يشير التصاعد المتسارع في لغة التهديد والوعيد، والحديث المتكرر عن “الضربات الاستباقية” بين الاحتلال ال”إسرائيل”ي وإيران، إلى تحوّل جوهري في طبيعة التهديدات التي تضعها “إسرائيل” على رأس أولوياتها، فبعد سنوات من تركيز الخطاب السياسي والعسكري على البرنامج النووي الإيراني، بات هذا الخطاب ينزاح بوضوح نحو برنامج الصواريخ البالستية بوصفه الخطر الأكثر إلحاحًا وقابلية للاستخدام الفوري.
هذا التحول لا ينفصل عن تجربة المواجهة الأخيرة، حيث شكّلت الصواريخ البالستية أداة الرد الأساسية التي مكّنت إيران من رفع كلفة الهجوم ال”إسرائيل”ي، والحفاظ على استدامة الإطلاق، وإحداث تأثير مباشر في العمق ال”إسرائيل”ي خلال حرب الأيام الـ12، التي لم تُنتج نصرًا حاسمًا لأي من الطرفين، لكنها كشفت حدود القوة وآليات الردع المتبادل.
وفي ظل تفويض أميركي متزايد الوضوح ل”إسرائيل”، وتصاعد الحديث عن جولة قتال جديدة، تدخل المواجهة مرحلة أكثر خطورة، تتقاطع فيها مساعي “إسرائيل” لتصفية هذا التهديد، مع اندفاع إيراني متسارع لترميم وتطوير ترسانتها الصاروخية، ضمن منظومة باتت تشكّل عنوان الصراع المركزي في المرحلة المقبلة.
كيف تشكّل البرنامج الصاروخي البالستي الإيراني؟
لم ينشأ البرنامج الصاروخي البالستي الإيراني بوصفه خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد منذ البداية، بل جاء استجابة مباشرة لفراغ عسكري وأمني فرضته الحرب العراقية–الإيرانية، حين وجدت طهران نفسها عرضة لهجمات صاروخية مكثفة استهدفت مدنها ومراكزها الحيوية، دون امتلاك أدوات ردع مقابلة، في ظل افتقارها لسلاح جو حديث، وانقطاع الإمدادات العسكرية الغربية بعد الثورة الإسلامية عام 1979.
في تلك المرحلة، برزت الصواريخ البالستية كخيار عملي وسريع، أقل كلفة من بناء قوة جوية متقدمة، وأكثر قابلية للاستخدام الفوري في معادلة الردع. ولهذا اتجهت إيران، منذ منتصف الثمانينيات، إلى استيراد صواريخ قصيرة المدى من طراز “سكود-بي” عبر وسطاء إقليميين، ثم توسّعت لاحقًا في الاعتماد على كوريا الشمالية والصين، ليس فقط كموردين، بل كشركاء في نقل المعرفة والتكنولوجيا.
ومع نهاية الحرب وبداية التسعينيات، انتقل البرنامج من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة التوطين والإنتاج المحلي، إذ اعتمدت إيران على الهندسة العكسية لتطوير نسخها الأولى، مثل “شهاب-1” و”شهاب-2″، وهي صواريخ مشتقة من عائلة سكود، تفتقر للدقة لكنها تلبي الغاية الأساسية في تلك المرحلة وهي امتلاك قدرة ضرب بعيدة نسبيًا وقابلة للاستخدام في أي مواجهة. بالتوازي، عملت طهران على تطوير صواريخ قصيرة المدى، مثل “زلزال” و”فاتح”، بما يعكس توجهًا مبكرًا نحو تنويع الترسانة وعدم حصرها في فئة واحدة.
هذا التحول لم يكن تقنيًا فقط، بل مؤسسيًا أيضًا، إذ بدأ البرنامج الصاروخي يأخذ طابعًا أكثر تنظيمًا، مع انتقال الإشراف عليه تدريجيًا إلى الحرس الثوري الإيراني، ليُدمج ضمن العقيدة العسكرية القائمة على الحرب غير المتكافئة، وتعويض الفجوة في التفوق الجوي والتكنولوجي لدى الخصوم الإقليميين، وفي مقدمتهم “إسرائيل”.

