إنسانٌ يكتب الأدب وهو محمَّل بتفاؤل عميق وإيمان راسخ بالإنسانية والمحبة، منبعُهما الثقة في التبادل بين البشر، والاعتقاد في المقولة العربية البسيطة: “أنا منكم وإليكم”. يرى أن معظم الناس يحملون في داخلهم جمالًا لو أُتيحت لهم الفرصة، حتى وإن بدت منهم الشرور في لحظات ما.
من نيويورك، وقبل أيام قليلة، تحدّث الأديب الليبي العالمي هشام مطر إلى “نون بوست” بعد سعي بلغ عامًا ونصف تقريبًا، بينما كان يراجع الترجمة العربية لروايته الأحدث “أصدقائي”، التي حصدت وترشحت لعدة جوائز منذ صدورها عام 2024. ومن المتوقع أن تصدر ترجمتها العربية قريبًا عن دار الشروق في مصر. أما أحدث مشاريعه فتمثّل في ترجمة كتاب أحلام فترة النقاهة للأديب المصري الحائز على جائزة نوبل نجيب محفوظ إلى الإنجليزية، الصادرة في مايو الماضي بعنوان: “I Found Myself… The Last Dreams”، مع تقديم بقلم مطر وصور لزوجته المصوّرة ديانا. وقد التقى مطر بمحفوظ في مصر، في لحظة بالغة الأهمية من حياته، حين كان محفوظ يكتب هذه الأحلام، وهو لقاء ترك أثرًا عميقًا في وعيه الإنساني والأدبي.
يكتب مطر بالإنجليزية، ولا يملك متسعًا كبيرًا من الوقت لقراءة الأدب المعاصر، لا تكبّرًا بل لضيق الوقت. يعترف بشعوره بالتقصير تجاه أصدقائه الكتّاب من العرب والأجانب، لكنه يؤكد أن القراءة بالنسبة إليه “أكسجين”، وأنه قارئ بطيء يحتاج إلى زمن طويل لإنهاء كتاب واحد.
درس مطر الهندسة المعمارية، لكنه غيّر مساره إلى الكتابة، إنتاجًا وتدريسًا. يميل إلى الكتابة بوصفها وسيلته الأصدق لقول ما يريد، ويُفضّل أن يترك كتابه وحيدًا مع القارئ، يتفاعلان دون حضوره، لأن النص في نظره هو أثمن ما يستطيع أن يقدّمه. يجد إشكالية دائمة بين الكتابة والكلام تجعله ينأى عن الظهور الإعلامي المكثّف، لما يفرضه من ضغوط على الكاتب وعلى الأدب ذاته. ومثلما يستغرق مطر وقتًا طويلًا في القراءة يستغرقه أيضًا في الكتابة؛ فروايته الأحدث كُتبت في ثلاث سنوات بعد أن حمل فكرتها لنحو عقد كامل، فيما استغرق كتابه “العودة” قرابة ثلاث سنوات، وروايتا “اختفاء” و”في بلد الرجال” أربع سنوات في المتوسط لكل منهما، بينما كتب “شهر في سيينا” الذي يمزج فيه بين الفن التشكيلي والسفر والتأمل في ستة أسابيع فقط.
إلى نص الحوار..
أنت فزت بجائزة جورج أورويل للرواية السياسية عن رواية “أصدقائي”. هل ترى العالم العربي في حاجة لجائزة مماثلة للرواية السياسية ربما يطلقها كُتّاب عرب من الخارج كوسيلة من وسائل المقاومة بشكل ما أو التعبير الحر في ظل المناخ العربي العام؟
الجوائز مهمة لكن الاهتمام بها زائد عن اللزوم من قبل القراء والكُتّاب والناشرين كذلك. أنا أهتم بالتنمية أكثر من الجائزة. يعني الكاتب يحتاج مساعدة من أجل الكتابة لأنها لا تأتيه بدخل ويصعب على كاتب الرواية تحديدًا أن يعيش من دخل كتابته. حتى الكُتّاب الناجحين ومن يكتبون الرواية من النوع الرفيع. الجائزة تشجع على النقد الاجتماعي والسياسي، لكن ما أُفضّله من وجهة نظر كاتب يعني هو إعطاء مبلغ ولو بسيط سنويًا على مدار خمس أو عشرة سنوات لمجموعة من الكتاب تناصرهم وتدعمهم وليكن خمسة أو عشرة أو خمسة عشر أو عشرين أو مائة كاتب إن كان لك النفوذ بدلًا من إعطاء جائزة من 50 ألف جنيهًا لكاتب على كتاب واحد سنويًا. يعني وزّع نفس الميزانية على هذا العدد طيلة فترة زمنية ما لأن الكتابة والرواية تستغرق وقتًا. هذا لو كان اهتمامنا هو التنمية ومصاحبة الأدب وصانعيه.
