ليست العلاقات السورية المصرية خيارًا سياسيًا قابلًا للمناورة، بل استحقاقًا استراتيجيًا تفرضه الجغرافيا والتاريخ. بهذه الرسالة الواضحة خاطب الرئيس السوري أحمد الشرع الشعب المصري، خلال استقباله وفدًا من اتحاد الغرف التجارية المصرية في العاصمة دمشق، الأحد 11 يناير/كانون الثاني الجاري.
الشرع لم يتحدث بلغة المجاملة الدبلوماسية، بل استدعى العمق التاريخي والجيوسياسي للعلاقة بين البلدين، مؤكدًا أن التجربة التاريخية تثبت أن التكامل السوري المصري كان، على الدوام، حجر الزاوية في استقرار المنطقة، سواء على مستوى التوازنات الاقتصادية أو منظومات الأمن والاستقرار الاستراتيجي.
هذه التصريحات لاقت صدى واسعًا في الشارعين المصري والسوري معًا، لا سيما أنها جاءت متزامنة مع إعلان القاهرة إبرام صفقة لتوريد الغاز إلى دمشق، وهي خطوة قرأها مراقبون باعتبارها مؤشرًا عمليًا على تحوّل نوعي في مسار العلاقات الثنائية، بعد عام كامل من التوجس والحذر المتبادل.
وفي ضوء هذه التطورات الإيجابية، أطلت علامات استفهام عدة برأسها باحثة عن إجابة على رأسها السؤال الأهم: هل يكون عام 2026 بداية التحول الفعلي في العلاقات المصرية السورية، وانتقالها من مرحلة إدارة الحذر إلى شراكة إقليمية أكثر وضوحًا وتأثيرًا؟
الشرع يغازل القاهرة
حمل خطاب الرئيس السوري، خلال لقائه وفد الغرف التجارية المصرية، رسائل انفتاح واضحة باتجاه القاهرة، استندت إلى منطق المصالح المشتركة بقدر ما استندت إلى الذاكرة التاريخية للعلاقة بين البلدين، إذ أكد أن سوريا ومصر تواجهان تحديات متشابهة في بيئة إقليمية مضطربة، معتبرًا أن أي تقارب سوري مصري لا يقتصر أثره على العاصمتين، بل ينعكس قوةً إضافية على مجمل النظام العربي.
كما شدد -في إشارة ذات دلالة سياسية واقتصادية- على أولوية الدور المصري في مرحلة إعادة إعمار سوريا، داعيًا إلى الاستفادة من الخبرات التي راكمتها مصر خلال العقد الأخير، لا سيما في مجالات البنية التحتية والطاقة، في ظل ما وصفه بنموذج تنموي تشكّل تحت رعاية الرئيس عبد الفتاح السيسي.
خلال لقاء الرئيس السوري أحمد الشرع مع وفد اتحاد الغرف التجارية المصرية، تناول الحديث أهمية العلاقات السورية-المصرية، حيث وصفها بأنها عامل مرتبط باستقرار المنطقة، وليست مسألة سياسية ثانوية. pic.twitter.com/28K6Ui0BQ3
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 12, 2026
وعبّر الشرع عن تطلع بلاده لبناء شراكات استراتيجية مع مصر في قطاعات حيوية، تشمل تطوير الموانئ، والتنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وإعادة تأهيل القطاع النفطي، وتحديث شبكات السكك الحديدية، إلى جانب مدّ شبكات الألياف البصرية، بما يعزز موقع سوريا كممر جغرافي يربط بين أوروبا والصين.
وفي السياق ذاته، أشار الرئيس السوري إلى أهمية بناء “سلة غذائية” مشتركة تضم سوريا ومصر والعراق، كخيار استراتيجي لتأمين الاحتياجات الأساسية للمنطقة، وتقليص الاعتماد على الاستيراد من أسواق بعيدة ومرتفعة الكلفة.
