في نهاية عام 2024، طرح المخرج التسجيلي خوان خريمون بيريز فيلمه “مقطوعة للانقلاب“، محاولًا، من موقع مخرج التزم تجاه قضايا معيّنة وتحيّزات واضحة، أن يقدّم تحية وإعادة إحياء لسيرة الرئيس الكونغولي المُغتال في ستينيات القرن الماضي، باتريس لومومبا. ورغم الحفاوة النقدية بالفيلم واستقباله في الأوساط النخبوية بترحاب بالغ وإعجاب، لم يكن الفيلم ذا ذيوع واسع في الأوساط الجماهيرية، لعدة أسباب لا تتعلّق بجودة الفيلم من عدمها.
ومنذ ديسمبر 2025، استطاع ميشيل نكوكا مبولادينجا أن يملأ الأتموسفير، عربيًا وإفريقيًا، بسيرة المناضل باتريس لومومبا، بين من يحاول أن يعرف، وبين من يستعيده. نجح ميشيل، بتحوّله في كل مباراة يلعبها منتخب الكونغو الديمقراطية إلى تمثال بشري على هيئة لومومبا على مدار 90 دقيقة، لا تدبّ فيه الحركة إلا ثوانٍ معدودة، في أن ينتزع للسياسة والتاريخ والذاكرة، ولمراجعة التاريخ الاستعماري البلجيكي خصوصًا، الذي أذاب جثة لومومبا في الأسيد بعد أن قطعها أشلاء، وللفترة الكولونيالية الإفريقية عمومًا، مكانًا داخل الحدث الكروي الأهم في قارة إفريقيا، بشكل غير مسبوق في تاريخها. بكلمة أخرى، استحضر المشجّع لومومبا روحًا ثورية في سياق احتفالي، جاعلًا الذاكرة حاضرة في مكان يُراد له الترفيه والاستمتاع فقط.
هكذا، لا تُغرينا قصة تمثال لومومبا البشري بالحديث حياة لومومبا التي أغرقت الفضاء الإلكتروني خلال الأيام الماضيّة، ولا سيرة مجسد التمثال، بل تفتح لنا بابًا أوسع لنناقش جدوى الاحتجاج الرمزي في صون الذاكرة الجمعية للشعوب والقضايا، بل وفي تغيير مجرى الأحداث التاريخية في بعض الأحيّان، خاصًة، وأننا على مدار ربع قرن قد انقضى منذ بداية الألفية، كان العالم ممتلئًا بالاحتجاجات، التي أسطرتها الرموز.
ثلاثة مشاهد هندية
يُورد لنا كتاب “الدروع البشرية: تاريخ بشر على خط النار” لكاتبيّه نيف غوردون ونيكولا بيروجيني قصة عن الاحتجاج الرمزي، امتزجت بالتترس البشري، حين احتضنت أمريتا ديفي وهي امرأة محلية من الهند في عام 1730 أحد الأشجار بالقرب من منطقة جودبور في راجستان، منعًا للجنود من قطعها من أجل بناء قصر جديد للملك، وقُتلت وهي تحاول حماية الأشجار.
كانت تلك الحادثة مصدرًا مُلهمًا لـ 362 شخصًا آخر من الذين حذوا حذوها، ولقوا حتفهم مثلها. رغم أن المهراجا نجح في النهاية في بناء قصره بأخشاب الغابة، إلا أن تلك الرمزية في الاحتجاج لم تذهب سُدى، فلقد شكل استشهاد أمريتا ديفي معانقًة لشجرة، رمزًا ما زال يُستحضر حتى اليوم ويُعاد تكراره في يوم 12 سبتمبر من كل عام، وشكلت تلك الآلية نفسها مصدر تكتيكات البيشنويّ -جماعة البيئييّن في الهند إن جازت تلك التسمية- على مر القرون اللاحقة التي تقوم بنشاط كبير حتى هذا اليوم في الحفاظ على الحياة البريّة في الهند، وطبيعتها الثرية.
