ترجمة وتحرير: نون بوست
توصل مختبر “سيتيزن لاب” إلى أن شبكة إلكترونية قامت بترويج مقاطع فيديو مزيفة بتقنية “ديب فايك” تزامنًا مع الغارات الجوية الإسرائيلية على سجن إيفين في طهران. كما يكشف تحقيق أجرته صحيفتا “ذا ماركر” و”هآرتس” عن وجود حملات رقمية واسعة النطاق ناطقة بالفارسية، جرى تمويلها بشكل غير مباشر من إسرائيل.
في مطلع عام 2023، أجرى رضا بهلوي أول زيارة رسمية له إلى إسرائيل. وبهلوي هو نجل آخر شاه لإيران، الذي أُطيح به عقب الثورة الإسلامية عام 1979، ليحل محله نظام الملالي.
وقد حظيت زيارة من وُصف بـ”ولي العهد الإيراني”، وهو اللقب الذي استخدمته مضيفته الإسرائيلية آنذاك، وزيرة الاستخبارات (ووزيرة العلوم الحالية) غيلا غملائيل، بتغطية إعلامية واسعة في وسائل الإعلام الإسرائيلية، بما في ذلك تقارير نشرتها صحيفة “هآرتس”. وكرّرت التغطيات الصحفية الرواية الرسمية، التي اعتبرت الزيارة دليلًا على عدم وجود عداوة بين الشعبين الإيراني والإسرائيلي، بل بين الحكومة الإسرائيلية والنظام الحاكم في طهران.
وعلى الرغم من تمتع بهلوي بشعبية نسبية في أوساط الجاليات الإيرانية في الخارج، فإن مسألة قبوله قائدًا من قبل الإيرانيين داخل البلاد لا تزال موضع شك كبير. فهو نجل ديكتاتور سابق حظي بدعم إسرائيلي وأمريكي، ويحمل إرثًا سياسيًا مثقلًا بتاريخ حكم والده، الذي لم يُعرف فقط بانفتاحه على الثقافة الغربية، بل كذلك بالفساد، والقمع السياسي، وتعذيب معارضي النظام.
وعلى خلاف والده، يقدّم رضا بهلوي نفسه بخطاب يركز على السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان. وخلال مؤتمر صحفي عقده إلى جانب غملائيل، سُئل عن الكيفية التي يمكن للشعب الإيراني من خلالها التخلص من حكم الملالي، فأعاد — بإنجليزية سليمة — الرسالة التي ظل يرددها على مدى عقود، وقال: “من بولندا ليخ فاونسا إلى جنوب أفريقيا نيلسون مانديلا… قامت العديد من الحملات الناجحة على المقاومة المدنية السلمية بوصفها وسيلة لإحداث التغيير، أي من دون تدخل خارجي”. ثم توقف، ورفع إصبعه، مضيفًا توضيحًا: “لكن العنصر الحاسم هو أن أياً من هذه الحركات لم يكن ليحقق النجاح من دون قدر من الدعم الدولي”، في تبرير مباشر لزيارته إلى إسرائيل.
وعند سؤاله عن ردود الفعل على زيارته لإسرائيل، العدو اللدود لإيران، قال إن التفاعلات كانت “إيجابية إلى حد كبير”، محيلًت الصحفيين إلى حساباته على منصات التواصل الاجتماعي.
وأضاف: “لا تأخذوا كلامي على محمل التصديق، ابحثوا على وسائل التواصل الاجتماعي… على تويتر، إنستغرام، أي منصة”. وتابع: “إذا قمتم بالبحث بأنفسكم، فلن تحتاجوا إلى توجيه هذا السؤال إليّ. الإجابة ماثلة أمام أعينكم”.
وتكتسب تصريحات بهلوي أهمية خاصة في ضوء ما خلصت إليه تحقيقات صحيفتي “هآرتس” و”ذا ماركر”، الذراع الاقتصادية لـ”هآرتس”. إذ كشفت التحقيقات عن وجود حملة تأثير رقمية واسعة النطاق باللغة الفارسية، تُدار من داخل إسرائيل، وتموَّل من كيان خاص يتلقى دعمًا حكوميًا.
وتركّز الحملة على الترويج لصورة بهلوي العامة، إلى جانب تضخيم الدعوات المطالبة بإعادة النظام الملكي. وتعتمد في ذلك على استخدام “أفاتارات” — شخصيات رقمية وهمية — تنتحل صفة مواطنين إيرانيين على منصات التواصل الاجتماعي. وقد جرى رصد هذه الشبكة لأول مرة من قبل باحثين في مجال وسائل التواصل الاجتماعي داخل إسرائيل وخارجها.

