تتابع دول الخليج تطورات المشهد الإيراني بقدرٍ عالٍ من الحذر والترقّب، في ظل استمرار الاحتجاجات منذ أكثر من أسبوعين، وما يرافقها من مخاوف حقيقية من انزلاق الأوضاع نحو مستويات أكثر تعقيدًا قد تتجاوز الخطوط الحمراء وتخرج عن نطاق السيطرة.
وقد اندلعت هذه الاحتجاجات على خلفية التدهور الحاد في الأوضاع الاقتصادية والمعيشية، وأسفرت، بحسب إحصاءات وكالة “أنباء نشطاء حقوق الإنسان” ( مستقلة ومقرها الولايات المتحدة)، عن سقوط ما لا يقل عن 116 قتيلًا واعتقال أكثر من 2600 شخص، ما يعكس حجم التوتر الداخلي وحدّة المواجهة بين الشارع والسلطات.
في هذا السياق، تبدو المقاربة الخليجية إزاء التطورات الإيرانية محكومة بتوازن دقيق بين بعدين متداخلين، أولهما إرث الخصومة السياسية والاستراتيجية مع طهران، وثانيهما الهواجس المرتبطة بتداعيات أي انفلات داخلي واسع قد يُحدث اختلالًا في موازين القوى، ويفتح الباب أمام إعادة تشكيل الخريطة الإقليمية على نحو يصعب احتواء انعكاساته.
مشاهد تصعيد في يزد الإيرانية، بعد إقدام متظاهرين على إحراق ميدان الإمام حسين وبلوار بهشتي ضمن موجة احتجاجات متواصلة. pic.twitter.com/g6XqKw2Ej3
— نون بوست (@NoonPost) January 11, 2026
محددات الموقف الخليجي
يحكم الموقف الخليجي حيال الاحتجاجات الإيرانية أربعة محددات رئيسية تتداخل في ما بينها وتُشكّل الإطار الناظم للتعاطي مع هذا الملف الحساس.
أولًا: المحدد السياسي، ويتمثل في حسابات موازين القوة الإقليمية، واعتبارات شبكة العلاقات الخليجية مع الولايات المتحدة والمعسكرين الغربي والشرقي على حد سواء، إذ تؤدي هذه المعادلات المتشابكة دورًا محوريًا في صياغة خطاب خليجي محسوب تجاه طهران، يراعي التحالفات الدولية ولا يغامر بإرباكها.
ثانيًا: المحدد الأمني، المرتبط بالمخاوف من تداعيات الاحتجاجات واحتمالات امتدادها خارج الجغرافيا الإيرانية، سواء عبر انتقال “عدوى” الاضطرابات أو عبر انعكاسات غير مباشرة قد تمس أمن واستقرار دول الخليج، في بيئة إقليمية شديدة الحساسية.
ثالثًا: المحدد العسكري، المتصل باتساع دائرة الصراع الإقليمي مع إيران، واحتمالات لجوء طهران إلى تنشيط أذرعها الإقليمية في ساحات التوتر القائمة، سواء في اليمن عبر الحوثيين، أو في لبنان من خلال حزب الله، أو في العراق عبر الحشد الشعبي. وهو سيناريو من شأنه رفع الكلفة الخليجية على المستويات الاقتصادية والأمنية، وربما السياسية، في حال انزلاق التطورات نحو مسارات أكثر تصعيدًا.
رابعًا: المحدد الاقتصادي، والذي يشكّل بدوره عنصرًا حاسمًا في صياغة الموقف الخليجي، إذ إن أي تسرّع أو تهوّر في تبنّي مواقف حادة إزاء هذه التطورات قد يضع المصافي النفطية الخليجية وسائر المصالح الاقتصادية الحيوية في دائرة الاستهداف الإيراني، وهو سيناريو يُنظر إليه بوصفه كابوسًا استراتيجيًا، من شأنه تعريض موارد الخليج ومرتكزات أمنه الاقتصادي لمخاطر جسيمة.