View this post on Instagram
لم يكن المهاتما غاندي بيشنويًّا، لكنه تأثر بجدوى الاحتجاج الرمزي لتلك الجماعة، وكان للرمز الاحتجاجي دورًا كبيرًا في الهند التي تخيّلها غاندي، حيث لجأ إلى الرمزيّات ليحتج على نظام الطبقات الكاسِت التي تفرق بين البشر الهنود، لذلك يحدث اليوم، أن يتوسط علم الهند رمزًا دائريًّا، فرضه خيّال غاندي الثوري حيث كان إسهامه الاحتجاجي الرمزي الأهم متجسد في ذاك الرمز، دولاب التشاركا، حين دعا إلى وجوب قيام الجميع بالغزل المنزلي بواسطة دولاب الغزل البدائي المعروف بالـ “تشاركا”، لكون هذا جزءًا مهمًا من عملية تحقيق الهند ذاتها.
كان لفكرة غاندي معارضيها، أبرزهم الشاعر طاغور، الذي رأى الفكرة فوق أن لا جدوى اقتصادية من ورائها، تُعطل العقل والفكر البشري في حركة آلية رتيبة ومتكررة، لكن غاندي رأى في دولاب الغزل ما هو أبعد. بالنسبة له، يكن مستندًا إلى الاقتصاد كمسألة ذات جدوى وحسب، ولكن كان يريد جعل الجميع يغزلون “ثلاثين دقيقة يوميًا كنوع من التضحية” كما يذكر أمارتيا سِن في كتابه “الهندي المولع بالحجاج”، كأسلوب للتماهي ممن هم أحسن حالًا مع من هم أقل حظًا، وانتهت تلك الرمزيّة الغانديّة إلى أن تكون رافدًا يُمد الهوية الهندية بمكوناتها ورموزها.
وسنظل في الهند، لنستدل أيضًا على قوة الرمز، في قصة شبيهة بقصة لومومبا، غير أن بطلها لم يُجسد تمثالًا. يُقدس الهنود الاحتجاجية الرمزيّة، وهذا ما يذكره الباحثان ديباسيش روي شودري وجون كين في كتابهما “قتل الديمقراطيّة” من خلال اعتناقهم أسلوب الساتياغراها -المقاومة اللاعنفية، كوسيلة لتحقيق الإصلاح الاجتماعي والسياسي. كان الأب “بيلهور” مكلومًا لفقدانه ابنه ذو الـ 16 عامًا في حادثة طريق، عادية جدًا في الهند، حيث تبتلع الحفر العميقة في الطرق الناس الذين لا ينتبهون لخطواتهم بمعدل 10 أشخاص يوميًا، والتي تأتي الحكومة لتردمها بعد حدوث الكارثة كما حصل مع ابنه.
من أجل ذلك، اختار بيلهور بائع الخضروات أن ينزل بنفسه، بحفنة من الأسمنت ومعول ليبحث في الطرقات عن حفرةٍ ليردمها بنفسه حتى لا تتكرر مأساة ابنه مع غيره. تلك الحالة التي رأها الناس تتكرر يومًا بعد آخر استرعت انتباههم، لينتج عنها واحدًا من أكثر المشروعات غير الربحية فرادًة في نوعها، حيث يخرج الناس لردم الحفر دون أن ينتظروا المحليّات لتقوم بهذا الدور، واليوم يردم فريقه المتنامي المُمسى على اسم ابنه “مؤسسة براكاش” بردم ما بين 20 إلى 25 حفرة في الشهر، وهي المؤسسة التي تبناها طلاب الهندسة في إنشاء تطبيق ارصد حفرة Spot a Pothole الذي يهتم بجمع معلومات عن مواقع الحُفر وإرسالها للمؤسسة لكيّ تأتي إلى ردمها.
