في تصريح غير مسبوق، أعلن رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو عن هدفه إنهاء اعتماد “إسرائيل” على المساعدات العسكرية الأمريكية خلال السنوات العشر المقبلة “إلى الصفر”.
وقال نتنياهو في مقابلة مع مجلة الإيكونوميست إنه أبلغ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مؤخرًا بأن “إسرائيل تُقدِّر بعمق المساعدة العسكرية التي قدمتها لنا أمريكا على مر السنين، لكننا أيضًا بلغنا مرحلة النضوج وطورنا قدرات مذهلة”، وفق تعبيره.
وتأتي هذه التصريحات مع اقتراب انتهاء اتفاق المساعدات الحالي عام 2028 وعدم نيته “تل أبيب” طلب تجديده بالكامل، لكنها تثير تساؤلات عن مدى إمكانية وقف اعتماد “إسرائيل” العسكري على واشنطن.
بالأرقام.. عقود من المساعدات الأمريكية
لطالما كانت “إسرائيل” أكبر متلقٍ تراكمي للمساعدات الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية.
- منذ تأسيسها عام 1948، قدمت الولايات المتحدة لـ”إسرائيل” نحو 174 مليار دولار من المساعدات الاقتصادية والعسكرية (بالأسعار الجارية غير المعدلة للتضخم)، ما يعادل ما يزيد عن 300 مليار دولار بأسعار اليوم.
- خلال الفترة 1971-2007 قدمت واشنطن مساعدات اقتصادية كبيرة لـ”إسرائيل”، لكن منذ 2008 أصبحت كل المساعدات تقريبًا عسكرية.
- توج هذا الاتجاه بتوقيع مذكرة تفاهم عام 2016 التزمت فيها الولايات المتحدة بتقديم 38 مليار دولار لـ”إسرائيل” في الفترة 2019-2028 (بمعدل 3.8 مليار سنويًا منها 500 مليون لمنظومات الدفاع الصاروخي).
- هذه المساعدات تمول بشكل أساسي مشتريات جيش الاحتلال من الأسلحة الأمريكية المتطورة، حيث غطت واشنطن نحو 20% من موازنته في السنوات التي سبقت حرب غزة الأخيرة.
خلال أوقات الحرب، تتدفق المساعدات الأمريكية إلى “إسرائيل” بوتيرة استثنائية.
- في حرب أكتوبر 1973 على سبيل المثال، نفذت واشنطن عملية جسر جوي طارئ لإمداد “إسرائيل” بذخائر وأسلحة.
- وافق الكونغرس على حزمة طارئة بقيمة 2.2 مليار دولار لمساعدتها على إعادة بناء قدراتها العسكرية بعد الحرب.
- برز العدوان على غزة (2023-2025) كنموذج صارخ لازدياد الاعتماد الإسرائيلي العسكري على واشنطن وقت الأزمات (21.7 مليار دولار مساعدات) وهي أرقام لا تشمل المنح النقدية الطارئة وصفقات بيع الأسلحة وتكاليف توريدها من المخزونات الأمريكية.
وبحسب وزارة جيش الاحتلال، منذ أكتوبر 2023 حتى منتصف 2025 هبطت في “إسرائيل” 800 رحلة شحن عسكرية أمريكية ونُفذت 140 شحنة بحرية محملة بحوالي 90 ألف طن من المعدات والأسلحة والعربات المدرعة وحتى مؤن طبية.

ما دوافع الإعلان؟
إعلان نتنياهو السعي لـ”الاستقلالية العسكرية” يأتي على وقع تنامي الانتقادات والضغوط الأمريكية بشأن كلفة دعم “إسرائيل”، فعلى مدى سنوات، تصاعدت أصوات في الرأي العام الأمريكي تندد بأن مليارات الدولارات من أموال دافعي الضرائب تُنفق لتمويل جيش الاحتلال، خصوصًا مع مشاهد الدمار وسقوط الضحايا المدنيين في العدوان على غزة.
واستطلعت مؤسسات بحثية مرموقة هذا التحول في المزاج الشعبي:
- بحسب استطلاع لأسوشيتد برس – NORC في سبتمبر/أيلول 2025: انخفضت نسبة الأمريكيين الذين يرون أن دعم جيش الاحتلال أمر “مهم جدًا” من 36% عند بداية حرب غزة إلى 20% فقط بعد عامين من اندلاعها.