وبحسب مصادر تحدثت إلى “ذا ماركر” و”هآرتس”، فقد بدأت — منذ اندلاع الحرب في غزة وبعد زيارة بهلوي — عملية إلكترونية تعمل ضمن حملة إسرائيلية أوسع للتأثير في الخطاب الدائر على وسائل التواصل الاجتماعي، وتشمل أيضًا حملات باللغتين الإنجليزية والألمانية.
ووفقًا لخمسة مصادر تمتلك معرفة مباشرة بالمشروع، جرى تجنيد متحدثين أصليين باللغة الفارسية للعمل ضمن هذه العملية. وأكد ثلاثة من هذه المصادر وجود صلة مباشرة بين المشروع وهذه الحملة تحديدًا، مشيرين إلى أنهم شاهدوا الشبكة وهي تروّج لرسائل مؤيدة لبهلوي.
وأضافت المصادر أن الحملة اعتمدت على حسابات مزيفة على منصات مثل إكس وإنستغرام، واستخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في نشر السرديات الأساسية، وصياغة الرسائل، وإنتاج المحتوى. ووفقًا لمصدرين، شملت الجهود أيضًا محاولات لتضخيم منشورات حليفة بهلوي في إسرائيل، غيلا غملائيل، الوزيرة المنتمية إلى حزب “الليكود” بزعامة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو.
ونظرًا إلى أن العملية كانت ممولة بشكل غير مباشر من أموال دافعي الضرائب، ومصممة لخدمة المصالح الجيوسياسية لإسرائيل، قال مصدران إن بعض المشاركين فيها أبدوا انزعاجهم من الضغوط التي مورست لاستخدام الحملة في الترويج للوزيرة.
وكانت “هآرتس” قد كشفت سابقًا عن أجزاء من هذه الشبكة وحساباتها. وربطت مصادر الحملة بشبكة الحسابات المؤيدة لبهلوي، التي رصدها لأول مرة باحثان مستقلان في مجال وسائل التواصل الاجتماعي، نيتسان ياسور وغيل فيلدمان، وكتب عنها الصحفي بار بيليغ في تقرير نشرته “هآرتس”. وفي ذلك الوقت، وُصفت هذه الجهود بأنها عملية تأثير أجنبي محتملة، بينما ظل الجمهور المستهدف غير واضح، بسبب منشورات بدت وكأنها تروّج للوزيرة.
غير أن المصادر شددت على أن الحملة لم تكن سوى “أجنبية في مظهرها فقط”، إذ إن منشأها كان داخل إسرائيل. ووفقًا لتحقيق “ذا ماركر” و”هآرتس”، شملت العملية التعاقد مع مزودين خارجيين، وهي جهات خاصة تتمتع بحرية بيع خدماتها لعملاء خارج إطار الدولة الإسرائيلية.
ولفت التحقيق إلى أن هذه الشبكة لا تمثل النشاط المنظم الوحيد في هذا المجال؛ فقد باشرت “ذا ماركر” و”هآرتس” تحقيقهما في الحملات الإسرائيلية الناطقة بالفارسية بعد تلقيهما معلومات من باحثين في مختبر “سيتيزن لاب” التابع لجامعة تورونتو، المتخصص في دراسة التهديدات الرقمية، بما في ذلك برامج التجسس وحملات التضليل.
وإلى جانب الشبكة التي كشف عنها الصحفيون الإسرائيليون، توصل “سيتيزن لاب” إلى اكتشاف حملة تأثير أخرى مؤيدة لإسرائيل وناطقة بالفارسية، كُشف عنها يوم الجمعة في تقرير نُشر بالتزامن مع تحقيق “ذا ماركر” و”هآرتس”.
وشملت هذه الحملة عشرات الحسابات المزيفة التي روّجت لمحتوى مُولَّد باستخدام الذكاء الاصطناعي. ويقدّر باحثو “سيتيزن لاب” أن من المرجح بدرجة كبيرة أن تكون هذه الحملة مُدارة من قبل الحكومة الإسرائيلية، أو من قبل متعهد يعمل بالنيابة عنها. واستندت استنتاجات التقرير إلى مؤشرات رصدها المعهد على وجود تنسيق بين محتوى الحملة الإلكترونية والعمليات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب التي استمرت 12 يومًا مع إيران، بما في ذلك دلائل على امتلاك القائمين على الحملة معرفة مسبقة بالهجوم الإسرائيلي على سجن إيفين سيئ الصيت في إيران، بل والاستعداد له عبر إعداد محتوى مسبق قبل تنفيذه.