تلك القصة ومثيلاتها تتكرر في الهند احتجاجًا على فساد بيروقراطيّة المحليّات، فيتحول الاحتجاج الرمزي إلى إرادة للتغيير وإلى أسطورة شعبيّة أحيانًا كما مثلها بيلهور الذي بات يعرف باسم “جد الحُفر”، أو شخصية مانجي الذي حفر طريقًا في الجبال لأطفاله حتى لا تحصد أرواحهم السيارات كما فعلت مع زوجته، أثناء ذهابهم للمدرسة، وقد خلد تلك القصة الفيلم البوليوودي Manjhi عام 2015.
قناعٌ وورقة بيضاء
كانت فترة الكورونا في الصين فوق خطورتها، فترةً معبأة بالرمز، فبسبب فيروس “كوفيد 19” تولدت مجموعة من الاحتجاجات الرمزية التي أكدت على دور الرمز في ترويج قضية ما، ومراوغة الاستبداد، بل والتمرد عليه. في تقريرها، كشفت نيويورك تايمز عام 2020 عن ظروف عمل قاسية يتعرض لها مسلمي الإيغور في الصين، حيث يُجبرون على صناعة الأقنعة الوقائية. استفز التقرير مشاعر الناس حين خاطبهم قائلًا “لو كنت ممن يرتدون قناعًا وقائيًّا، فتلك المشاهد يُهمك أن تراها”.
لقد تحول “القناع” الذي يرتديه الفرد العادي من أجل أن يقيه الفيروس، رمزًا للتمرد والاحتجاج على ظروف معسكرات العمل تلك، حينما قام شخصًا ما ما زال مجهولًا، بتصميم قناعًا ملونًا بالأزرق، عليه لطمة كف رمزًا للإخراس، وأحيانًا ملطخًا بالدماء. وعلى غرار رمزية أقنعة كقناع فانديتا الشهير الذي اجتاح ميادين الثورات في كل مكان في العالم، تلونت الميادين في حواضر مختلفة من المعمورة بهذا اللون الأزرق من الذين خرجوا احتجاجًا صامتًا، مرتدين فقط القناع، احتجاجًا على ما يتعرض له مسلمي الإيغور في معسكرات اعتقالهم.
بتلك الطريقة، نجح ذلك الاحتجاج الرمزي في ترويج قضية الإيغور على نطاق واسع، مستلهمًا ما للرمز من قيمة حقيقية كهوية جماعية مرئية ترفض ظروف الاضطهاد التي يتعرض لها شعب الإيغور، وتخطى القناع هنا، فكرة الرمز الثقافي الخاص بشعب ما حصرًا، ليصبح جسر رمزي يربط بين حركة احتجاجية وشبكة دعم أوسع عبر الحدود ويحول الفعل الاحتجاجي إلى صلة رمزية جمعت مروحًة من المتظاهرين بأطيّافهم العديدة.
في أحد أيام الحقبة السوفيتيّة، قام أحد أعداء الشيوعيّة بتوزيع منشورات في ميدان عام، وبعد ضبط المنشورات تبيّن للشرطة أنها كانت فارغة، وعندما سُئل عن جدوى ذلك، أجاب بأنه “لا حاجة للكلمات لأن الجميع يعلم”. هذا ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز في تعليل لماذا رفع المُحتجين في الصين ورقة بيضاء في الاحتجاج الكبير الذي شهدته الشوارع الصينية احتجاجًا على سياسة صفر كورونا في عام 2022، وهكذا تقول متظاهرة “لم يكن هناك شيئًا على الورقة، لكننا نعرف ما عليها”.
لقد اختار الصينيون الاحتجاج بذلك الرمز ضد قمع حرية الرأيّ والاستبداد الذي يتبعه الحزب ضد الشعب الصيني، والذي زاد وطأًة نتيجة سياسة صفر كورونا، لقد رأى المتظاهرون في تلك الورقة البيضاء رمزًا بليغًا يمكنه قول كل شيء، رغم أنه لا يقول شيئًا، ولذلك، لا يمكن للشرطة أن تقبض عليهم لعدم قولهم شيّئًا، لقد باتت الورقة البيضاء ترمز لكل شيء يريد الصينيّون قوله ولا يستطيعون.
