في يناير/كانون الثاني 2026، لم يعد حضور الملياردير الأمريكي إيلون ماسك، في الملف الإيراني محصورًا بتغريدات أو وعود تقنية؛ بل بدأ عمليا في دعم الاحتجاجات المندلعة ضد نظام طهران منذ أواخر العام 2025 على خلفية التدهور الاقتصادي.
فكيف يدعم ماسك هذه الاحتجاجات عمليًا؟ وما الذي يدفعه للاهتمام بإيران الآن: تعاطفٌ معلن مع الشارع، أم حسابات سياسية واقتصادية أعمق تتقاطع مع أجندات واشنطن وحلفائها؟
دور منصة إكس
تمثلت آخر خطوة في تغيير منصة إكس (التي يملكها ماسك) شكل علم إيران في الإيموجي على المنصة إلى علم “الأسد والشمس” المفضل لدى المعارضين بالخارج.
الخطوة المفاجئة جاءت بعد طلب من أحد المستخدمين الذي وضع وسما لماسك ولمدير المنتجات في الشبكة الاجتماعية، الذي رد عليه: “أعطني بضع ساعات”.
نتيجة لهذه الخطوة، أصبحت الحسابات الرسمية للنظام الإيراني الآن تحمل علم الشاه في ملفاتها الرسمية. وقد كان الأسد والشمس جزءاً من الشعار الرسمي لإيران في عهد الشاه، قبل الثورة الإسلامية عام 1979.
ومنذ بداية الاحتجاجات الحالية، انخرط ماسك في الخطاب الموجّه ضد النظام الإيراني عبر إكس. ففي سابقة لافتة، كتب تعليقًا باللغة الفارسية على أحد منشورات مرشد الجمهورية علي خامنئي، خاطبه فيه بعبارة “زهی خیال باطل” (أي “يا له من وهم باطل”).

انتشر هذا التعليق كالنارٍ في الهشيم حتى تبناه المتظاهرون شعارًا يهتفون به في الشوارع ضد المرشد، مما يظهر مدى انخراط الملياردير الأمريكي في تأجيج المشاعر المناهضة للنظام.
دور إكس سبيس
إلى جانب ذلك، كانت دعوات ناشطي المعارضة لماسك بالتدخل صاخبة على المنصات الدولية، إذ ناشدوا صاحب شركة “سبيس إكس” التي تُشغل خدمة “ستارلينك” بأن يوفر لهم الإنترنت الفضائي.
ودعا هؤلاء لكسر حاجز التعتيم، حيث يعاني الإيرانيون، منذ 8 يناير/كانون الثاني، من انقطاع شبه كامل للإنترنت، مع اتساع رقعة الاحتجاجات المناهضة للحكومة في أنحاء البلاد.
ولا توجد، حتى الآن، أي تأكيدات عملية على تفعيل الخدمة داخل إيران خلال موجة الانقطاع الأخيرة، لكن ماسك اتخذ عدة خطوات وأطلق تصريحات في هذا الشأن سابقا:
- فعّل ماسك الخدمة خلال مواجهة الـ 12 يوما بين إيران و”إسرائيل” أثناء قطع طهران للإنترنت.
- أثناء المظاهرات ضد مقتل الشابة مهسا أميني أواخر 2022 قال إن شركته تقترب من حيازة 100 جهاز ستارلينك تعمل في إيران.
أجندة أمريكية إسرائيلية
تناغمت خطوات ماسك مع مصالح إستراتيجية أمريكية وإسرائيلية في طهران. فمنذ الثورة الإيرانية، لم تُخفِ واشنطن رغبتها في إسقاط الحكومة في طهران، ويبدو أن أهم حليف لها في هذه الجهود اليوم قد يكون في وادي السيليكون وليس الـCIA.
كما سارعت “إسرائيل” لدعم الاحتجاجات الحالية عبر تصريحات رسمية وإبداء الاستعداد العلني لمساعدة المتظاهرين فيما اعتبر محاولة لتفجير إيران من الداخل بعد فشل المواجهات العسكرية في إسقاط النظام.
وساعد توفير ماسك للإنترنت الحر عبر ستارلينك في تقويض قبضة طهران المعلوماتية وخلق قنوات اتصال موازية للناشطين وحتى لعملاء أمريكيين وإسرائيليين داخل إيران، فعندما وجهت “إسرائيل” والولايات المتحدة في يونيو/حزيران 2025، ضربات عسكرية لإيران، قطعت السلطات الإيرانية الإنترنت 11 يومًا كاملًا، ليظهر دور ستارلينك المحوري.
فوقتها، جرى تهريب آلاف الأجهزة إلى عمق إيران بمساعدة أجهزة استخبارية أجنبية عبر الحدود، مما أدى لوجود نحو 20 ألف محطة ستارلينك سرية تعمل داخل البلاد، وفق جيروزاليم بوست العبرية.
تقول الصحيفة إنه “بفضل هذه الشبكة الموازية، انطلقت صور ومقاطع للاحتفالات بقصف مواقع النظام وانتشار مشاهد الاحتجاج دون قدرة الرقابة الإيرانية على حجبها، وبوضوح، حقق ماسك ما عجزت عنه الحكومات: اختراق الحصار المعلوماتي وتمكين حملة لزعزعة النظام من الداخل”.