الانهيار المفاجئ والتآكل البطيء.. ثنائية المقاربة الخليجية
يحتل مستقبل النظام الإيراني، مع اتساع رقعة الاحتجاجات رأسيًا وأفقيًا، موقعًا متقدمًا في دوائر النقاش الخليجي، وعودة السؤال الجوهري حول مآلاتها: هل تتجه إيران نحو انفجار كبير ومفاجئ، أم نحو تآكل بطيء ينتهي بتغيير من داخل النظام؟ وأيّ من هذين المسارين سيكون أقل كلفة على أمن الخليج واستقراره؟
في هذا الإطار، يلفت أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الكويت محمد الرميحي إلى أن المعيار الحاسم خليجيًا لا يتمثل في الرغبات أو التمنيات، بل في حسابات التأثير المباشر على الأمن الإقليمي في المديين القريب والمتوسط، معتبرًا أن كلا السيناريوهين ينطوي على كلفة، وإن اختلفت طبيعتها وحدّتها.
من منظور أمني خليجي، يرى الرميحي أن سيناريو “الانفجار الكبير”—أي الانهيار المفاجئ والشامل للنظام—يظل الأخطر، حتى وإن لم تكتمل شروط تحققه بعد، فغياب انتفاضة شعبية جامعة، أو انقسام حاسم داخل البنية الصلبة للنظام، أو بيئة دولية مهيأة للتغيير الجذري، لا يلغي خطورة هذا الاحتمال.
إذ إن انهيار الدولة الإيرانية بصورة مركزية قد يفتح الباب أمام فوضى داخلية وصراعات قومية ومؤسسية، مع احتمالات تسرب العنف خارج الحدود، فضلًا عن استدعاء تدخلات دولية وإقليمية تعيد الخليج إلى قلب صراع مفتوح غير قابل للتنبؤ بمآلاته أو سقوفه الزمنية، وهو سيناريو تتحاشاه معظم القوى المؤثرة.
في المقابل، يبدو سيناريو “التآكل البطيء” أكثر اتساقًا مع المعطيات الراهنة، حيث يتعرض النظام لضغوط اقتصادية واجتماعية متراكمة تدفعه إلى تغيرات تدريجية من الداخل، دون سقوط فجائي، وتتجلى ملامح هذا المسار في تراجع الخطاب الثوري لصالح البراغماتية، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتحول الاحتجاجات إلى ظاهرة دورية، غير أن هذا السيناريو، وإن كان أقل خطورة من الانفجار الشامل، يطرح إزعاجًا استراتيجيًا طويل الأمد للخليج، إذ إن إيران المأزومة داخليًا قد تميل إلى تصدير أزماتها عبر الساحات الإقليمية.
ويخلص الرميحي إلى أن صيانة أمن الخليج لا تتحقق بانتظار لحظة سقوط كبرى في طهران، بل عبر فهم عميق لمسار التآكل واحتمالات المفاجأة، والاستعداد لتداعياتها بسياسات طويلة النفس توازن بين الردع والتحوط، وتحد من مخاطر الانهيار—سواء أكان بطيئًا أم مفاجئًا—دون الانزلاق إلى صدام شامل.
خلل التوازن الاستراتيجي إقليميًا
على الرغم من الخصومة التاريخية التي طبعت العلاقات بين طهران والعواصم الخليجية على مدى العقود الأربعة الماضية، يتنامى في دوائر القرار الخليجي قلقٌ استراتيجي صامت، ينطلق من إدراك مفاده أن الانهيار الكامل لطهران وسقوط نظام الملالي لا يشكّلان بالضرورة مدخلًا إلى الاستقرار، بل قد يفتحان مسارًا فوضويًا غير منضبط، يخلّف فراغًا جيوسياسيًا واسع التأثير.
فإيران، وبرغم سياساتها التوسعية وشبكة أذرعها الإقليمية، شكّلت ـــ وفق هذا التصور ـــ عنصر توازن نسبي في معادلة القوة الإقليمية على مدى عقود، ويثير غيابها أو إضعافها الحاد مخاوف جدية من انفراد إسرائيل بالمشهد الإقليمي في ظل غياب كوابح فعّالة.
وفي هذا الإطار، تجد دول الخليج نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد، عالقة بين سندان إيران ومطرقة إسرائيل؛ فبالرغم مما مثّله “السندان الإيراني” من ضغط أمني وسياسي مزمن، إلا أن “المطرقة الإسرائيلية” قد تكون أشد وطأة في حال غاب المنافس الإقليمي الوحيد القادر على إشغال تل أبيب.