وعلى المستوى الاستثماري، لفت إلى التقارب البنيوي بين السوقين السورية والمصرية، مؤكدًا أن التعامل الاقتصادي بين الجانبين يمكن أن يتم بسلاسة ومن دون تعقيدات بيروقراطية، مع تعهد الدولة السورية بتقديم كل التسهيلات اللازمة لدعم الاستثمارات المصرية.
واختتم حديثه برسالة شكر وامتنان قدمها للشعب المصري على احتضانه اللاجئين السوريين خلال سنوات الحرب، معتبرًا أن هذا السلوك يعكس تقاليد راسخة في المجتمع المصري عُرفت تاريخيًا بالكرم وحسن الاستقبال.
الغاز المصري.. إنقاذ عاجل لدمشق
تأتي رسائل الرئيس السوري متزامنة مع خطوة وُصفت بأنها الأبرز في مسار العلاقات المصرية السورية منذ أكثر من أربعة عشر عامًا، تمثلت في إعلان القاهرة توقيع مذكرتي تفاهم مع دمشق لتوريد الغاز الطبيعي والمشتقات البترولية.
وقد أفادت وزارة البترول المصرية بأنها توصلت إلى اتفاق مع وزارة النفط والثروة المعدنية السورية يشمل تزويد سوريا بالغاز اللازم لتوليد الكهرباء، وتلبية احتياجاتها من المشتقات النفطية، إلى جانب بحث التعاون في إعادة تأهيل البنية التحتية لمنشآت النفط والغاز السورية، بما يعكس انتقال العلاقة من الحذر السياسي إلى خطوات اقتصادية عملية.
ويأتي هذا التطور في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة لدمشق، التي تعاني أزمة طاقة خانقة تفاقمت بفعل سنوات الحرب والعقوبات، وألقت بظلالها الثقيلة على مجمل الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فقد تآكلت قدرة منظومة الطاقة السورية على الاستمرار، وبات ملايين السوريين يحصلون على أقل من ثلاث ساعات كهرباء يوميًا في كثير من المناطق، نتيجة الأعطال المزمنة في محطات التوليد ونقص الوقود.
يبحث سبل تعزيز التعاون التجاري والاستثماري.. نون سوريا ترصد الملتقى الاقتصادي السوري-المصري وهذه أبرز تفاصيله.
@noonpstsy pic.twitter.com/t5hdbl0BwK
— نون بوست (@NoonPost) January 12, 2026
وفي هذا السياق، يُنظر إلى الغاز المصري بوصفه رافعة إنقاذ عاجلة، قادرة على إعادة تشغيل بعض المحطات المتوقفة وتخفيف حدة التقنين عن المواطنين، وانتشال السوريين من واحدة من أكثر الأزمات تهديدًا للحياة اليومية.
اللافت أن هذه الخطوة المصرية تأتي في وقت تواجه فيه القاهرة نفسها تحديات ضاغطة في ملف الطاقة، دفعتها مؤخرًا إلى إبرام صفقات غاز مع الكيان الإسرائيلي أثارت جدلًا وانتقادات واسعة داخليًا، وهو ما يمنح الاتفاق مع دمشق دلالات سياسية تتجاوز البعد الاقتصادي المباشر.
حيث يشير إلى أن القاهرة تتعامل مع الملف السوري باعتباره خيارًا استراتيجيًا طويل الأمد، وليس مجرد استجابة ظرفية، في تأكيد على رغبتها في ترميم العلاقات مع دمشق بعيدًا عن ضجيج الخطاب الإعلامي السلبي، بما في ذلك بعض المنابر المحسوبة على النظام المصري ذاته.
عام من الانخراط الحذر
اختارت القاهرة، في الأسابيع الأولى التي تلت سقوط نظام الأسد، التزام صمت محسوب إزاء المشهد السوري المستجد، مفضّلة التريث بدل الاندفاع، ففي الوقت الذي سارعت فيه قوى إقليمية ودولية إلى فتح قنوات تواصل مع الإدارة الانتقالية بقيادة الشرع، أبقت مصر موقفها ضمن إطار “الحياد المدروس”، مكتفية بإجراء مشاورات مكثفة مع دول الجوار السوري، بهدف استيعاب طبيعة التحولات الجارية وتقدير انعكاساتها المحتملة على أمن الإقليم وتوازناته.