ملك ليوم واحد
وغادر ولي عهد أسرة بهلوي – الشاب حينها – إلى الولايات المتحدة لتلقي تدريب عسكري كطيار بعد المدرسة الثانوية، لكن عائلته اضطرت إلى الفرار من طهران في أوائل عام 1979 بسبب الانتفاضة الشعبية المناهضة للشاه. كان رضا قد تجاوز العشرين بقليل عندما توفي والده في المنفى بالقاهرة، فقام أنصار الملكية بتتويجه خلفًا له.
وقد انتقد رضا النظام الذي يقوده رجال الدين من الخارج على مدى 45 عامًا، وأقامت إسرائيل في مرحلة ما علاقة معه، فيما يُعتقد أنه جزء من جهود رامية إلى تغيير النظام. وتُعد غملائييل هي المسؤولة في إسرائيل عن التواصل مع بهلوي، وهي من سهّلت اجتماعه مع نتنياهو.
ويحذر راز زيمت، الباحث في معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، من أنه رغم رغبة معظم الإيرانيين في التغيير وشعورهم بالإحباط من حكم الإسلاميين الذي يعيشون تحته، فإنهم يحلمون بحياة طبيعية، لا بإعادة النظام الملكي، ويعتقد أيضًا أن بهلوي ليس الخيار الأول للإيرانيين، وذلك لأن “قدمه لم تطأ إيران منذ أواخر السبعينيات”.
ورغم أن لبهلوي قاعدة من المؤيدين بين بعض المنفيين الإيرانيين، إلا أن زيمت يشكك في قيمة تحالف إسرائيل العلني معه. ويقول: “أستطيع أن أفهم سبب راحة غملائيل والحكومة الإسرائيلية تجاهه.. لكنني أعتقد أن هذا خطأ. في نهاية المطاف، يعزز هذا رواية آية الله خامنئي بأن إسرائيل والولايات المتحدة تريدان إعادة إيران لتكون ملكية ودولة تابعة”.
وعندما سُئل عما إذا كان احتضان إسرائيل لبهلوي قد يكون مدفوعًا بأسباب سياسية، وهو أقرب إلى العلاقات العامة منه إلى الدبلوماسية الحقيقية، قال زيمت إنه “يتفق مع ذلك تمامًا.. حتى لو كنت ستقيم مثل هذه العلاقة [مع بهلوي]، فمن الغريب أن تفعل ذلك علنًا”.
ورغم أن بهلوي يعلن أنه لا يسعى إلى أي منصب، فقد شهدت السنوات الأخيرة حملة على وسائل التواصل الاجتماعي تدعو إلى إعادة النظام الملكي بقيادة رضا، وقد أكدت المصادر أن جزءًا من هذه الجهود يستند إلى شبكة من الحسابات المزيفة منشأها في إسرائيل.
وقد كشف باحث في وسائل التواصل الاجتماعي، ضمن شبكة سبق أن كشفت عنها صحيفة هآرتس، مئات الحسابات الوهمية المشتبه بها التي تروّج لبهلوي على منصة “إكس”، ويشاركون رسائله ويستخدمون وسومًا مثل #KingRezaPahlavi. وقد وُجدت هذه الحسابات إلى جانب منشورات تروّج لغملائيل. ولم يكن جميع هذه الحسابات المشتبه بها، التي يقارب عددها الألف، جزءًا من الحملة نفسها، ولكن تم الكشف عن شبكة أوسع بكثير.
في الواقع، تضمن المنشور الذي كشف عن الشبكة مقطع فيديو تم إنتاجه بواسطة الذكاء الاصطناعي بعنوان “العام المقبل في طهران الحرة”، والذي ربط بين السياسة المحلية والمصالح الجيوسياسية وحظي بانتشار واسع، معظمه على الأرجح غير حقيقي؛ حيث يُظهر الفيديو نتنياهو وزوجته وغملائيل وزوجها وبهلوي وزوجته وهم يسيرون في شوارع طهران.
