات كافية من النقد الجديد، فإن الإصدار سيبقى خطوة شكلية لا تغيّر واقع الحركة الاقتصادية.
إذًا، إطلاق الليرة الجديدة خطوة تقنية ضرورية، لكنها لن تُعيد تحريك عجلة الاقتصاد ما لم تُعالج مشكلة شح السيولة وتقييدها داخل البنوك. السوق يحتاج إلى ضخ نقدي مدروس يوازن بين تلبية الطلب وتحفيز الإنتاج من جهة، وضبط سعر الصرف وكبح التضخم من جهة أخرى. نجاح الإصدار مرهون بقدرة المركزي على تحرير السيولة تدريجيًا وتوجيهها نحو القطاعات المنتجة، وإلا ستبقى العملة الجديدة مجرد تغيير شكلي في الأرقام دون أثر ملموس على حياة الناس.