في أواخر التسعينيات وبداية الألفية، شهد البرنامج نقلة نوعية مع إدخال صواريخ متوسطة المدى، أبرزها “شهاب-3″، الذي وضع “”إسرائيل”” ضمن دائرة الاستهداف المباشر للمرة الأولى. ورغم محدودية دقته، فإن الصاروخ مثّل تحولًا استراتيجيًا في وظيفة البرنامج، من ردع محيط إقليمي قريب إلى ردع إقليمي أوسع، قادر على التأثير في الحسابات السياسية والعسكرية للخصوم.
لاحقًا، بدأت إيران تُدرك القيود العملياتية للصواريخ العاملة بالوقود السائل، سواء من حيث زمن الجاهزية أو قابلية الكشف والاستهداف، فاتجهت بشكل متزايد إلى تطوير صواريخ تعمل بالوقود الصلب، لما توفره من سرعة في الإطلاق، وسهولة في التخزين، وقدرة أعلى على المناورة والتمويه. شكل إدخال صواريخ مثل “سجيل” نقطة تحول في هذا المسار، ليس فقط من حيث المدى، بل من حيث فلسفة التشغيل نفسها.
بالتوازي مع ذلك، لم يكن البرنامج الصاروخي منفصلًا عن السياق السياسي والأمني الأوسع. فإيران، التي واجهت عداءً متصاعدًا من “”إسرائيل””، وتوترًا دائمًا مع الولايات المتحدة ودول الخليج، رأت في الصواريخ البالستية أداة ردع سيادية، لا تخضع للقيود الدولية نفسها التي تحيط بالبرنامج النووي، ويمكن تطويرها وتوظيفها دون المرور عبر بوابات التفاوض أو الرقابة الدولية.
ومع مرور الوقت، لم يعد البرنامج مجرد وسيلة دفاعية، بل أصبح أحد أعمدة النفوذ الإقليمي الإيراني، سواء عبر امتلاك القدرة الذاتية، أو عبر نقل الخبرات والصواريخ إلى حلفاء في المنطقة. وهكذا، تحوّل الصاروخ البالستي إلى مكوّن ثابت في بنية الأمن القومي الإيراني، وأداة مركزية في معادلة الردع التي تبني عليها طهران سياساتها في الإقليم.
ماذا تملك طهران ولماذا تُقلق خصومها؟
لا تُختصر الترسانة الصاروخية البالستية الإيرانية في حجمها العددي فقط، رغم أن التقديرات تشير إلى امتلاك طهران أكثر من ثلاثة آلاف صاروخ من مختلف المديات، بل في الطريقة التي بُنيت بها هذه الترسانة، والتدرج الوظيفي الذي حكم تطورها، والدور الذي تؤديه داخل العقيدة العسكرية الإيرانية. فالصواريخ لم تُراكم بوصفها قوة رمزية أو دعائية، بل كمنظومة عملياتية متكاملة، جرى تصميمها لتغطي احتياجات ردعية وهجومية متباينة، وفق معايير المخاطر والساحات المحتملة للمواجهة.
وبتحليل المسار التطويري لبرنامج الصواريخ البالستية الإيراني، يتضح أن طهران عمدت إلى توزيع استثماراتها الصاروخية على مستويات متعددة، لكل مستوى منها وظيفة محددة في ساحة المواجهة، ترتبط بمعايير الحاجة والمخاطر، وتوازنات الردع والهجوم، ونوعية الساحات المستهدفة، مما منح البرنامج قدرًا عاليًا من المرونة العملياتية، ومكّنه من التكيّف مع سيناريوهات تصعيد مختلفة، من الردود المحدودة إلى المواجهات الواسعة.
في المستوى الأول، ركزت إيران على الصواريخ قصيرة المدى بوصفها أداة الردع التكتيكي الأكثر قابلية للاستخدام. وتمثل عائلة “فاتح” بمختلف أجيالها العمود الفقري لهذا المستوى، إذ طُورت على أساس الوقود الصلب، ما يتيح زمن جاهزية قصير وإمكانية تخزين طويلة.
وتتميز هذه الصواريخ بتحسن ملحوظ في أنظمة التوجيه مقارنة بالأجيال الأقدم، حيث تعتمد الملاحة بالقصور الذاتي مع إدخال تحسينات رفعت من مستوى الدقة، وصُممت هذه الفئة أساسًا لاستهداف قواعد عسكرية، ومراكز قيادة، وبنى تحتية حساسة في نطاق إقليمي قريب، ما يجعلها مناسبة لسيناريوهات الرد المدروس أو الضربات المركّزة ذات الكلفة السياسية المحسوبة.