الجائزة تظل جيدة لكن مشكلتها أنها تعطيك فكرة أن الأدب سباق وهو في الحقيقة تعاون وليس سباقًا فالكتابة مهنة مليئة بالتضامن والتعاون. أنت ككاتب حين تجلس في غرفة وحدك وتكتب فأنت في مداخلة مع تاريخ الأدب، ومع كتب أخرى، ومع أصوات كثيرة، ومع كل شخص أثر عليك في حياتك.
دفع والدك ثمنًا كبيرًا لمعارضة القذافي، هل كنت لتعارض القمع أو الطغيان بنفس الطريقة؟ بمعنى آخر، ما طريقتك لمواجهة الاستبداد سواء كان في ديكتاتورية أو ديمقراطية كما نشهد في العالم اليوم؟
الوالد كان سياسيًا وعنده طريقة خاصة وأفكار يريد تحقيقها في بلاده تخص إدارة الحريات والوجود الاجتماعي الذي يعطي حرية للصحافة واستقلالية للقانون. أفكار كلها تعتبر مخالفة تمامًا للنظام الحاكم في ليبيا وقتها.. نظام القذافي.
أتفق مع والدي في أفكار كثيرة لكن شخصياتنا مختلفة والجميل أنه كان دائمًا يشجعني على اختياراتي. أنا مهتم أكثر بالفن والفلسفة والفكر. ومع أني متوافق معاه في الأفكار ونظرته السياسية لكن أسلوبي مختلف. أنا لا أنظر لنفسي على أني كاتب نوع معين من الرواية أو الأدب. لا أنظر لنفسي ككاتب سياسي أو كاتب معارض.
بالنسبة لي الكتابة والمشروع الكتابي هو ما يقود الفكر ولستُ أنا من يقود. لستُ ضد من يفعل هذا فهناك كتاب ممتازون يفعلونه لكنها ليست طريقتي. عندما منحوا جائزة جورج أورويل للرواية السياسية لروايتي “أصدقائي”، فرحتُ بهذا التكريم فأنا لستُ ضد من يرى الرواية وفق هذه المقاييس لكن هذا فقط ليس المكان الذي أكتب منه. أعرف أن الفكرة يصعب فهمها أحيانًا وقد تُرى مليئة بالتناقضات، لكن الأمر بسيط بالنسبة لي. أنت دخلت المطبخ لتطهين شيئًا تطلبه نفسك اليوم ثم زارك أصدقاء ووجدوا عندك الطعام الذي يشتهونه. ستفرحين أن ما يعجبك وافقهم لكنك لم تطهيه لأجلهم من البداية.
الكتابة تخرج من هوس معين.. حتى كلمة هوس عندي معها إشكالية.. هي مثل الحلم. كل الكتب التي كتبتها سواء الرواية أو السيرة بدأت من صورة أو صوت أو حس معين دون أن أعرف ما سيأتي بعدها لكن شيئًا ما يجذبني. هكذا بدأت رواية “أصدقائي” بجملة طويلة مليئة بالدوران والشوق والرغبة في قياس المسافة بين الوجدان والوجود. جملة واحدة لا أعرف من يقولها ولا في أي سياق ولا سبب هذا الشعور.
كتبتها وظلت معي نحو 8 أو 9 سنوات قبل أن أجلس وأُكمل الرواية كلها. هناك دراما تمسك أي قصة، وهناك أسئلة أعمق وجودية أو فلسفية تمسك العمل. هكذا تكون البداية. أنت لا تقفز على العمل وتقرر أن يكون سياسيًا أو عاطفيًا أو ثوريًا. الكتابة محاولة لتعرية ذاتك. ستكتب ما يجذبك بغض النظر عن صداه أو إعجاب الناس به فإن أعجبهم لن تجد نفسك وحيدًا في مشاعرك هذه.