- كشف استطلاع جامعة كوينيبياك في أغسطس/آب 2025 أن: 60% من الناخبين الأمريكيين يعارضون تقديم مزيد من المساعدات العسكرية لـ”إسرائيل” مقابل تأييد 32% فقط.
- حتى في أوساط الجمهوريين المؤيدين تاريخيًا لـ”إسرائيل”، بدأت قاعدة أنصار ترامب تتجه نحو النزعة الانعزالية وتقليص الإنفاق الخارجي. وقد رصدت تقارير أمريكية أن تأييد “تل أبيب” لم يعد قضية جامعة كما كان سابقًا.
هذا التحول الشعبي تُرجم إلى حراك سياسي بالكونغرس. فخلال حرب غزة الأخيرة، دعا بعض المشرّعين لإعادة تقييم العلاقة مع “إسرائيل”.
- حاول السيناتور بيرني ساندرز تمرير قرارات لعرقلة صفقات أسلحة أمريكية لـ”إسرائيل” على خلفية العدوان على غزة.
- بدأ الكونغرس نفسه بالتدقيق أكثر في أوجه استخدام المساعدات عبر “قانون ليهي” الذي يشترط ألا تُستخدم المعدات الأمريكية في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، ما أثار نقاشات حول إمكانية تطبيقه على الحالة الإسرائيلية.
من جهة أخرى، هناك اعتبارات سياسية ومالية داخلية في الولايات المتحدة تدفع نحو تقليص الدعم الخارجي. فمع عجز الميزانية الأمريكية وضغوط الإنفاق، يطالب قطاع عريض من الأمريكيين بأن تُوجَّه الأموال لعلاج مشاكل الداخل بدلًا من تمويل حروب الخارج.
ولعل نتنياهو التقط هذه الرسائل جيدًا؛ فتصريحه أن “إسرائيل تشكر الدعم الأمريكي لكنه حان الوقت لضمان استقلالنا”، يبدو موجَّهًا جزئيًا إلى تهدئة هذا الجدل المتصاعد.
ولاقت تصريحات نتنياهو ترحيبًا فوريًا من بعض الأصوات الأمريكية المؤثرة التي رأت فيها فرصة لتخفيف الالتزامات المالية على واشنطن.
فقد سارع السيناتور الجمهوري البارز ليندسي غراهام – وهو حليف وثيق لترامب وداعم تقليدي لـ”إسرائيل” – إلى الإشادة بتوجه نتنياهو، مؤكدًا أن “علينا ألا ننتظر عشر سنوات للبدء في تقليص المساعدات”.
غراهام أشار صراحةً إلى أن الأموال المقتصدة من وقف المساعدات لـ”إسرائيل” يجب أن تُعاد لضخها في الجيش الأمريكي، وأعلن أنه سيقدم مقترحًا لـ”تل أبيب” وإدارة ترامب لتسريع الجدول الزمني لإنهاء المساعدات.
هل يمكن لـ”إسرائيل” الاستغناء فعلا؟
إعلان نتنياهو الطموح يثير سؤالًا جوهريًا: هل تستطيع “إسرائيل” فعليًا التخلي عن الدعم العسكري الأمريكي؟ – للإجابة، يجب النظر في نقاط القوة وكذلك التحديات.
1- الكلفة الاقتصادية
يعد الاقتصاد الإسرائيلي من بين الأكبر في الشرق الأوسط مع ناتج محلي إجمالي يناهز 600 مليار دولار سنويًا، ونمو متوقع يتجاوز 4% عام 2026 بحسب منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.
وأقرت حكومة الاحتلال في ديسمبر/كانون الأول 2025، خطة لاستثمار 350 مليار شيكل (نحو 110 مليار دولار) في تطوير صناعة أسلحة محلية مستقلة بهدف تقليل الاعتماد على الخارج، مما قد يمكنها من تصنيع كثير مما كانت تستورده بتمويل أمريكي.
كما أنها تُعدّ بالفعل من كبار مُصدّري السلاح عالمياً – فقد حققت صناعتها العسكرية ارتفاعًا بحوالي 13% في قيمة الصادرات عام 2025 – وتوقيعها عقود ضخمة لتزويد دول عدة بمنظومات مثل الدفاع الجوي متعدد الطبقات.