أما المستوى الثاني، فيتمثل في الصواريخ متوسطة المدى، التي نقلت البرنامج من إطار الردع القريب إلى الردع الإقليمي المباشر، عبر إدخال صواريخ مثل “شهاب-3” ثم تطويرها عبر نماذج لاحقة مثل “قدر” و”عماد”، وهو ما وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة ومعظم القواعد الأمريكية في المنطقة ضمن دائرة الاستهداف.
ورغم أن هذه الصواريخ العاملة بالوقود السائل واجهت تحديات تتعلق بزمن الجاهزية والدقة في مراحلها الأولى، فإن طهران عوّضت ذلك بتطوير الرؤوس الحربية وأنظمة التوجيه، ما جعل هذه الفئة أداة ضغط استراتيجية ذات أثر سياسي وعسكري، حتى في حال عدم استخدامها كوسيلة ضرب دقيقة بالمعنى الميداني الصرف.
في المستوى الثالث، يبرز التحول النوعي المرتبط بالتركيز على الصواريخ العاملة بالوقود الصلب بعيدة المدى، وفي مقدمتها “سجيل“، في تحول لا يُقاس بالمدى فقط، بل بطبيعة الاستخدام العملياتي؛ فالصواريخ الصلبة تقلّص زمن الإطلاق، وتحدّ من فرص الكشف المسبق، وتُصعّب إمكانية توجيه ضربة استباقية فعالة. ومع مديات تتجاوز ألفي كيلومتر، أصبحت هذه الفئة تمثل ركيزة أساسية في قدرة إيران على الاحتفاظ بخيار الرد في سيناريوهات التصعيد الواسع، حتى تحت ضغط عسكري مكثف.
إلى جانب ذلك، طوّرت إيران فئة خاصة من الصواريخ الثقيلة المصممة للتعامل المباشر مع منظومات الدفاع الجوي. ويبرز في هذا السياق نموذجان رئيسيان؛ الأول صاروخ “فتاح-2“، الذي أعلنت طهران أنه يندرج ضمن فئة الصواريخ “الفرط صوتية”، ويبلغ مداه المعلن نحو 1400 كيلومتر، بسرعة تصل إلى 15 ماخ، وبمعدل قطع يُقدَّر بنحو 5.1 كيلومتر في الثانية.
أما النموذج الثاني، فهو صاروخ “خرمشهر” في أحدث طرازاته، وتكمن أهمية هذا الصنف من الصواريخ ليس فقط في سرعته العالية وقدرته على إرباك منظومات الدفاع الجوي، بل في طبيعة الحمولة التي يحملها، سواء من حيث الرأس الحربي الكبير أو إمكانية حمل رؤوس حربية متعددة أو انشطارية. ويعكس هذا التطوير إدراكًا إيرانيًا بأن معركة الصواريخ لا تُحسم عند نقطة الإصابة وحدها، بل في قدرة المنظومة الهجومية على استنزاف الخصم، وإجباره على استهلاك موارده الدفاعية على نحو تراكمي.
ولا تنفصل فعالية هذه الترسانة عن البنية التشغيلية الداعمة لها. فقد اعتمدت إيران على منصات إطلاق متحركة محمولة على شاحنات متعددة المحاور، تتيح تشتيت الصواريخ ونقلها بسرعة وتبديل مواقع الإطلاق، إلى جانب بناء شبكة من القواعد والمنشآت المحصّنة، كثير منها تحت الأرض، تُستخدم للتخزين والتجميع وربما الإطلاق. وقد صُممت البنية على قاعدة تصعيب إمكانية توجيه ضربة حاسمة تشل البرنامج بالكامل، حتى في ظل تفوق جوي واستخباري لدى الخصم.
حرب الأيام الـ12: اختبار حقيقي للصواريخ الباليستية
شكّلت حرب الأيام الـ12 تجربة اختبار مركّزة للبرنامج الصاروخي البالستي الإيراني، ليس من حيث حجم الإطلاق فقط، بل من حيث كيفية استخدام هذا السلاح، وحدود تأثيره، ونوعية المكاسب التي يمكن أن يحققها في مواجهة خصم يمتلك تفوقًا جويًا وتكنولوجيًا واضحًا. وقد أظهرت هذه المواجهة أن الصواريخ لم تُستخدم بوصفها أداة حسم عسكري مباشر، بل كوسيلة لإعادة تشكيل معادلة الردع، وفرض كلفة، واختبار قدرة الطرف الآخر على الاستمرار.