هل تشعر بمسؤولية التعبير عمن لا صوت لهم أم أن هذا عبء يجب على الكاتب مقاومته؟
لا أشعر بذلك عن وعي. هناك إشكالية تقرير من الذي لا صوت له. الكثيرون لا صوت لهم. لديّ عاطفة أخلاقية وسياسية مع المقولة، لكن لديّ شكوك فنية معها. وكقارئ -لأني قارئ أكثر من كوني كاتب- فأنا أريد العيش في ثقافة تعددية تسمح لكل الأصوات بالظهور وتسمح للمهمشين بأن يكونوا جزءًا من الحوار. هكذا تكون التعددية الحقيقية وليس بإعطاء مسؤولية تمثيل من لا صوت لهم لبعض الأشخاص.
المنفى في كتاباتك ليس فقط سياسيًا بل يحمل بُعدًا حميميًا أيضًا. إلى أي مدى أصبح المنفى عدسة ترى بها العالم وتنعكس على كتاباتك بل وعلى تدريسك الجامعي أيضًا مع مادة أدب المنفى التي تدرسها؟
بدون شك المنفى عامل قوي جدًا في حياتي وفي تكويني كإنسان. أنا عشت بين ثقافتين، وأنا ابن لهما. أنا عربي للصميم. تربيتُ كعربي وهذه جذوري وناسي وأهلي، لكني تربّيتُ في الغرب -في بريطانيا بصفة خاصة- منذ كان عمري 15 عامًا. أنا اليوم 55 عامًا وكل هذا العمر عشتُه مع الغرب، وفي لغة الغرب التي أكتب بها.
أهم علاقة للكاتب هي علاقته باللغة التي يستخدمها. اللغة ليست فقط منظومة مفاهيم فقط بل فلسفة وحس وعاطفة وتاريخ ونفسية. هناك سبب عميق ومهم جدًا لكلمة الظلم بالعربية التي هي عكس النور بينما في الإنجليزية هي عكس العدل injustice. يبدو الأمر بسيطًا لكنه فلسفة تؤثر على كل شيء. تؤثر على طريقتنا في الترحيب مثلًا أو في تناول الطعام. كل هذا له جذور عميقة ثقافيًا. لهذا عندما تكون كاتبًا عربيًا وتكتب بالإنجليزية تكون عندك تناقضات كبيرة في حياتك.
وإجمالًا فإن لكل ثقافة حوارين أحدهما مع الذات والثاني مع الآخر وهما مختلفان تمامًا. كيف نتكلم عن أنفسنا مع من يشبهنا وكيف نتكلم على أنفسنا للآخر. وأنا بريطاني وليبي وهذه مشكلة لأن هذه بلدان بينها صراع تاريخي وإلى الآن موجود بين أوروبا والشرق الأوسط وأمريكا أيضًا. لستُ يابانيًا وليبيًا مثلًا. أجد نفسي بين ثقافتين بكل الخصومات والتاريخ الذي بينهما والتعاون الثقافي القديم أيضًا.
كتابك “العودة” الذي تقتفي فيه أثر والدك هو الوحيد الذي لم يُترجم للعربية من بين أعمالك رغم أنه كان مشروعًا مُعلنًا، ماذا حدث؟ وكيف هي علاقتك بالقاهرة التي عشت فيها فترة وفيها اختفى والدك؟
هناك دائمًا فرق في ذهني بين الحكومات والشعوب. علاقتي بمصر ليست كعلاقتي بالنظام المصري الذي خطف والدي وسلّمه إلى ليبيا. كذلك علاقتي بليبيا تختلف عن علاقتي بنظام القذافي أو أي نظام آخر. أنا أقول أنه كلما زادت الصعوبة ببلداننا وزادت مشاكلها كلما وجب استمرار علاقاتنا الاجتماعية معها. لديّ ثقة كبيرة في عبقرية العلاقات الاجتماعية وأنها تفوق أي شيء آخر.
ومصر لديّ تجربتي الخاصة معها. القاهرة مدينة عندها ذكاء وثقة في التبادل الاجتماعي. ربما في وقت الحدث نفسه حملت بعض المسافة منها، لكن لم أحمل لها كراهية أبدًا. هذه إحدى الأمور التي أشكر ربي عليها. رغبة الكراهية أو الانتقام لم تكن جزءًا من حياتي. حتى لمّا كان والدي في السجن في ليبيا.. حتى في الأوقات المظلمة بشدة المليئة بالألم لم أتمنّ لمن سجنوه أن يصيروا إلى ما صار إليه. في رأيي، الانتقام هو الهزيمة الكبرى. أن تقر أن أسلوب الظالم هو الأسلوب الذي لا بد من الاستمرار به، والأدب مهتم بهذه الفكرة. مسرحية هاملت لشيكسبير يعتبر همّها الأساسي هو إشكالية الانتقام.
