ترجمة وتحرير: نون بوست
مع احتدام المعارك في اليمن خلال السنوات الماضية، بذلت عُمان المجاورة جهودًا للحفاظ على دورها كوسيط محايد بين الأطراف المتحاربة، ولكن عندما اجتاح الانفصاليون المدعومون من الإمارات العربية المتحدة منطقة يمنية على حدودها، اختارت مسقط الانحياز إلى أحد الطرفين.
وشاركت عُمان معلومات استخباراتية مع السعودية وتعاونت في شن ضربات عسكرية أواخر ديسمبر/ كانون الأول ومطلع يناير/ كانون الثاني ضد المجلس الانتقالي الجنوبي في محافظة المهرة اليمنية، بحسب ما قال دبلوماسي غربي وعربي مقيم في الخليج لموقع “ميدل إيست آي”.
وقال محلل خليجي تحدث إلى “ميدل إيست آي” شريطة عدم الكشف عن هويته إن مسقط والرياض تبادلتا معلومات استخباراتية تفيد بأن المجلس الانتقالي المدعوم من الإمارات يخطط للإعلان عن الانفصال على غرار أرض الصومال عبر البحر الأحمر.
وقال إبراهيم جلال، الخبير في أمن الخليج وبحر العرب، لموقع “ميدل إيست آي”: “لقد تصرفت عُمان في الظل. لكن بقدر ما تأثرت السعودية بمغامرات المجلس الانتقالي في حضرموت، تأثرت عُمان بمغامراته الخاطئة في المهرة”.
وتحولت محاولة المجلس الانتقالي للتقدم في المحافظتين اليمنيتين الأكثر شرقًا إلى خطأ إستراتيجي فادح للجماعة وراعيها أبوظبي؛ فقد دمّر سلاح الجو السعودي قوات المجلس الانتقالي في تضاريس الصحراء المكشوفة.
وهرب زعيم المجلس الانتقالي عيدروس الزبيدي من عدن إلى الإمارات عبر أرض الصومال، وأصبحت منطقة التبادل التجاري في بحر العرب الآن تحت سيطرة قوات موالية للمجلس القيادي الرئاسي اليمني المدعوم من السعودية.
ويقول محللون إن رد مسقط على الأزمة اليمنية يبرز مدى تجاوز الإمارات لحدودها.
وأضاف جلال: “لقد أدى موقف الإمارات إلى تقريب المسافة بين الرياض ومسقط”.

لا تملك عُمان ثروات نفطية كالرياض أو أبوظبي؛ فعُمان معروفة أكثر بعطرها الفاخر “أمواج” وعاصمتها البيضاء مسقط، التي حافظت على طابعها المعماري التقليدي بفضل مرسوم أصدره السلطان الراحل قابوس بن سعيد آل سعيد يحظر ناطحات السحاب. أما السياح في عمان فيميلون إلى السفر بحقائب الظهر وقضاء أوقات هادئة على الشواطئ.
وتتجنب عُمان أيضًا إثارة الضجيج دبلوماسيًا، فقد كانت محايدة خلال حرب الخليج والحرب الأهلية السورية، وتوسطت خلال إدارة أوباما في المحادثات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. وكان من المقرر أن يلتقي مسؤولون إيرانيون وأمريكيون في مسقط قبل أن يشن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومه على الجمهورية الإسلامية في يونيو/ حزيران 2025.

لكن التحرك الهادئ لعُمان لصالح الرياض وسط أزمة اليمن لم يفاجئ من يعرفون البلاد.
أشباح ظفار
يرتبط العمانيون بروابط قبلية وثقافية واقتصادية عميقة مع محافظة المهرة اليمنية؛ فقد خاضت عُمان منذ عام 1962 إلى 1975 حربًا دموية ضد المتمردين في منطقة ظفار الجبلية، الواقعة على الحدود مع اليمن.
لم تصبح الإمارات دولة مستقلة إلا عام 1971، لكن بحلول ذلك الوقت كانت مسقط، أقدم دولة عربية مستقلة، تكافح لوقف تدفق المقاتلين الماركسيين إلى ظفار، الذين تلقوا أسلحة وتدريبًا من جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية. أما اليمن الحالي فقد نشأ من توحيد الدولة الجنوبية الماركسية والجمهورية العربية اليمنية في الشمال عام 1990.
وتلاشت حرب ظفار في غياهب النسيان في الغرب، لكنها خُلّدت بقلم الكاتب اليساري صنع الله إبراهيم في روايته “وردة” الصادرة عام 2000.

