خلال زيارتي إلى مسقط، لفت انتباهي أمرٌ يبدو بسيطًا في الظاهر، لكنه عميق الدلالة في الجوهر: يكاد التدخين يكون غائبًا عن المشهد العام. نادرًا ما ترى مدخنًا في الشارع أو في الأماكن المفتوحة، سواء من الرجال أو الشباب.
وعندما قارنت ذلك بما اعتدتُ رؤيته في إسطنبول — حيث ينتشر التدخين على نطاق واسع بين مختلف الفئات، في الشوارع والمقاهي والساحات — أدركتُ أن المسألة ليست مجرد ذوق شخصي أو صدفة ثقافية، بل هي نتاج مسار تاريخي وفكري طويل.
المذهب الفقهي بوصفه مُشكِّلًا ثقافيًا
في النقاش الذي دار مع متابعين عُمانيين عقب نشر فيديو عن هذه الملاحظة، أرجع كثيرون هذا الغياب شبه التام للتدخين إلى المذهب الإباضي السائد تاريخيًا في سلطنة عُمان. فالتدخين — بحسب هذا التراث الفقهي — حُرِّم منذ وقت مبكر، ولم يُتعامل معه بوصفه مسألة خلافية هامشية، بل أُدرج ضمن باب الضرر والخبائث.
في كتب ونقولات فقهاء الإباضية، وردت عبارات ومعانٍ من قبيل: «كل ما ثبت ضرره على البدن أو العقل، أو أفسد المال والخلق، فهو حرام، والدخان داخل في ذلك دخولًا بيّنًا، وهو من الخبائث التي تأباها الفطرة السليمة».
وبناءً على هذا الأصل، قرر الفقه الإباضي أن التدخين:
- إضرار مباشر بالنفس
- وإضاعة للمال
- واعتياد يُفضي إلى الإدمان
- وسلوك يتنافى مع مقاصد حفظ النفس والعقل
لذلك لم يُترك التدخين في دائرة «المكروه» أو «المشتبه»، بل صُنِّف مبكرًا في دائرة التحريم الواضح. ومع الزمن، لم يبقَ هذا الحكم في حيّز الفتوى، بل تحوّل إلى عرف اجتماعي صارم؛ فأصبح التدخين سلوكًا غير مرغوب فيه اجتماعيًا، يصل أثره إلى فرص الزواج، حيث تُسأل الأسرة صراحة: هل المتقدِّم للفتاة مدخن أم لا؟
وهنا لم يعد الامتناع عن التدخين التزامًا دينيًا فرديًا فحسب، بل أصبح جزءًا من الصورة الأخلاقية المقبولة اجتماعيًا.
على الضفة الأخرى: التساهل الفقهي وتحوّله إلى ثقافة
في المقابل، تكشف التجربة التركية مسارًا مختلفًا. فمع دخول التبغ إلى العالم الإسلامي في القرنين العاشر والحادي عشر الهجريين، نشأ جدل فقهي واسع حول حكمه. وفي السياق العثماني، حيث ساد المذهب الحنفي، ظهر اتجاه فقهي داخل هذا المذهب اتسم بالتساهل مع التدخين، لا باعتباره فضيلة، بل باعتباره غير داخل في المحرمات القطعية.
ومن أشهر ما كُتب في هذا الاتجاه كتاب: إعلام الإخوان بإباحة الدخان»، وقد بنى هذا الاتجاه حججه على أن الدخان ليس مسكرًا ولا مخدرًا، ولا يوجد نصٌّ صريح قطعي في تحريمه، وأن الأصل في الأشياء الإباحة، وأن الأضرار الصحية لم تكن مثبتة طبيًا في زمنهم، وأن القياس على الخمر قياسٌ مع الفارق.
وإلى جانب هذا الكتاب، وُجدت رسائل فقهية حنفية أخرى سارت في الاتجاه نفسه، مؤكدة أن التحريم يحتاج إلى دليل قطعي، وأن التدخين — في حدّه الأدنى — يبقى في دائرة المباح أو المختلف فيه.
هذه المؤلفات لم تكن مقررات رسمية، لكنها أسهمت في تشكيل مناخ فقهي متسامح، انتقل تدريجيًا من دائرة الفقه إلى العرف الاجتماعي، خاصة في المدن العثمانية الكبرى، ثم في تركيا الحديثة. والنتيجة أن وازع الرفض الاجتماعي للتدخين لم يتشكّل، بل جرى تطبيعه بوصفه ممارسة يومية عادية، وجزءًا من ثقافة المقاهي والفضاء العام.
من الفتوى إلى السلوك الجمعي
اللافت هنا ليس الحكم الفقهي في ذاته، بل أثره التراكمي عبر القرون. فالفتوى لا تعمل وحدها، لكنها حين تتحوّل إلى مرجعية أخلاقية صامتة، وتترسخ عبر التربية والعرف والأسرة، فإنها تُشكِّل ما يمكن تسميته بـ«اللاوعي الجمعي للسلوك».
في الحالة العُمانية: تحريم فقهي مبكر وحاسم، وصم اجتماعي للتدخين، انسجام بين الدين والعرف، انخفاض ملحوظ في نسب التدخين، وأثر إيجابي على الصحة العامة وأمراض الصدر.
وفي الحالة التركية: تساهل فقهي تاريخي، غياب الوصم الاجتماعي، انتشار واسع للتدخين، وارتفاع معدلات أمراض الصدر المرتبطة به وفق التقارير الصحية العالمية.
الدين ليس نصًا فقط… بل ذاكرة سلوكية
ما تكشفه هذه المقارنة أن الدين، حين يُفهم بوصفه مجرد نصوص منفصلة عن سياقها، نفقد قدرته على تفسير الواقع. أما حين نراه بوصفه ذاكرة أخلاقية طويلة المدى، نفهم كيف تُنتج المجتمعات عاداتها، وكيف يتوارث الناس سلوكيات قد لا يعرفون أصلها الفقهي، لكنهم يعيشون نتائجها يوميًا.
التدخين في عُمان وتركيا ليس مجرد عادة صحية أو غير صحية، بل أثر ثقافي لمذهب فقهي تحوّل مع الزمن إلى أسلوب حياة. فالفتوى قد تُنسى، لكن أثرها الاجتماعي قد يعيش قرونًا.