عندما ذهبنا إلى مصر أصبحت لهجتي مصرية تمامًا ولم يُمكن التمييز بيني وبين المصريين. بعد خطف الوالد، رجعت اللهجة ليبية. هذا هو التأثير الوحيد النفسي الذي وقع على علاقتي بمصر، لكن الترابط الاجتماعي مع الأصدقاء المصريين بعد ما حصل للوالد كان عميقًا وصادقًا. أنت لا تحتاج الكثير من الوقت لكي تفصل بين العنف أو الفساد السياسي وبين الشعب.
ماذا عن ترجمة الكتاب؟ البعض يرى أن أسبابًا سياسية ربما تعرقل الترجمة فالناشر العربي في النهاية هو في مصر وكتابك يحكي عن الاختفاء هناك…
لا، ليس الأمر كذلك. الترجمة قصة طويلة ودائمًا فيها إشكاليات. كتاب “العودة” بالذات صعب الإمساك بصوته. لدينا ترجمة لكنها لم تكن مضبوطة وحتى الآن لم ننجح في الوصول لترجمة أفضل.
الكتابة بالإنجليزية تخلق مسافة بينك وبين القارئ العربي. هل حمل اختيارك ثمنًا أم أكسبك حماية في قول ما تود قوله؟
الكتابة بالإنجليزية بالنسبة لي لم تكن اختيارًا بقدر ما كانت نتيجة لأشياء كثيرة حتى من قبل تركي لمصر. التعليم في مصر في السبعينيات وخاصة الثمانينيات كان يعاني من مشاكل كبيرة دفعت من لديه المقدرة إلى إدخال أبنائه مدارس أجنبية وأنا كنت أحد الضحايا.
علاقتي في البداية باللغة العربية كانت غير عادية. في امتحان النحو مثلًا كان الأولاد يلتفون حولي ويجلسون بجانبي لتفوقي في المادة. كنتُ أكتب الشعر كذلك فعلاقتي بالأدب كلها وباللغة كانت بالعربية حتى سن الحادية عشرة. حينها نُقلت للمدرسة الإنجليزية وكانت نقلة مؤلمة لأني لم أعرف ولا كلمة إنجليزية. وضعوني في مكتب وأعطوني سماعات وكنتُ أسمع يوميًا روايات جين أوستن لمدة ساعتين في الصباح قبل الذهاب للفصول الأخرى. لم يكن لديّ سوى ستة أشهر لأتعلم فيها اللغة حتى لا تضيع عليّ السنة الدراسية فغُصتُ تمامًا في اللغة الإنجليزية وبعدها بعامين انتقلتُ لمدرسة داخلية في بريطانيا. هناك فقدان كبير في فقد اللغة. لما كنتُ في العشرينات وبداية الثلاثينات كنت مهتم جدًا بهذه الأسئلة وكان وزنها ثقيلًا عليّ. كنتُ أشعر أني ابن تناقضات لن تتلاءم يومًا.
بالنسبة للحرية فهي ملموسة أكيد لكن هناك كتاب عرب لديهم الشجاعة والحرية وهناك كتاب يكتبون بالإنجليزية دون حرية. العيش في ثقافة يمكنها أن تلغي كتاب أو تضع كاتبه في السجن هذا يحدث طبعًا وهي عواقب خطيرة، لكن مساحة الحرية الأولى هي داخلية. هذه هي مساحة الحرب الأولى التي يجب أن يفوز فيها الكاتب لغيرته على الحرية، وهذه لا تأتي بتغيير المكان فقط.
تمثل كتاباتك نموذجًا مختلفًا لعلاقة الابن بوالده في السياق العربي. كيف تطورت هذه العلاقة مع مرور الزمن؟ وهل أسهمت حالة عدم اليقين بشأن مصير الأب، واستمرارها لفترة طويلة، في تشكيل إحساسك بالسرد بوصفه بديلًا عن تجربة الفقد النهائي؟
كتبي الثلاثة الأولى “في بلد الرجال” و”اختفاء” و”العودة” كان همهم الأساسي هو العلاقة بين الأب والابن بأوضاع مختلفة. أنا كان عمري 19 عامًا عندما اختُطف الوالد، وعدتُ إلى ليبيا وأنا عمري 42 عامًا. طيلة هذه الفترة كان همّي الأساسي في حياتي هو وجود الوالد وهذا أخذ جزء كبير من مجهودي وتفكيري.
