في عام 2026، يواجه المهاجرون وطالبو اللجوء العرب في أوروبا سنة استثنائية، إذ تشهد دول الاتحاد الأوروبي تغييرات تشريعية جوهرية، تتجلى أساسًا في دخول “الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء” حيز التنفيذ في يونيو/حزيران القادم.
من “الامتحان المدني الإلزامي” في فرنسا الذي دخل حيز التنفيذ في يناير/كانون الثاني 2026، إلى برنامج العودة الطوعية للمهاجرين في السويد، وصولًا إلى تعليق لمّ الشمل للسوريين في ألمانيا، يتضح أن التوجه العام في دول الاتحاد الأوروبي في تدبير ملف كلّ من الهجرة واللجوء، يميل نحو مزيد من التشديد، باستثناء بعض المبادرات المرحبة بالمهاجرين مثل تأشيرات البحث عن عمل التي تقترحها ألمانيا.
وللسياق الجيوسياسي في الدول العربية تأثير ملموس على هذه التشريعات الأوروبية الجديدة؛ فقد صُنّفت مصر وتونس والمغرب كدول آمنة من قِبل بروكسيل، مما يفرض تحديات إضافية على طالبي اللجوء القادمين من هذه الدول، كما أن سقوط نظام الأسد ما زال يرسم تحولات عميقة في أوضاع المهاجرين السوريين في أوروبا.
الاتحاد الأوروبي والثورة التشريعية
يعد “الميثاق الأوروبي للهجرة واللجوء” إطارًا قانونيًا شاملًا ينظم نظام اللجوء والهجرة داخل الاتحاد الأوروبي، إذ يتضمن عشرة قوانين تنظيمية تشمل إجراءات فحص سريع، وتقسيم المسؤوليات بين الدول الأعضاء، وآليات تضامن بينها، وإجراءات عودة أسرع للمرفوضين.
وفي حديثه لـ”نون بوست”، أوضح آدم المقراني، المحامي المقيم في فرنسا أن التغييرات الجوهرية التي ستؤثر على المهاجرين العرب تكمن في تسريع إجراءات اللجوء، من خلال فترات زمنية قصيرة للبت في الطلبات، ما قد يجعل حالات الرفض أسرع.
واستطرد المقراني: “مفهوم البلدان الآمنة أو البلدان الثالثة الآمنة، باعتبارها دول يُفترض أنها توفر حماية كافية ضد الاضطهاد أو الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، قد يُستخدم لرفض الطلبات أو اعتبار دول المنشأ أو العبور كوجهات مناسبة للعودة أو فحص الطلبات خارج الاتحاد، كما أن تكثيف إجراءات الفحص الصارمة على الحدود من خلال الفحص الأمني والبيومتري، سيحدّ من حرية الحركة داخل الاتحاد ويضع شروطاً إضافية على تقديم طلبات اللجوء”.

ومن جهته، يرى حسين الوائلي، وهو صحافي معتمد لدى الاتحاد الأوروبي، في حديثه لـ”نون بوست”، أن هناك إجماع أوروبي على وقف التدفق العشوائي من خلال وضع حصص واضحة للاجئين والمهاجرين، مؤكدًا أن الإجماع السياسي (مع بعض الاستثناءات كالمجر وبولندا التي صوتت ضد الميثاق) يمنع محكمة العدل الأوروبية من نقض القرار، كما أن التشريعات الجديد تنشد الفعالية من خلال البت في الطلبات سيصبح أسرع خلال 3 أشهر بالقبول أو الرفض.
واستدرك الوائلي: “لكن الميثاق لا يعني حاملي الجنسيات أو الإقامات الدائمة/المؤقتة من المهاجرين العرب في الاتحاد الأوروبي، بل يهدف إلى خلق توازن داخلي بين الأحزاب الليبرالية وأحزاب اليمين المتطرف، لمنع استخدام قضية الهجرة انتخابياً”.
فرنسا وألمانيا وإيطاليا… أي مصير للمهاجرين؟
مع أن الميثاق الأوروبي يوحد الإجراءات الأساسية للجوء، تحتفظ كل دولة في الاتحاد الأوروبي بسلطة واسعة في تشريعات الهجرة الوطنية، خاصة في مجالات الهجرة الاقتصادية والإدماج والدعم الاجتماعي.
ومنذ 1 يناير/ كانون الثاني سنة 2026، أصبح اجتياز ”الامتحان المدني” شرطاً إلزامياً في فرنسا للحصول على أول بطاقة إقامة طويلة الأمد، أو بطاقة إقامة دائمة، كما يشمل أيضاً طلبات الحصول على الجنسية الفرنسية.