تشير معطيات كثيرة إلى أن المواجهة بين إيران و"إسرائيل" باتت حتمية وقريبة، رغم التعويل الأمريكي الإسرائيلي على الاحتجاجات الإيرانية كفرصة لتقويض النظام. pic.twitter.com/OiJpH2dDfH
— نون بوست (@NoonPost) January 9, 2026
ومن هنا، تتعزز المخاوف من أن تستثمر إسرائيل أي فراغ ناتج عن انهيار إيراني لتوسيع نفوذها العسكري والسياسي في المشرق العربي، بما يقلّص هامش المناورة العربية، ويعزز منطق القوة على حساب التسويات، ولا سيما في القضايا المزمنة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
وفي سياق متصل، تنظر العواصم الخليجية والعربية بحذر بالغ إلى سيناريوهات “هندسة” بدائل سياسية لإيران من الخارج، خشية أن تفضي إلى نظام جديد أكثر ارتهانًا لإسرائيل وحلفائها من كونه شريكًا إقليميًا مسؤولًا، وهو ما يجعل انهيار النظام مغامرة قد يكون لها ارتداداتها العكسية طويلة المدى التي تتجاوز مكاسبها المؤقتة.
دبلوماسية حذرة وحذر دبلوماسي
وفق هذه المقاربات، اعتمدت دول الخليج دبلوماسية حذرة في تعاطيها مع تطورات المشهد الإيراني، متجنبة الانزلاق إلى منطق التحريض أو التدخل المباشر، ومفضلة النأي بالنفس عن مستنقع داخلي شديد الحساسية، وقد شكّل الحذر السمة الغالبة على الموقف الخليجي، انطلاقًا من قناعة بأن أي انخراط غير محسوب قد يفضي إلى تداعيات إقليمية يصعب ضبطها.
وفي هذا الإطار، كثّفت وزارات الخارجية الخليجية، منذ اندلاع الاحتجاجات، اتصالاتها الدبلوماسية مع نظيرتها الإيرانية، لبحث تطورات الوضع وسبل التهدئة وتفادي الانزلاق نحو حافة المواجهة، إلى جانب مناقشة القضايا الإقليمية الأوسع، ويعكس هذا السلوك تمسكًا خليجيًا بالتعامل مع النظام الإيراني بوصفه طرفًا إقليميًا قائمًا، وحرصًا على إدارة الخلافات عبر قنوات التواصل بدل التصعيد.
وتكشف المفارقة بين هذا الموقف وما سبق من تعاطٍ خليجي مع احتجاجات سابقة ( 2019 – 2021) عن حجم التحول في مقاربة دول المجلس تجاه طهران، خاصة في أعقاب تفاهمات التهدئة التي أسهمت في تبريد الأجواء المتوترة.
وقد انعكس ذلك بوضوح في الخطاب السياسي والإعلامي الخليجي، الذي اتجه نحو التهدئة وربط الاحتجاجات بعوامل اقتصادية، مبتعدًا عن أي خطاب تعبوي، ويأتي ذلك انسجامًا مع ما عبّر عنه أمين عام مجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي من تأكيد على أن دول المجلس لا ترغب في انهيار إيران، بل تسعى إلى استقرارها وازدهارها، انطلاقًا من رؤية تقوم على حسن الجوار، واحترام السيادة، وبناء مستقبل إقليمي قائم على الحوار والمصالح المشتركة.
في المحصلة، لم تعد تطورات المشهد الإيراني حبيسة حدودها الجغرافية، إذ إن ما يجري في طهران وأصفهان بات يتجاوز كونه شأنًا داخليًا خالصًا، ليرتد بثقله على معادلات الإقليم بأسره.
وحيال ذلك، يقف الخليج في موقع المراقب الحذر، مدركًا أن المشهد أعقد بكثير مما تختزله منصات التواصل أو تغذّيه نزعات الشماتة في الخصم التاريخي، فالرّهانات هنا لا تتعلق بسقوط أو بقاء نظام فحسب، بل بمآلات قد تعيد تشكيل خرائط النفوذ وتوازنات القوة في منطقة رخوة لا تحتمل تحولات كبرى غير محسوبة.