الغريب في الموضوع أني في وسط كل هذا الانشغال بحثًا عن الوالد، والذي أخذ أشكالًا مختلفة منها العمل مع منظمات دولية حقوقية ومنها العمل في القضاء والعمل في الإعلام، شعرتُ أني بعيد عن أبي. ولم أفهم كيف أشعر بهذا البُعد وأنا أُكرّس كل هذا الجهد لإيجاده. كان يزورني في الأحلام ولكن أشعر بمسافة بعيدة بيننا.
في ليبيا كانت لي فرصة البحث عنه هناك في المكان الذي اُقتيد إليه دون أن أعرف الكيفية التي انتقل بها وإلى أي مكان بالضبط. كل معلومة جديدة كانت تفتح أسئلة جديدة. ثم أوقفت البحث بهذه الدرجة التي كانت تحتل حياتي لمدة ست سنوات. واصلتُ البحث لكن بطريقة أقل وهنا حصلت المفاجأة. رجع والدي حينها في ذهني ليس باللغة التي أحكيها وصارت متعلقة به من اختطاف وتعذيب وسجن بل كوالدي.. الأب المبتسم غير المجروح قبل أن يحدث له هذا كله. كانت رحمة كبيرة وهدية من الرحمن غيّرت مفهومي لعلاقاتنا بأحبابنا الذين ماتوا.
هذا هو الاختلاف الشخصي الذي حدث، لكن من ناحية الكتابة وهي أيضا شأن شخصي، فأكبر هدية منحني إياها والدي هي احترام حريتي الشخصية واحترام التعددية التي بداخلي والتعددية الموجودة في الأسرة. هو لديه هذه الأفكار وهذا الأسلوب وأنا لديّ أسلوب آخر. التعددية نفسها غنى وليست عبئًا يجب تحمله. وأنا متأكد أنه لو لم يفعل هذا معي لصرتُ شخصًا آخر بالنظر إلى إشكالية الوضع الذي أجد نفسي فيه وصعوبة أن أجد فيه حريتي. يعني أبي مخطوف، أصدقائي في السجن، أولاد عمي في السجن، عمي في السجن، هناك خطورة عليّ أنا. وضع صعب جدًا أن أحلم فيه، أن أقرأ رواية، أن أتأمل لوحة فنية في المتحف، أن تكون لي علاقة بالمغرب أو بالفجر، أن تكون لي علاقة ببيتهوفن، هذه كلها أسئلة ستسأليها لنفسك في وضع كهذا.
حتى عندما نجح في كتابة رسالة من السجن يصف فيها ما حدث له وشباب شجعان هربوها إلينا بعد فترة كان يُكلم كل واحد منّا في الأسرة. بدأ بأمي ثم أخي الأكبر وحين خاطبني سألني إن كنتُ محافظًا على كتابة الشعر وإن كان الجيتار ما يزال صديقي. وشعرتُ وقتها أن قلبي توقف.. يعني هل سيقول خلاص عليك الآن أن تهتم بأمور أخرى مع هذه التطورات. وكانت الجملة التالية التي قالها من وسط كل هذا الوضع الصعب جدًا هي: “أتمنى أنك ما تزال محافظًا على الشعر وعلى الموسيقى”.
ربما هذا ساعدك لتجاوز ثيمة البنوة/الأبوة فكتبت بعد ذلك رواية “أصدقائي”؟ هل تمثل هذه نقلة لمرحلة جديدة في كتاباتك؟
لا أنظر للأمر كذلك. أنا أبني نسيجًا معينًا كله متواصل وكل فتلة فيه مختلفة عن الأخرى. الله وحده يعرف ماذا سيحدث في النهاية، أما أنا فأُشبه الجالس ليستمع للموسيقى التي تطن من رأسه ويتمنى ألا تنتهي. عندما تنتهي الموسيقى يمكن أن نتفقد النسيج.
دعيني أُخبرك بأمر آخر أثّر فيّ عندما ذهبت إلى ليبيا. هناك التقيتُ أناسًا كثيرين كانوا في السجن مع الوالد وأعطوني انطباعات ساعدتني على تكوين صورة لوجوده في السجن وهو أنه كان وفيًا لعقائده ومبادئه. كان قويًا ومُمتلئًا بالشعر الذي يحفظه ولم ينكسر تحت التعذيب. هذا أعطاني إحساس أن ذات الوالد لم تنسحب منه وأنه ظل على ما هو عليه مما أعطاني شجاعة في الحياة وتفاؤل وفخر ليس كابن بل كإنسان.