حصل الفيديو على عدد مشاهدات يفوق بكثير معظم منشورات الوزيرة على منصة “إكس”، وساعدت هذه المحاولات للترويج له الباحثين الإسرائيليين على تحديد شبكة من المستخدمين الذين يروّجون حصريًا للمحتوى الإيراني. وشمل ذلك منشورات غملائيل المتكررة على منصة إكس حول تغيير النظام في إيران، ومنشورات تروّج لعلاقاتها ببهلوي.
وقد فُتحت العديد من هذه الحسابات في عام 2022، في ذروة ما يُسمى باحتجاجات الحجاب في إيران. كما فُتحت مجموعة تضم أكثر من 100 حساب متحالف، وهي أيضًا جزء من الحملة، بشكل متزامن في يونيو/ حزيران من ذلك العام خلال الحرب الجوية التي استمرت 12 يومًا مع إيران. ولا يبدو أن هذه هي الحملة الوحيدة التي تعمل على هذه القضية من إسرائيل.
الهروب من السجن
ويُعرف مختبر “سيتزن لاب” – على نطاق واسع – بعمله في مجال برامج التجسس والانتهاكات المرتبطة بحقوق الإنسان والمدنية الناجمة عن تقنيات المراقبة، لكن المختبر يركز أيضًا على تهديدات أخرى في الساحة الرقمية، وقد نشر عددًا من التحقيقات حول حملات التضليل والتأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك عملية تأثير مؤيدة لإيران. والآن يكشف المختبر عن عملية مؤيدة لإسرائيل نشطة باللغة الفارسية.
وتشير نتائج المعهد، التي تمت مشاركتها مع صحيفتي “ذي ماركر” و”هآرتس” وتم التحقق منها بشكل مستقل خلال الأسابيع الأخيرة، إلى شبكة تضم أكثر من 50 حسابًا يعتقد الباحثون بثقة عالية أنها ليست لمستخدمين حقيقيين، استنادًا إلى مؤشرات متعددة.
وتختلف هذه الحسابات عن تلك التي حددها باحثون إسرائيليون والتي روّجت مباشرة لغملائيل. وقد تمكن “سيتزن لاب” من كشف المستخدمين المزيّفين عبر استخدام منهجيات وأدوات متعددة؛ إذ تبيّن أن العديد من صور ملفاتهم الشخصية تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وقد تم إنشاء جميع الحسابات التي حددها “سيتزن لاب” كجزء من الشبكة في عام 2023، لكنها بقيت غير نشطة حتى بدأت بالعمل على منصة “إكس” الواحد تلو الآخر أو حتى معًا في وقت مبكر من هذا العام، وهو ما يعزز الدلائل على أنها جزء من حملة منسّقة غير حقيقية. وقد تكثفت أنشطة هذه الحسابات مع اندلاع الحرب مع إيران.
وتضم الشبكة حسابات وهمية على “إكس” تتظاهر بأنها لمستخدمين حقيقيين، لكنها وُجدت أيضًا مرتبطة بصفحة “@TelAviv_Tehran”، التي تعمل بمثابة منصة إعلامية. وقد قام المستخدمون المزيّفون المرتبطون بالحملة بتضخيم محتوى الصفحة، بما في ذلك مقاطع فيديو مولّدة بالذكاء الاصطناعي أنتجتها حصريًا.
ومن بين هذه المقاطع، فيديو يُظهر المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في هيئة هتلر، مستندًا إلى المشهد الشهير من فيلم “السقوط” حيث ينفجر الزعيم النازي غضبًا في وجه جنرالاته. وقد جرى توزيع الفيديو المولّد بالذكاء الاصطناعي، الذي يُظهر خامنئي وهو في نوبة غضب، عبر صفحة “@TelAviv_Tehran” وحساب آخر من الشبكة، ومن خلالهما فقط.
أما الحالة الأكثر لفتًا للانتباه والتي تربط شبكة الحسابات بإسرائيل، فهي حملة إلكترونية تزامنت مع حملة ميدانية فعلية: الضربة الإسرائيلية على سجن إيفين الشهير، الذي يحتجز معارضين إيرانيين.
وتشكِّل هذه الحملة جوهر التقرير الجديد لـ”سيتزن لاب”، الذي حمل عنوان “الهروب من السجن”.