غير أن هذا الحذر لم يكن موقفًا سلبيًا بقدر ما كان تمهيدًا لمراجعة استراتيجية أعمق، فبعد 23 يومًا من الإطاحة بالنظام السابق، دشنت القاهرة أولى خطوات الانخراط الدبلوماسي المباشر عبر اتصال هاتفي بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره في الحكومة الانتقالية أسعد الشيباني في 31 ديسمبر/كانون الأول 2024.
وخلال هذه المرحلة، تبلور الخطاب المصري حول جملة ثوابت، أبرزها ضرورة أن تكون العملية الانتقالية في سوريا شاملة وغير إقصائية، نابعة من إرادة وطنية مستقلة، وتحفظ وحدة البلاد وسلامة أراضيها وهويتها العربية، بعيدًا عن التدخلات الخارجية.
ومع تسارع الاعتراف الدولي بالسلطة السورية الجديدة، رأت القاهرة أن لحظة الانتقال من الحذر إلى الانخراط المحسوب قد حانت، فجاءت نقطة التحول في 31 يناير/كانون الثاني 2025، حين بعث السيسي برقية تهنئة إلى الشرع بمناسبة توليه رئاسة المرحلة الانتقالية، أعقبتها دعوة رسمية للمشاركة في القمة العربية الطارئة بالقاهرة، ثم أول زيارة رسمية للرئيس السوري إلى مصر في مارس/ آذار 2025.
في المقابل، عبّر الرئيس السوري عن تقديره للدور المصري، مؤكدًا أن القاهرة أبدت حرصًا واضحًا على استقرار سوريا وإعادة إعمارها، وبهذا، دخلت العلاقات المصرية السورية طورًا جديدًا من الدبلوماسية الواقعية، لا قطيعة كما كان يُخشى، ولا تحالفًا كاملًا كما يُتوقع، بل مسارًا متوازنًا تحكمه المصالح والحسابات، بانتظار اتضاح ملامح سوريا الجديدة وموقعها في الإقليم.
“عشنا بالبيت على النغمة المصرية وعنا تعلّق بها وشعور بالانتماء لها”.. الرئيس أحمد الشرع يتحدث عن متانة الروابط التاريخية التي تجمع الشعبين السوري والمصري خلال لقائه وفد اتحاد غرف التجارة المصرية في دمشق. pic.twitter.com/SF3xfFn5D7
— نون سوريا (@NoonPostSY) January 12, 2026
ما الذي تغير في المشهد؟
لم يكن الانخراط المصري في المشهد السوري وليد اللحظة، بل جاء وفق منطق برغماتي بحت، واستجابة مُلحة لقائمة من التطورات أبرزها:
-استقرار السلطة السورية.. ففي البداية، راهنت القاهرة على احتمال تعثر السلطة الجديدة في تثبيت وجودها، لكن الواقع سرعان ما تبدّل، ونجح النظام الانتقالي في دمشق تدريجيًا في ترسيخ أقدامه وتعزيز نفوذه على الأرض.
هذا الوضع فرض على مصر خيارًا استراتيجيًا واضحًا: إما التكيف مع المعادلة الجديدة أو القبول بالتراجع إلى هامش المشهد الإقليمي في واحدة من أهم ساحاته.
-أهمية سوريا الاستراتيجية.. تستند المقاربة المصرية إلى موقع سوريا الجيوسياسي الحاسم، فهي بوابة بين الخليج والبحر المتوسط، ورمانة توازن في المشرق العربي، وعمق مباشر للأمن القومي المصري، ومن هذا المنطلق، ترى القاهرة أن انهيار الدولة السورية أو انزلاقها إلى كيان مفكك سيؤدي إلى تصدع إقليمي واسع يمتد إلى العراق ولبنان، وربما ينعكس باضطرابات داخل مصر نفسها.