ليس كل كاتب أو روائي يحصد جوائز على كل كتاب يكتبه، أو يجد رئيسا أمريكيًا مثل باراك أوباما يقرأ كتابه ويعلن عنه، إلى أي مدى تعتبر نفسك محظوظًا؟ وأي إخفاقات واجهت في بداية مشوار الكتابة؟
أعتبر نفسي محظوظًا مع أهلي وأصدقائي وهذا هو المعيار الأساسي. في الكتابة، نعم بالتأكيد للحظ دور. أمر جميل أن تكون كاتبًا له قراء. هذا هو نوع الحوار الذي تبغيه. الإخفاقات كانت في البدايات. أرسلتُ نموذجًا من أول كتاب لي للوسيط (الوكيل الأدبي) وجاءتني رسائل رفض عديدة منهم. هذه الرسائل أعرضها اليوم لطلابي حتى أشجعهم. لكن عمومًا لم أستغرق وقتًا طويلًا حتى وجدتُ الوسيط ووجدتُ ناشرًا ما زال ينشر لي حتى اليوم منذ أول كتاب. دائمًا ما أقول للكتاب المبتدئين ألا يركزون على الجوائز أو المقابل المالي من الناشر أو غيرهما من المسائل وأن يضعوا همّهم كله على الكتابة نفسها ولا يسألوها الكثير.
في عالم يشتعل بالأحداث بين الاستبداد والتطرف، وبين غزة، والثورات والانقلابات على امتداد العقد ونصف الماضي، والحروب الأهلية وأشكال البلطجة الدولية… ما القضايا أو الهموم المعاصرة التي تشغلك اليوم؟
سأُجيبك كمواطن وليس ككاتب. أحيانًا تتقاطع الهموم بين المواطن والكاتب لكن ليس في جميع الأحوال. كمواطن أنا مهموم جدًا بما يحدث في فلسطين. هي القضية التي ترعرعنا في ظلها والقضية الأهم في حياتنا ولها علاقة قوية بما يحصل في بلداننا. هي تُعتبر قضية متشابكة مع هموم أخرى خصوصًا الضغوط التي تتعرض لها الحكومات العربية بسببها أو الضغوط التي تضعها هذه الحكومات علينا كمجتمع.
يشغلني المفهوم السائد عن التقدم أو المعرفة أو النجاح أو المدينة وتقديم “دبي” كنموذج لهذا كله. أيضًا تأثيرنا على الطبيعة فيما يُعرف بالأزمة البيئية والتي أراها مشكلة إنسانية وليست بيئية لأن البيئة ستظل أما البشر فهم الذين في موقف خطير.
كذلك أمريكا التي ذهبت إلى فنزويلا وتتكلم على جرينلاند وما أسميتيها بالبلطجة السياسية. إسرائيل التي تضرب في سبع بلدان في نفس الوقت. هذه البلطجة قوضت القانون الدولي والمؤسسات التي بنيناها بعد الحرب العالمية الثانية. هذا كله طبعًا له وزن كبير على الصدر كمواطن، وككاتب أكتب عن هذه الموضوعات في أعمال صحفية. وأنا متأكد أنها موجودة في كتبي سواء بشكل أو بآخر.
الرواية بالنسبة لك ليست قصة فحسب بل تاريخ من الأفكار والمشاعر والتواصل. ماذا تكتب حاليًا؟ وهل يختلف عما قبل؟
بالنسبة لي كل كتاب مختلف تمامًا عن الآخر. أنا أبدأ يومي بالكتابة. والآن أكتب في رواية منذ سنة ليس فيها علاقة ابن بأبيه لكن صعب أتكلم عنها لأن الكتابة والكلام يستخدمان نفس الشيء وهو اللغة.
استغرق نشر رواية “أصدقائي” سنوات عديدة منذ ميلاد الفكرة. هل ترى أن بعض الحقائق تصبح قابلة للكتابة بعد مرور فترة زمنية معينة؟
هذا أمر مهم خاصة في الرواية. صعب أن تكتب رواية عن حدث يحصل آنيًا. صعب وليس مستحيلًا. تحتاج بعض الوقت لأن الرواية تخرج من الخيال، والخيال يحتاج وقت لأنه يطبخ التاريخ، أو يفكر فيه بطريقة مختلفة. ومع ذلك روايتي الجديدة مرتبطة بالزمن وتمتحن فكرة الكتابة عن شيء يجري حاليًا وهذه أول تجربة لي في هذا السياق.