سؤال الجدوى.. هل له إجابة؟
في روايته جماليات المقاومة Die Ästhetik des Widerstands، يطرح الروائي الألماني بيتر فايّس وعلى مدار ثلاثة أجزاء أشبه بملحمة، تصورًا يدحض السردية التي اتهمت الشعب الألماني بعدم مقاومة الحكم النازي، من خلال تخليده لمجموعة من الشباب والفنانين الذين رأوا أن يقاوموا الفاشية بالفن والتأمل في الجماليّات والتماثيل والأدب.
ينتصر فايس لأهمية الاحتجاج من خلال الرمز، كما انتصرت له بشكل لا واعي ظواهر اجتماعية على مر القرون. حينما يلجأ الشيعة إلى إعادة تمثيل يوم كربلاء عامًا بعد آخر بكل أحداثه وما تعرض له الحسين حفيد الرسول من مأساة، فإنهم، ومن خلال ذلك الفن المسرحي الذي يحشد الفُرجة الجماعية في الشارع، أي المسرح في شكله الفطري، يحتجون على تاريخًًا للمجتمع الإسلامي ترى سرديّتهم فيه أنهم الطرف المُضطهد.
لا يختلف هذا كثيرًا عن ما مثله المشجع الكونغولي الذي امتثل لومومبا وقرر الوقوف حتى تورمت قدماه، من أجل التعبير عن صمود لومومبا رغم اغتيّاله وتذويبه في الأسيد، فبعد أكثر من 60 عامًا ما زال هناك من يمتثلون قيّم لومومبا التي يُعبر عنها ذاك المشجع.
في الفضاء العام والسياسي لا يُمكن حصر أشكال الاحتجاج في قالب معيّن، فهي تتعدد بين مسيرات، اعتصامات، أو إضرابات، لكن أكثر أشكالها دلالة ضمنيّة وتجريديّة هي الاحتجاج الرمزي، فهذا النوع من الاحتجاج، الذي يعتمد الفن جزءًا منه، لا يختزل في كونه مظاهرة بصرية أو أداء مثير للانتباه، بل وسيطًا بين الفعل السياسي والبنية الثقافية الرمزية لمجتمع ما، تعبر عن معان متعددة تتجاوز اللحظة الآنية إلى ذاكرة جماعية سرمدية.
هكذا، لا تكون الجدوى الاحتجاج الرمزي أن تشمل نتائج محققة وآنيّة كنتيجة مباشرة، وهذا ما يُعيدنا لمعركة هي نفسها معركة غاندي وطاغور، التي أرادها طاغور حول الجدوى الاقتصادية والفكر والتأمل، ورأى غاندي فيها ما هو أبعد، وفي تلك المعركة الفكرية يُمكن للمؤرخ الأمريكي تشارلز تيلي المهتم بالحركات الاجتماعية أن ينتصر لغاندي، فتيلي يرى فيما يسميه ذخائر الخلاف Repertoires of Contention، أن هناك ترسانة من الأفعال الاحتجاجية المتاحة تاريخيًا لجماعة ما، وتلك الترسانة لا تُختزل في كونها أفعالًا مادية، بل تشمل أشكالًا رمزية مشحونة بالمعنى، تُعاد صياغتها باستمرار وفقًا للسياق الثقافي والتاريخي، وهنا بالتحديد، يظهر الفرق بين الفعل الهادف نتيجة مباشرة، فعل أداتي، والفعل الرمزي، الذي يريد إعادة تعريف الواقع والذوات والخصوم، وهكذا يُقاس الاحتجاج الرمزي بقدرته على إعادة ترميز الواقع السياسي، أكثر من قدرته على التغيير السريع الآني، وهو ليس بديلًا عن الفعل السياسي، بل شرطه الثقافي.