وقد وقعت الضربة الإسرائيلية حوالي الساعة 11:15 صباحًا يوم 23 يونيو/ حزيران واستمرت نحو ساعة. وفي الساعة 11:52 صباحًا، أي قبل صدور أولى التقارير في الإعلام الإيراني عن الهجوم، بدأت حسابات الشبكة بنشر منشورات على “إكس” تتحدث عن “انفجارات في منطقة السجن”. وقد صُممت هذه المنشورات لإعطاء الانطباع بأن الحسابات تعود لإيرانيين يعيشون في المنطقة.
בחזרה לעתיד …
بازگشت به آینده … pic.twitter.com/6tGB7z939U— גילה גמליאל – Gila Gamliel (@GilaGamliel) June 30, 2025
مقطع فيديو حظي بانتشار أوسع بكثير من معظم تغريدات الوزيرة غملائيل.
بعد دقائق قليلة من الظهيرة، بينما كان قصف السجن لا يزال مستمرًا وبدأت وسائل الإعلام الإيرانية في تغطية الحادث، نشر حساب آخر مرتبط بالشبكة مقطع فيديو يُزعم أنه لانفجار في السجن، موحيًا بأن هذا هو مصدر الأصوات التي زُعم سماعها في وقت سابق. واحدًا تلو الآخر، بدأت الحسابات المختلفة التي تم تحديدها كجزء من الشبكة في نشر الفيديو.
وكما كشف تحقيق لاحق أجرته صحيفة “نيويورك تايمز”، لم يكن هذا الفيديو تسجيلًا حقيقيًا من موقع القصف. لكن هذا الاكتشاف جاء بعد أن كانت وسائل إعلام حول العالم قد شاركته بالفعل. كما قامت صفحة “@TelAviv_Tehran” بنشر المقطع، والذي يقول الباحثون إنه تم إنشاؤه باستخدام الذكاء الاصطناعي.
ويرجع باحثو “سيتزن لاب” هذه الحملة إلى إسرائيل أو جهة تعمل لصالحها. ويستندون في هذا الادعاء إلى تسلسل الأحداث، أي أن الحسابات في الشبكة كانت من أوائل من أبلغوا عن الضربة، وتمكنت من إنتاج وتوزيع مقاطع مزيفة أثناء الهجوم أو مباشرة بعده.
وكتب “سيتزن لاب”: “يبدو أن نشاط هذه الحسابات كان متزامنًا، على الأقل جزئيًا، مع الحملة العسكرية التي نفذتها قوات الدفاع الإسرائيلية ضد أهداف إيرانية في يونيو/ حزيران”. وأضاف: “نعتقد أنه رغم أن ذلك ممكن تقنيًا، فإنه من غير المرجح إطلاقًا أن أي طرف ثالث من دون معرفة مسبقة بخطط الجيش الإسرائيلي كان سيتمكن من إعداد هذا المحتوى ونشره في مثل هذه الفترة الزمنية القصيرة”.
“الموت لخامنئي” عند الثامنة مساءً
بعد الضربة، بدأت الحسابات التي دفعت الفيديو وغيرها من الشبكة في تشجيع الإيرانيين على التوجه إلى السجن لـ”تحرير أفراد العائلة”. وخلص “سيتزن لاب” إلى أن الحملة هدفت إلى إثارة اضطرابات قد تساعد في زعزعة استقرار النظام. كما وُجدت منشورات مشابهة في شبكة أخرى اكتشفها الإسرائيليون.
حتى قبل الضربة على السجن، كانت رسائل ومقاطع فيديو تُنشر على منصة “إكس” بروح مشابهة منذ اندلاع الحرب؛ حيث كتب أحد المستخدمين: “طهران عاجزة عن الدفاع عن نفسها”، بينما اقترح آخر أن يقتحم سكان المدينة البنوك ويسحبوا أموالهم. ووفقًا لتقارير في الأيام الأولى من الحرب، هاجمت مجموعة هاكرز مؤيدة لإسرائيل بنكًا إيرانيًا مرتبطًا بالحرس الثوري.
وحاولت الحملة استغلال احتجاج حقيقي قام به الإيرانيين، الذين دعوا الناس إلى الخروج إلى شرفاتهم عند الساعة الثامنة مساءً والهتاف “الموت لخامنئي” و”الموت للدكتاتور”. وقد انضمت الحسابات في الشبكة المؤيدة لإسرائيل لتضخيم الرسالة، التي حظيت بدعم فعلي بغض النظر عن الحملة غير الأصيلة. فعلى سبيل المثال، وزعت الحسابات مقاطع فيديو مزيفة لهتافات شعبية كانت تُطلق بالفعل، مع تبني وسوم مرتبطة بالاحتجاج الحقيقي.