منذ بداية المواجهة، تعاملت “”إسرائيل”” مع الصواريخ الإيرانية بوصفها التهديد الأكثر إلحاحًا، وركّزت جهودها على محاولة تقويض هذه المنظومة عبر استهداف بنيتها التحتية ومكوّناتها التشغيلية.
غير أن مجريات الحرب أظهرت أن هذا المسار، رغم إحداثه أضرارًا موضعية وإرباكًا مؤقتًا، لم ينجح في تعطيل القدرة الصاروخية أو منع استمرار الإطلاق، فقد حافظت إيران على قدرة تشغيلية تسمح بتوجيه ضربات متتابعة، وبأنماط زمنية متغيّرة، ما دلّ على أن المنظومة الصاروخية مبنية على انتشار واسع ومرونة تشغيلية تقلّل من فاعلية الضربات الاستباقية الحاسمة.
في المقابل، تحولت الضربات الصاروخية الإيرانية إلى اختبار مباشر لمنظومات الدفاع الجوي ال”إسرائيل”ية، ليس من زاوية النجاح أو الفشل في الاعتراض، بل من زاوية الاستدامة والقدرة على التعامل مع نمط هجوم يقوم على الإغراق والتشبع.
بيّنت المواجهة أن الدفاعات الجوية، مهما بلغت درجة تطورها، تواجه تحديًا حقيقيًا عندما تُستهدف بموجات كثيفة ومتقاربة، تهدف إلى استنزاف القدرة الاعتراضية ورفع كلفة الدفاع، أكثر من السعي إلى تحقيق إصابات دقيقة واسعة النطاق.
وفي هذا السياق، تبرز قراءة أكاديمية الاستخبارات التركية التي أشارت في تقرير تحليلي لها إلى أن التحولات في أدوات الحرب، حتى وإن لم تُنتج ما يُعرف بـ”النصر الكلاسيكي”، فإنها قادرة على شلّ القدرات الدفاعية للطرف الآخر، وتقويض آليات الردع التقليدية، وتحقيق مكاسب استراتيجية غير مباشرة، أو التسبب بخسائر كبيرة دون الانزلاق إلى حرب شاملة. ووفق التقرير، فإن التجربة الإيرانية خلال حرب الأيام الـ12 تُظهر كيف يمكن لأدوات جديدة أن تؤدي وظيفة استراتيجية تتجاوز نتائجها العسكرية المباشرة.
ويُبيّن تقرير الأكاديمية أن الضربات الإيرانية التي استهدفت “إسرائيل” نُفّذت بمعظمها باستخدام صواريخ جرى تطويرها خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك صواريخ عالية السرعة، غير أن أثرها الفعلي بقي محدودًا إذا ما نُظر إليه من زاوية نوعية السلاح وحدها. إذ لم يتحقق التأثير الحقيقي إلا من خلال أسلوب التشبع الهجومي، القائم على إطلاق عدد كبير من المقذوفات في وقت متقارب، بما يؤدي إلى إنهاك منظومات الدفاع الجوي، ورفع كلفة الاعتراض، وتقليص هامش الاطمئنان إلى التفوق الدفاعي.
هذا التقييم ينسجم مع ما أفرزته المواجهة عمليًا، فالصواريخ الثقيلة أو المتطورة لم تُحدث تحولًا حاسمًا بذاتها، لكنها اكتسبت قيمتها من نمط الاستخدام ومن دمجها ضمن استراتيجية تقوم على الاستنزاف والتشويش وفرض الضغط التراكمي. وبهذا المعنى، فإن ما حققت إيران تمثل بدرجة أساسية في إثبات القدرة على فرض معادلة ردع عملية، تُقيّد حرية الحركة لدى الطرف الآخر، وتُظهر أن الدفاع الجوي ليس مظلة مطلقة، فيما لم تنجح دفاعاتها الجوية من الصمود لساعات في وجه الهجوم ال”إسرائيل”ي مما كشف خللًا عميقًا في البنية الدفاعية.