لكن في المقابل، هناك عقبات ومخاطر محتملة، أبرزها أن فقدان 3.8 مليار دولار سنويًا سيترك فجوة لا يُستهان بها في الموازنة العسكرية، فحتى مع اقتصاد قوي، ستكون حكومة الاحتلال مطالبة بتوفير هذا المبلغ من مصادر أخرى سنويًا – وهو ما قد يأتي على حساب بنود مدنية أو يرفع عبء الضرائب محليًا.
خلال حرب غزة الأخيرة، ارتفع الإنفاق العسكري الإسرائيلي بشكل هائل (تقدر مصادر أنه تجاوز 10 مليارات دولار إضافية خلال أسابيع) مما اضطر الحكومة لإقرار ميزانيات طارئة.
في غياب الدعم الأمريكي، سيتعين على “إسرائيل” تحمل تكاليف الحروب والأزمات الأمنية وحدها بالكامل، وهو تحدٍ كبير بالنظر إلى بيئة إقليمية غير مستقرة.
2- الجانب اللوجستي
كذلك فإن الاعتماد على الأسلحة الأمريكية يتجاوز مسألة التمويل إلى الجوانب اللوجستية والتقنية، فجيش الاحتلال مبني إلى حد كبير على المنظومات الأمريكية – من الطائرات المقاتلة إلى المروحيات وحتى دبابات “ميركافا” الإسرائيلية تستخدم قطعًا ومحركات أمريكية.
ولذلك فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي يتطلب سنوات من بناء قدرات التصنيع المحلية لكل هذه المنظومات أو إيجاد بدائل أخرى.
وربما لهذا أكد خبراء أن إنهاء المساعدة لا يعني إنهاء التحالف أو التعاون العسكري، بل فقط التمويل المجاني، فـ”إسرائيل” قد تستمر في الحصول على مقاتلات وأنظمة أمريكية متقدمة ولكن كمشتري يدفع الثمن كاملاً هذه المرة.
3- بعد إستراتيجي سياسي
لطالما مثلت المساعدات الأمريكية ورقة نفوذ لواشنطن في سياساتها الشرق أوسطية، وضمانة لاستمرار تفوق “إسرائيل” عسكريًا على جيرانها.
والتخلي عن المساعدات قد يحرر القرار الإسرائيلي جزئيًا من الضغوط الأمريكية، لكنه في الوقت نفسه قد يدفع بعض الأطراف داخل الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في التزامات أخرى تجاه “إسرائيل”.
فعلى سبيل المثال، قد تتراجع تلقائيًا أولوية “إسرائيل” في الحصول على أحدث المنظومات الأمريكية إذا لم تعد هناك معونات تربط الجانبين (رغم بقاء تل أبيب حليفًا رئيسيًا من خارج الناتو).
كما أن غياب المساعدة قد يفتح الباب أمام تعاون أوسع لـ”إسرائيل” مع قوى عالمية أخرى. وشهدنا بالفعل تنامي علاقات “تل أبيب” العسكرية مؤخرا مع دول مثل الهند وألمانيا، وحتى اتصالات تقنية مع الصين في فترات سابقة أوقفتها الاعتراضات الأمريكية.
بدون المعونات وقيودها، ربما تصبح “إسرائيل” أكثر حرية في تنويع شراكاتها التسليحية للحصول على أفضل العروض العالمية، وهو ما قد يثير حساسيات جيوسياسية جديدة.
لذا يرجح المحللون أن الفطام عن المعونة الأمريكية سيكون تدريجيًا وحذرًا. وربما نشهد خلال العقد المقبل تقليصًا مرحليًا لحجم المساعدات بدلًا من قطعها فجأة، بحيث تزيد “إسرائيل” مساهمتها الذاتية عامًا بعد عام بينما يتراجع التمويل الأمريكي ببطء.
كما قد تسعى الحكومتان لإعادة صياغة الشراكة الأمنية بشكل جديد؛ فبدلًا من منح نقدية مباشرة، ربما يستمر التعاون عبر مشاريع بحث وتطوير مشتركة وتمارين عسكرية ومخزونات طوارئ تبقى في “إسرائيل”.
بهذه الطريقة، تضمن “إسرائيل” استمرار الدعم التقني والإستراتيجي من الولايات المتحدة حتى لو توقف الدعم المالي.