لذلك، جاء الانخراط المصري مع السلطة الجديدة محسوبًا براغماتية، مع الحفاظ على القنوات مفتوحة دون منح ثقة كاملة، مع الاحتفاظ بالتحفظات التقليدية بشأن الانفتاح المحتمل للسلطة السورية الجديدة على إسرائيل، وتعقيدات توازناتها بين موسكو وواشنطن وأنقرة، والقلق من صعود قوى أيديولوجية لا تتوافق مع الأمن الوطني المصري.
-التحديات الجيوسياسية الأخيرة.. حالة السيولة الإقليمية وما فرضته من تحديات أمنية واقتصادية دفعت القاهرة ودمشق لإعادة تقييم المشهد. فالتغول الإسرائيلي، وصراع النفوذ الإيراني، وحضور النفوذ الأمريكي في إعادة تشكيل المنطقة وفق اعتبارات تلائم إسرائيل، كلها عوامل أثارت المخاوف وفرضت إعادة ترتيب الأولويات.
-التناغم مع الموقف السعودي.. في هذا الإطار، برز التناغم مع السعودية كعامل محفّز، إذ تدعم المملكة الدولة السورية الجديدة اقتصاديًا وسياسيًا، وترى في هذا المسار تعزيزًا للأمن القومي العربي، كما تشارك القاهرة الرياض الرؤية نفسها، خاصة فيما يتعلق بوحدة الدولة السورية واستقرارها، ما عزز من رغبة مصر في تقوية التقارب مع دمشق، مع التركيز على إصلاحات داخلية تتوافق مع مصالح الأمن الإقليمي، مثل مكافحة الإرهاب وكبح النفوذ الإيراني، وبذلك تمارس القاهرة براغماتية حذرة تحافظ على حضورها الضروري مع إبقاء خياراتها مفتوحة حتى تتضح ملامح سوريا الجديدة.
هل يكون 2026 عام التحول في العلاقات؟
استنادًا إلى ما سبق، تسود الأجواء حاليًا حالة من التفاؤل النسبي بشأن مسار جديد للعلاقات المصرية السورية، في ضوء المستجدات الأخيرة والتحديات المشتركة التي دفعت كلا الطرفين لإعادة تقييم المشهد بشكل شامل.
ويستند هذا التفاؤل إلى حزمة من المؤشرات على رأسها تراجع خطاب التحريض والشيطنة الذي رافق بداية تولي السلطة السورية الجديدة، والتحول التدريجي نحو دبلوماسية هادئة – أو ما يسميه البعض “الدبلوماسية الصامتة” – حيث الوقوف عند حافة الهدوء والتهدئة، بعيدًا عن التصعيد الإعلامي أو الانخراط الكامل في ملفات حساسة.
وتفتح بوابات الاقتصاد إمكانيات جديدة للتعاون، إذ يُنظر إلى المبادرات الاقتصادية المشتركة بوصفها منصة محتملة للانتقال إلى مسارات أوسع تشمل التعاون السياسي والأمني، وربما التمهيد لمرحلة متقدمة من التطبيع الشامل، حيث يرى محللون أن هذه الديناميكية لن تتحقق إلا إذا حرص كل طرف على تبديد المخاوف والهواجس لدى الطرف الآخر، وتقريب وجهات النظر بطريقة منهجية وعملية.
كما أن الظرفية الإقليمية الراهنة تمثل حافزًا إضافيًا، حيث يتيح الانسجام في المواقف بين القاهرة ودمشق استثمار هذه المرحلة لتعزيز العمق الأمني العربي، وتقليص مساحات التفكك الإقليمي. وبذلك، يصبح التقارب المصري السوري ليس مجرد مسعى ثنائي محدود، بل جزءًا من رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى استقرار المنطقة وحماية مصالح الدول العربية الحيوية.