في المقابل، كشفت الحرب عن مأزق “إسرائيل”ي متنامٍ في التعامل مع هذا النوع من التهديدات. فاعتماد “إسرائيل” على منظومات دفاعية متقدمة ومرتفعة الكلفة يجعل كل جولة اعتراض عبئًا عملياتيًا واقتصاديًا، ويطرح تساؤلات حول القدرة على الاستمرار في حال تحوّل الصراع إلى نمط طويل الأمد قائم على الإطلاق المكثف. هذا البعد، وإن لم يكن ظاهرًا في النتائج العسكرية المباشرة، أصبح جزءًا من حسابات الردع المتبادل بعد الحرب.
في المحصلة، لم تُنتج حرب الأيام الـ12 حسمًا عسكريًا لأي من الطرفين، لكنها أعادت تعريف وظيفة الصواريخ البالستية في الصراع الإيراني–الإسرائيلي. فقد أثبتت التجربة أن هذه الصواريخ ليست أداة نصر سريع، لكنها وسيلة فعّالة لفرض كلفة، وتعطيل افتراضات الردع التقليدي، وإبقاء الصراع مفتوحًا ورفع كلفته على الخصم.
إعادة ترميم القدرات وتحول الصواريخ إلى أولوية الردع
أظهرت المرحلة التي أعقبت حرب الأيام الـ12 أن البرنامج الصاروخي البالستي لم يكن بالنسبة لطهران ملفًا ثانويًا أو قابلًا للتجميد، بل أولوية أمن قومي مباشرة، ارتبطت بتقدير إيراني مفاده أن جولة جديدة من المواجهة مع “إسرائيل” تظل احتمالًا قائمًا بل وقويًا.
وأمام معادلة جديدة تركها واقع الحرب من تراجع ملموس في غالبية قدرات الدفاع الجوي، مقابل بقاء الصواريخ كأداة الردع الأكثر موثوقية والأقل خضوعًا للقيود السياسية أو التفاوضية مما جعلها في جدول أعمال خطوات التعافي من نتائج الحرب.
وفق تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث غربية، أعادت طهران مراجعة عقيدتها الدفاعية في ضوء نتائج المواجهة المحدودة، التي كشفت –من وجهة نظر هذه المراكز– نقاط قوة واضحة في القدرة الصاروخية، مقابل ثغرات بنيوية في الدفاع الجوي والتعامل مع الضربات الدقيقة بعيدة المدى.
وانعكس هذا التقييم في انتقال إيراني ملحوظ من مفهوم “الرد المتأخر” إلى صيغة أقرب إلى الرد الاستباقي المشروط، وهو ما بدا جليًا في الخطاب الرسمي الذي بات يتحدث عن “المؤشرات الملموسة على وجود تهديد” بوصفها جزءًا من معادلة اتخاذ القرار.
على المستوى العملي، كشفت صور أقمار صناعية، منذ سبتمبر/أيلول الماضي، أن إيران شرعت في إعادة بناء مواقع إنتاج الصواريخ التي استهدفتها “إسرائيل” خلال الحرب، ولا سيما في خجير وبارشين على مشارف طهران، إضافة إلى منشآت في شاهرود شمال شرقي العاصمة. وكانت هذه المواقع قد تعرضت أصلًا لهجمات “إسرائيل”ية سابقة خلال تصعيد أكتوبر/تشرين الأول 2024.
ومع ذلك، تشير تحليلات إعلامية غربية إلى أن إعادة البناء لم تكن مكتملة، خصوصًا في ما يتعلق بالخلاطات الصناعية العملاقة اللازمة لإنتاج الوقود الصلب، وهي مكونات حساسة يصعب تعويضها سريعًا.
تكمن أهمية هذا العنصر في أن الصواريخ العاملة بالوقود الصلب تُعد أكثر قيمة عملياتيًا من نظيرتها السائلة، نظرًا لسرعة جاهزيتها وقدرتها على تفادي الاستهداف قبل الإطلاق. وخلال الحرب، كان الفرق بين الصاروخ الذي أُطلق والصاروخ الذي دُمّر على منصة الإطلاق عاملًا حاسمًا، ما يفسر تركيز إيران اللاحق على إعادة تأهيل هذا المسار تحديدًا.