هذا الدعم لم يكن إجراءً عشوائيًا، بل جاء استجابة لنداءات من شخصيات ضمن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب طالبت ماسك علنًا على منصة إكس بأن يوجه “الضربة القاضية للنظام الإيراني” عبر تزويد الإيرانيين بإنترنت مجاني.
وقد أظهرت وثائق غربية أن ماسك حافظ على علاقات وطيدة مع أجهزة الأمن القومي الأمريكي؛ فشركة سبيس إكس التي يملكها عقدت اتفاقيات بمليارات الدولارات مع البنتاغون ووكالات استخباراتية لتطوير أقمار تجسس.
وخلال موجة المظاهرات الحالية، نقلت “جيروزاليم بوست” عن مصادر مطلعة، أن ألموغ كوهين، وهو وزير دولة في مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي، تواصل مع المستثمر الإسرائيلي الأمريكي دوفي فرانسيس، للاستفسار عما إذا كانت شركة “ستارلينك” تعمل داخل إيران.
وأكد فرانسيس أنه تحدث مع إيلون ماسك، لكنه لم يفصل ما دار بينهما أو ما إذا كان قد تم اتخاذ أي إجراء لاحق.
ورأى معهد القدس الإسرائيلي للدراسات الأمنية (JISS) في ورقة تحليلية أن تمكين الإيرانيين من الوصول الحر لستارلينك قد يرجح كفة معارضي النظام ويعجّل بانهياره – وهو هدف يلتقي مع مصالح “إسرائيل”.
أهداف اقتصادية
لم تكن هذه التحركات لأجل “حرية التعبير” فحسب، بل جزء من أجندة أوسع تتعلق بالموارد والنفوذ وأبرزها على الليثيوم الذي يطلق عليه “نفط القرن الحادي والعشرين”.
فقد اكتُشف في مدينة همدان الإيرانية في مارس/آذار 8.5 ملايين طن من احتياطيات الليثيوم (أكبر نسبة عالميا). وجاء اكتشاف المعدن الثمين المستخدم في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية والأجهزة الإلكترونية ليثير قلقًا في “إسرائيل” والغرب نظرًا لأهميته الإستراتيجية.
ومن المثير أن ماسك نفسه لمّح سابقًا إلى الاستعداد للإطاحة بحكومات من أجل تأمين الليثيوم حين كتب على إكس عام 2020: “سنُنَفِّذ انقلابًا على من نشاء! تعايشوا مع الأمر”.
هذه العقلية تعكس استعداد ماسك لوضع يده على الموارد مهما كان الثمن السياسي، وذلك كما فعل ترامب لدى اختطافه رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو للسيطرة على النفط.
وفي السياق الإيراني، يرى محللون أن توفّر إيران على كنز الليثيوم يجعلها هدفًا لكبرى الصناعات، وقد يضغط الغرب لانتزاعها من مدار الصين وروسيا.
لذا، يتقاطع طموح ماسك الصناعي (سيارات تيسلا وبطارياتها) مع مصلحة واشنطن في تغيير النظام الإيراني لضمان وصول غير مقيّد لهذه الثروة الإستراتيجية مستقبلًا.
ما موقف طهران؟
تعاملت طهران مع تحركات ماسك بريبة واعتبرتها جزءًا من مخطط أمريكي-إسرائيلي أوسع. فعندما تصاعد دور ستارلينك في إيران، سارعت السلطات لحظر أجهزته واعتبارها غير قانونية، حتى أن البرلمان الإيراني مرّر تشريعات تجرّم استخدام الإنترنت الفضائي دون ترخيص.
وحذرت طهران مواطنيها صراحةً من أن تنصيب صحون ستارلينك سيضعهم تحت طائلة العقاب، وتقدمت بشكوى للاتحاد الدولي للاتصالات تطالب فيها بإيقاف بث ستارلينك غير المصرّح به فوق أراضيها.
في الإعلام الإيراني، رُسمت صورة ماسك كشخص ذي نوايا تخريبية مبيتة. فقد تحدثت وكالة تسنيم في يناير/كانون الثاني 2026، عن تفعيله لشبكة الإنترنت فوق البلاد، معتبرةً ذلك تنسيقًا واضحًا مع العمليات الإسرائيلية والأمريكية.
كما سلّطت الصحافة الإيرانية الضوء على الترحيب الإسرائيلي بدور ماسك. فمثلًا، قناة 14 الإسرائيلية كشفت أن الملياردير الأمريكي وعد بإبقاء خدمة ستارلينك مجانية للإيرانيين طوال استمرار الاحتجاجات، وأوعز لفريقه التقني بإحباط جهود النظام الإيراني للتشويش عليها.
وهو ما دفع وكالة تسنيم لاعتبار ماسك شريكًا ضمنيًا في “مؤامرة دولية ضد إيران، تستهدف تقديم الدعم اللوجستي والتقني للضغط على الجمهورية الإسلامية وإسقاطها”.
ولم يتوانَ الإعلام التابع لطهران عن وصف هذه التحركات بأنها حرب هجينة تجمع بين التفوق التقني الأمريكي والإسرائيلي وبين الحملات النفسية والإعلامية ضد الدولة.
في المحصلة، لم يعد اهتمام إيلون ماسك بإيران مجرد فضول ثقافي أو تعاطف معلن مع الشارع، بل بات جزءًا من معادلة نفوذ دولية تتقاطع فيها أجندات سياسية ومصالح اقتصادية، وتُدار بأدوات التكنولوجيا والرموز والسيطرة على “ساحة الاتصال”.