وليست كل المواد مصنوعة بالذكاء الاصطناعي؛ فقد وجد “سيتزن لاب” مقطع فيديو يُرجَّح أنه تم تعديله يدويًا من قبل شخص ما. وقد حقق هذا الفيديو وغيره نجاحًا أكبر بكثير من تلك التي نُشرت أثناء الهجوم على السجن، إذ وصل بعضها إلى أكثر من 20 ألف مشاهدة، فيما تجاوز أحدها 60 ألف مشاهدة، على غرار الفيديو المرتبط بالوزيرة غملائيل الذي أدى إلى اكتشاف الشبكة الأخرى.
وتوصل الباحثون إلى أن الحملة المؤيدة لإسرائيل تضمنت أيضًا تقريرًا إخباريًا مزيفًا وفيديو مزيف لمغنٍ إيراني يؤدي أغنية احتجاجية. فعلى سبيل المثال، وزعت الشبكة لقطة شاشة لتقرير مزيف من قناة “بي بي سي فارسي” يزعم فرار مسؤولين إيرانيين كبار من البلاد؛ وقد أكدت “بي بي سي فارسي” أنها لم تنشر مثل هذا التقرير مطلقًا.
ويكشف تحليل الحسابات المختلفة التي حددها “سيتزن لاب” أن الشبكة مرتبطة أيضًا بعدة قنوات على “تلغرام” شجعت على الاحتجاجات في إيران، من خلال استغلال مشكلات حقيقية كانت في صميم الحركات الاحتجاجية الإيرانية.
وقد تم العثور على ما يقرب من 10 مجموعات مختلفة على “تلغرام” عملت على تشجيع الاحتجاجات وكانت مرتبطة بالحسابات الخاصة بالحملة على “إكس”. وشملت هذه المجموعات قضايا مثل أزمة المياه في إيران، وسوء إدارة البنية التحتية، والفساد. كما تبيّن أن أحد الحسابات الوهمية في الحملة تظاهر بأنه لامرأة إيرانية على “إكس”، بل وأدار صفحة على “إنستغرام” ومجموعة على “تلغرام” مخصصة للنساء، حيث دُعيت نساء إيرانيات حقيقيات إلى “مشاركة قصصكن في مساحة آمنة”.
لا تختلف هذه الممارسة كثيرًا عما يستخدمه الفاعلون المؤيدون لإيران ضد إسرائيل. فالقضايا الخلافية داخل إسرائيل، مثل عداء بعض المتدينين لمجتمع الشواذ، أو الانتقادات الموجهة لنتنياهو أو لتكاليف المعيشة، كانت محورًا رئيسيًا في حملات التضليل الإيرانية داخل إسرائيل خلال السنوات الأخيرة.
ووفقًا للائحة الاتهام الموجهة ضد شاب إسرائيلي جندته إيران خلال الحرب عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كان مطلوبًا منه أن يزوّد مشغليه بصور للأضرار الناجمة عن ضربات الصواريخ الإيرانية، وقد حصل على مقابل مالي لقاء جهوده. هذا هو الجانب الأخر من حرب التأثير بين إسرائيل وإيران.
وقال ألبرتو فيتاريلي، الذي قاد البحث في “سيتزن لاب”: “رغم أنه من الشائع أن تستخدم الأنظمة الاستبدادية مثل هذه الأدوات والأساليب داخليًا وخارجيًا، ينبغي على الحكومات الديمقراطية أن تمتنع عن تبني الأساليب ذاتها. إن إسناد عمليات التأثير إلى منفذيها ورعاتها يتطلب مؤشرات تقنية نادرًا ما تكون متاحة علنًا. وغالبًا ما تكون منصات التواصل الاجتماعي هي الحارس لتلك البيانات”.
وبحسب مصادر مطلعة على الحملات الإسرائيلية باللغة الفارسية، فإن بعض الحسابات المزيفة التي كشف عنها “سيتزن لاب” أظهرت دلائل على مشاركتها في الحملة الثانية التي انطلقت من إسرائيل. هنا وهناك، استخدم هؤلاء المستخدمون المزيفون وسم #KingRezaPahlavi وشاركوا صورًا وخطبًا لابن الشاه، ودعوا إلى إعادة النظام الملكي للبهلوي.
المصدر: هآرتس