وقال يوسف البلوشي، رئيس مجلس السياسات في مسقط، أول مركز أبحاث في عُمان، لموقع “ميدل إيست آي” إن ذكرى الانفصال وعدم الاستقرار “لا تزال تشكل تصورات الأمن العماني”.
وفي الاجتماعات، يؤكد الدبلوماسيون العمانيون علنًا وسرًا معارضتهم للتقسيم الذي كانت الإمارات وحلفاؤها يأملون فيه في اليمن.
وعندما توحد اليمن، عملت مسقط على تعزيز روابطها القبلية القديمة مع المهرة، وهي منطقة تقليدية قليلة السكان تغطيها صحراء الربع الخالي، أكبر صحراء رملية في العالم.
وفي عام 1999، أنشأت عُمان منطقة التجارة الحرة في المزيونة بظفار لتعزيز الروابط الاقتصادية مع سكان المهرة.
وقال البلوشي: “يقع السياج الحدودي العماني في الواقع شرق تلك المنطقة الحرة”.

وقال بعض المحللين العرب لموقع “ميدل إيست آي” إن الرياض طلبت من مسقط نشر قواتها عبر السياج الحدودي مع اليمن وسط القتال مع المجلس الانتقالي.
وأوضح البلوشي أن تقدم المجلس الانتقالي في المهرة والمؤشرات على أن الجماعة المدعومة من الإمارات ستعلن الاستقلال اعتُبرت تهديدًا للأمن القومي.
وقال: “كان اليمن قابلًا للإدارة بالنسبة لعُمان. لكن عندما شكّلت الإمارات خطرًا وشيكًا بالانفصال في جنوب اليمن، كان ذلك تهديدًا يمهد الطريق لتصعيد قد يؤدي إلى تغيير حدود عُمان”.
وأضاف: “سياستنا في المهرة ثابتة: نحن نعارض نشر الأسلحة الثقيلة قرب حدودنا من أي قوة، ونرفض وضع أي أحد من غير سكان المهرة في السلطة هناك. سنتعامل فقط مع سكان المهرة”.
وقال جلال لموقع “ميدل إيست آي” إن عُمان لديها “ثلاثة خطوط حمراء” في اليمن مرتبطة بأمن الحدود: “وقف توسع نفوذ الإمارات قرب حدودها، ومنع وصول الانفصاليين إلى حدودها، ووقف السلفيين من التمركز على حدودها”.
منافسة خطيرة
وستحدد السعودية والإمارات ما سيحدث لاحقًا؛ فولي العهد محمد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد كانا حليفين ذات يوم. وقد تدخلا في اليمن عام 2015 لطرد الحوثيين المتحالفين مع إيران. لكن التصعيد في اليمن بلور خلافهما.
وعلى مدى السنوات العشر الماضية، دعمت الإمارات سلسلة من الحركات الانفصالية من أرض الصومال إلى ليبيا.
وتدعم الإمارات قوات الدعم السريع شبه العسكرية في حرب السودان الوحشية ضد الجيش السوداني المدعوم من السعودية ومصر وتركيا، وقد طلب ولي العهد محمد بن سلمان من الولايات المتحدة التدخل ضد الإمارات في السودان، وكان موقع “ميدل إيست آي” أول من كشف عن ذلك.
ويتساءل العديد من الدبلوماسيين الغربيين والعرب عما إذا كان نجاح ولي العهد السعودي في اليمن سيدفعه إلى مواصلة مواجهة الإمارات في أنحاء المنطقة.