وبموجب القانون الجديد، يجب تقديم شهادة النجاح في الامتحان قبل تقديم ملف طلب الإقامة أو التجنيس، وهو شرط لا ينطبق على التجديد، بل على الطلب الأول فقط.
أما ألمانيا، فتواصل نهج سياسة الواقعية الاقتصادية، إذ تُمثل تأشيرة البحث عن عمل فرصة استثنائية للمهنيين المؤهلين، إذ تمنح عامًا كاملًا للبحث عن وظيفة، شريطة التوفر شهادة جامعية معترف بها، وخبرة عمل سنتين على الأقل في آخر خمسة سنين، وإثبات قدرة مالية بحوالي 1,091 يورو شهرياً (تحديث 2026).
لكن بالنسبة للسوريين، تصطدم هذه الفرصة الذهبية بواقع مغاير: فبينما تفتح ألمانيا أبوابها للباحثين عن عمل، علّقت في يوليو/ تموز 2025 لمّ شمل الأسر للاجئين الحاصلين على الحماية الفرعية (يحصل عليها من لا يمكن منحه حماية اللاجئ أو الحق في اللجوء) لمدة عامين (حتى يوليو/ تموز 2027)، مما يؤثر على حوالي 381,000 شخص معظمهم سوريون من بين حوالي مليون سوري استقبلتهم ألمانيا منذ 2015.
أما في إيطاليا، فقد وافقت الحكومة الإيطالية على ”مرسوم التدفقات للفترة 2026-‘2028“، الذي يسمح بدخول 497,550 عامل من خارج الاتحاد الأوروبي، منهم 164,850 في عام 2026 وحده، بينها 267,000 فرصة عمل موسمي (زراعة وسياحة)، و230,550 فرصة عمل غير موسمي (صناعة، بناء، رعاية، نقل).
الشمال الأوروبي والتحول الدرامي
يعد برنامج العودة الطوعية في السويد استثناء في الاتحاد الأوروبي، فقد وصلت قيمته في مطلع عام 2026 إلى تعويض ما بين 350 و600 ألف كرونة سويدي (ما يعادل تقريبا 38,000 إلى 65,000 دولار أمريكي).
ويُترجم هذا البرنامج سياسة الائتلاف الحكومي اليميني الحاكم الذي يرمي إلى تشجيع العودة الطوعية للمهاجرين الحاصلين على تصاريح إقامة قانونية (لاجئين أو حماية فرعية).
اتخذت الحكومة أيضاً كأولوية لها مغادرة من رُفضت طلبات لجوئهم أو انتهت صلاحية إقامتهم، عبر آليات أخرى تشمل مراكز العودة وإجراءات ترحيل أكثر صرامة.
وتعقيبًا على هذا البرنامج السويدي، ترى أسماء عباس، صحافية مقيمة بالدنمارك، في حديثها لـ”نون بوست”، أن التشجيع على المغادرة الطوعية يحمل تناقضًا، من منظور حكومي، فهو عرض سخي يمنح الإنسان رأس مال ليبدأ حياة جديدة، لكنه من منظور المهاجر العربي- أفنى سنوات في تعلم اللغة ومحاولة الانخراط- يبدو وكأنه ثمن مادي للرحيل.
في الدنمارك، جارة السويد، يسود توجه متشدد مشابه، إذ صرح وزير الهجرة راسموس ستوكلوند أن “من الأهمية البالغة أن يأتي أقل عدد ممكن من الأجانب إلى الدنمارك ويحصلوا على اللجوء”، مضيفاً أن أولويته الرئيسية هي الحد من تدفق اللاجئين.
وحسب عباس، وهي خبيرة في الشأن الدنماركي، “لم تكتف الدنمارك بتشديد قوانينها المحلية، بل تحولت إلى رأس حربة في قيادة تحرك أوروبي دبلوماسي وقانوني يهدف إلى إعادة تفسير الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (ECHR)”.
“كوبنهاغن نجحت في حشد جبهة من الدول (تضم السويد والنمسا ودولاً من أوروبا الشرقية) للضغط باتجاه تعديل الاجتهادات القضائية للمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، وتحديداً المادة الثامنة التي تتعلق بـ “الحق في الحياة الأسرية”، أي نزع الحصانة القانونية التي كانت تمنع ترحيل المهاجرين المدانين بجرائم، والذين كانوا يتذرعون بوجود روابط عائلية أو أطفال داخل الدنمارك للبقاء”، تقول عباس.