وتُظهر المقارنة بين مسار إعادة الإعمار الصاروخي والمسار النووي دلالة لافتة: فالمواقع النووية التي تعرضت للقصف لم تشهد مستوى النشاط نفسه في إعادة البناء، ما يعكس ترتيبًا إيرانيًا واضحًا للأولويات، يضع الصواريخ في مقدمة أدوات الردع الفعلي في المدى المنظور، مقارنة بالملف النووي الأكثر تعقيدًا وحساسية دوليًا.
تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن إيران امتلكت قبل الحرب نحو 2500 إلى 3000 صاروخ، وأن أكثر من ثلث هذا المخزون استُخدم خلال المواجهة. وقبل الحرب، كانت طهران على مسار إنتاج يتجاوز 200 صاروخ يعمل بالوقود الصلب شهريًا، وهو ما يفسر استهداف “إسرائيل” المباشر لمنشآت الإنتاج. ورغم ذلك، نقلت تقارير لاحقة، في ديسمبر/كانون الأول 2025، أن إيران تمتلك بعد الحرب نحو 1500 صاروخ، مع سعي حثيث لإعادة رفع المخزون إلى مستويات ما قبل المواجهة.
في هذا السياق، أعلنت إيران رسميًا أن خطوط إنتاج الصواريخ لم تتوقف “للحظة واحدة” بعد الحرب، وهو ما أكده المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، الذي شدد على أن عملية إعادة بناء القدرات تسير بالتوازي مع استمرار التصنيع، في تصريحات لم تكن معزولة عن سياق سياسي أوسع، بل جاءت ضمن خطاب إيراني متصاعد يهدف إلى تثبيت صورة الصواريخ كقدرة غير قابلة للكسر.
على الضفة الأخرى، تصاعد القلق ال”إسرائيل”ي من وتيرة إعادة الترميم، فقد أُبلغت لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وفق تسريبات، بأن إيران عادت إلى إنتاج الصواريخ البالستية بوتيرة مرتفعة بعد نحو ستة أشهر من الحرب.
وفي هذا الإطار، صعّد كل من بنيامين نتنياهو والرئيس الأمريكي دونالد ترامب من لهجتهما، مؤكدين أن “إسرائيل” والولايات المتحدة لن تسمحا لإيران بإعادة بناء برنامجها الصاروخي أو النووي، ومهددين بعواقب “وخيمة” في حال حدوث ذلك.
في المقابل، ردت طهران بخطاب مضاد، حيث أكد وزير الدفاع الإيراني أن القدرات الصاروخية “لا يمكن تدميرها لا بالقنابل ولا بالمفاوضات”، وأن ما تملكه إيران اليوم يفوق ما كان متاحًا لها خلال حرب الأيام الـ12. في خطاب يعكس في جوهره قناعة إيرانية بأن الصواريخ باتت خط الدفاع الأول والأكثر ضمانًا في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية.
وفي ضوء ما أفرزته حرب الأيام الـ12، وما تلاها من سباق محموم بين الترميم والاستباق، يتضح أن الصراع بين إيران و”إسرائيل” لم يدخل مرحلة الاحتواء، بل انتقل إلى مستوى أكثر تعقيدًا وخطورة. فالبرنامج الصاروخي البالستي الإيراني لم يعد مجرد أداة ردع مؤجلة أو ورقة تفاوضية، بل تحوّل إلى مركز الثقل الفعلي في معادلة الصراع، وإلى التهديد الأكثر إلحاحًا في الحسابات ال”إسرائيل”ية.
في المقابل، تدرك طهران أن الصواريخ باتت خط الدفاع الأول في مواجهة التفوق الجوي والضغط السياسي، وتتعامل معها بوصفها قدرة غير قابلة للمساومة أو التفكيك، مهما بلغت كلفة المواجهة. وبين سعي “إسرائيل”ي لحرمان إيران من هذه الأداة، وإصرار إيراني على تطويرها واستدامتها، تتشكل ملامح مرحلة مقبلة عنوانها ردع هش، وتصعيد مؤجل، ومواجهة لم تُحسم بعد.
في هذا السياق، لا يبدو أن السؤال المطروح هو ما إذا كانت جولة قتال جديدة ستقع، بل متى ستقع، وبأي شروط، وعلى أي مستوى من الكلفة المتبادلة؟