فما الذي يعنيه ذلك لدول مثل عُمان، التي حاولت أن تكون وسيطًا؟
قال البلوشي: “عندما كانت السعودية والإمارات متحالفتين بالكامل عام 2015، كان ذلك يشكل مخاطرة كبيرة بالنسبة لمصالح عُمان، فقد كانت المنطقة شديدة الاستقطاب”. وأضاف أن عُمان كانت في موقع مثالي عندما “واجهت الإمارات والسعودية بعضهما البعض، لكنهما أدارتا تلك المواجهة لصالح منافستهما” لأن ذلك “أتاح لعُمان فرصة للوساطة”، وهو الأمر الذي تجيده.
وحذر من أنه إذا “ارتدت هذه المنافسة خارج” حدود السياسة اليمنية الضيقة، فسيكون ذلك “خطيرًا” على عُمان ومجلس التعاون الخليجي بشكل عام.
وقال روب جيست بينفولد، الخبير في الأمن الدولي في كلية كينغز بلندن، لموقع “ميدل إيست آي” إن اندلاع الصراع في اليمن ترك لعمان خيارات قليلة. وأضاف: “تفخر عُمان بكونها طرفًا محايدًا، وتراهن على دور الوسيط. لكن هجوم المجلس الانتقالي قوض هذه الاستراتيجية، واضطرت عُمان للانحياز ضد الإمارات”.
ومع تعزيز القوات المدعومة من السعودية سيطرتها على جنوب اليمن، ستكون مهمة عُمان الحفاظ على دور الوسيط.
وقال البلوشي إنه رغم إحباطها من الإمارات، كانت عُمان حريصة على عدم تجاوز الخطوط العلنية.
وأضاف: “على سبيل المثال، أصدرت قطر بيانًا خلال الضربات السعودية على المجلس الانتقالي تقول فيه إن ‘أمن السعودية هو أمن العرب’، أما عُمان فكانت أكثر حيادًا”.
وفي بيان صدر خلال ذروة الضربات السعودية أواخر ديسمبر/ كانون الثاني، دعت وزارة الخارجية العمانية “الشعب اليمني الشقيق إلى التوصل إلى تفاهم حول ما هو أفضل لمستقبل بلدهم، بما يعزز الأمن والاستقرار والسلام في الجمهورية اليمنية الشقيقة، ويحافظ على سياسة حسن الجوار”.
وتعتمد عُمان على العلاقات الجيدة مع جيرانها لأنها تفتقر إلى الثروة النفطية التي تتمتع بها السعودية والإمارات وحتى إيران، وجميع هذه الدول قادرة على تمويل وكلاء محليين.
ورغم أن المخاوف الأمنية لعُمان تتماشى مع السعودية، فإن مسقط مرتبطة اقتصاديًا أيضًا بالإمارات، فمسقط أقرب إلى ميناء جبل علي الإماراتي منها إلى ميناء الدقم العُماني.
ويفخر الدبلوماسيون العمانيون بقدرة مسقط على تحقيق هذا التوازن.
فرصة للوساطة؟
إلى جانب وساطتها بين الولايات المتحدة وإيران، لعبت عُمان أيضًا دور الوسيط بين الولايات المتحدة ودول الخليج والحوثيين.
وقد نسب الفضل لوزير الخارجية العُماني في التوسط لوقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة والحوثيين في البحر الأحمر في مايو/ أيار الماضي.
وفي سبتمبر/ أيلول، عندما هاجمت إسرائيل مفاوضي حماس في الدوحة بقطر، تكهّن البعض بإمكانية أن يحدث هجوم إسرائيلي على الحوثيين في عُمان. وفي العام الماضي، دعا مشرّع أمريكي مسقط إلى إغلاق “مكتب الحوثيين”، مستخدمًا لغة مشابهة لتلك التي استخدمها مشرّعون ينتقدون قطر.
وقال دبلوماسي عُماني لموقع “ميدل إيست آي”: “بالطبع خطرت الفكرة في أذهاننا، لكن إذا لاحظت، بينما تهاجم الصحافة الإسرائيلية قطر بانتظام، وهي أيضًا وسيط، فإن عُمان لا تُنتقد بنفس الطريقة”.
وقال بينفولد لموقع “ميدل إيست آي” إن الإمارات من غير المرجح أن تُخرج إحباطها بسبب اليمن على عُمان.
وأضاف: “الروابط الاقتصادية مع عُمان تمر عبر دبي، لا أبوظبي، التي هي أقل انخراطًا في السياسة الخارجية الخاصة باليمن. أعتقد أن الروابط الاقتصادية ستستمر. فدول الخليج تتعامل ببراغماتية قاسية عندما يتعلق الأمر باقتصاداتها”.
ويرى بعض المحللين أن هناك بالفعل فرصة جديدة للوساطة العُمانية في اليمن الآن؛ فقد تراجع المجلس الانتقالي الجنوبي، وساعد هجوم السعودية الخاطف على استعادة هيبتها العسكرية بعد إخفاقها أمام الحوثيين، ودبلوماسيًا بين العرب المعارضين للحركات الانفصالية.
وكانت السعودية والحوثيون بالفعل في محادثات جدية، وقد تحركت الرياض نحو التفاهم مع الجماعة بينما تركز على المشاريع الاقتصادية. وفي مايو/ أيار، كانت السعودية هي من ضغطت على ترامب لوقف الهجوم على الجماعة، كما نجحت عُمان في التوسط في صفقة تبادل أسرى بين السعودية والحوثيين في ديسمبر/ كانون الأول.
وقال البلوشي: “عُمان لديها الآن فرصة كبيرة لإنهاء وساطتها”.
وأضاف أن التحدي الذي يواجه الوساطة العُمانية الآن هو الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فإذا تحركت الدولتان لمهاجمة إيران مرة أخرى، فقد يشعل ذلك التوترات.
وقال: “لماذا ينبغي للحوثيين أن يبرموا صفقة إذا لم تُرفع عنهم العقوبات الأمريكية وظلوا يتعرضون للقصف من إسرائيل؟”.
المصدر: ميدل إيست آي