شكلت الأوضاع المعيشية المتردية الشرارة الأساسية للاحتجاجات المتصاعدة في إيران منذ نهاية العام 2025، لكن سرعان ما رفع المتظاهرون شعارات تتجاوز المطالب الاقتصادية لتطال النظام السياسي نفسه.
وكان من اللافت أن بعض الهتافات حيّت العهد السابق بعبارة “يحيا الشاه” وخاصة أن نجل آخر شاه ما زال حيا ويقيم بالخارج ويتجهز للعودة حال تغير النظام، في حين هتف آخرون “الموت للديكتاتور” في إشارة للمرشد الأعلى علي خامنئي.
أعاد هذا المشهد إلى الواجهة مقارنات بين حقبتين مفصليتين في تاريخ إيران الحديث: حقبة حكم الشاه محمد رضا بهلوي (قبل ثورة 1979) وحقبة حكم الملالي في ظل الجمهورية الإسلامية (منذ 1979 حتى اليوم).
فيما يلي نستعرض الفروقات الجوهرية في شكل وآلية الحكم وطبيعة المؤسسات والأداء العام بين النظامين، في سياق تاريخي يساعد على فهم جذور الأزمة الحالية.
الأيديولوجيا الحاكمة
زمن الشاه
- كانت إيران ملكية وراثية يتربع فيها الشاه على قمة هرم السلطة بوصفه “ملك الملوك”.
- تبنى الشاه محمد رضا بهلوي نهجًا قوميًّا علمانيًا يقوم على تحديث الدولة على النمط الغربي مع فصل نسبي للدين عن السياسة.
- عرّف نظام بهلوي مصالحه الوطنية بمنظور دولة حديثة تسعى للتنمية والتحالف مع الغرب.

زمن ولاية الفقيه
- انتقلت إيران بعد ثورة 1979 إلى نظام جمهوري ذي طابع ديني.
- المرشد الأعلى (الولي الفقيه) هو المرجعية العليا ويتمتع بسلطات مطلقة مستمدة من الفكر الشيعي الاثني عشري.
- جاءت الجمهورية بأيديولوجيا تعتبر دعم الحلفاء (النظام السوري البائد وحزب الله مثالا) على أنه التزام عقائدي.
البنية السياسية وآليات السلطة
عهد الشاه
- تركزت السلطة فعليًا في يد شخص واحد هو الشاه محمد رضا بهلوي، ورغم وجود دستور ينص على ملكية دستورية وبرلمان منتخب (مجلس الشورى الوطني ومجلس الشيوخ)، فقد حكم بطريقة استبدادية فردية، خصوصًا بعد انقلاب 1953 المدعوم أمريكيًا والذي عزز صلاحياته.
- كان الشاه يُعيِّن رئيس الحكومة والوزراء ويهيمن على التشريع عبر برلمان صوري خاضع لنفوذه. وفي عام 1975 ألغى التعددية الحزبية معلنًا حزبًا واحدًا (حزب رستاخيز)، مما أنهى أي معارضة سياسية منظمة.
- اعتمدت آلية حكمه على مزيج من التحديث الفوقي والقمع الأمني، فأطلق مشروع “الثورة البيضاء” عام 1963 كحزمة إصلاحات اقتصادية واجتماعية بهدف تحديث إيران وتحويلها إلى قوة عالمية، لكن بالتوازي استخدم جهاز الأمن السري “سافاك” لقمع المعارضين بلا رحمة.
- كانت القوات المسلحة (الجيش النظامي) موالية بشكل مطلق للشاه باعتباره القائد الأعلى، وقد حرص على تسليحه بأحدث العتاد وربطه بالولايات المتحدة. كما اعتمد على السافاك كجهاز استخبارات داخلي قوي.
زمن ولاية الفقيه
- بعد الثورة سُنَّ دستور جديد (أُقر عام 1979 وعدل 1989) أسس لموقع المرشد الأعلى (الولي الفقيه) بوصفه القائد المطلق للدولة.
- يتمتع المرشد بصلاحيات دستورية واسعة تشمل رسم السياسات العامة للدولة، والتوجيه العام للقوات المسلحة، وإعلان الحرب والسلام، والإشراف على السلطات، وتعيين قيادات رئيسية في الجيش والأمن والإعلام والقضاء.
- المرشد الحالي علي خامنئي – شأنه شأن سلفه الخميني – هو صاحب الكلمة الفصل في جميع شؤون الحكم. وتنبثق عن سلطته مؤسسات دينية – سياسية تضمن هيمنة التيار الثوري، أبرزها مجلس صيانة الدستور ومجلس خبراء القيادة ومجمع تشخيص مصلحة النظام.
- عمومًا يمكن وصف نظام الجمهورية الإسلامية بأنه ذو طبيعة مزدوجة: مؤسسات جمهورية منتخبة (الرئاسة والبرلمان والمجالس المحلية) تعمل تحت مظلة مؤسسات دينية ثورية غير منتخبة تضمن عدم خروج القرار عن نهج ما تسمى الثورة الإسلامية.
- في ظل الجمهورية، أُنشئت قوات “الحرس الثوري” كجيش عقائدي موازٍ للجيش النظامي، بمرسوم من الخميني عام 1979، بمهمة حماية الثورة والنظام من “الأعداء الداخليين والخارجيين”، وقد نما خلال العقود الماضية ليصبح قوة عسكرية وسياسية واقتصادية هائلة النفوذ.

القمع وحقوق الإنسان
رغم اختلاف المرجعيات، تشترك الحقبتان في سجل قمعي حافل ضد المعارضين، وإن تباينت أدوات ومبررات كل منهما.
زمن نظام الشاه
- تمتعت إيران بقدر من الانفتاح الاجتماعي والثقافي، لكن ذلك لم ينسحب على الحريات السياسية.
- اعتمد الشاه على القبضة الأمنية لسحق أي أصوات معارضة لحكمه؛ وقد أصبح جهاز السافاك رمزًا للقمع في تلك الحقبة.
- ارتكبت أجهزة الشاه الأمنية انتهاكات جسيمة شملت الاعتقالات التعسفية والسجن بلا محاكمة والتعذيب، بل والاغتيالات أحيانًا.
- وصل عدد المعتقلين السياسيين في أواخر حكمه إلى الآلاف (تشير الأرقام الرسمية إلى نحو 2200 عام 1978).
- أسهمت هذه الممارسات في تأليب قطاعات واسعة من الإيرانيين ضد النظام الملكي، حيث شعر كثيرون بأن الشاه أقام دولة بوليسية تخنق الأصوات المعارضة. وكان مطلب إنهاء القمع والاستبداد أحد شعارات الثورة التي أطاحت به عام 1979.
عهد ولاية الفقيه
- جاءت إلى الحكم بشعار “حرية، استقلال، جمهورية إسلامي”، لكن سرعان ما تبنت نهجًا قمعيًا مماثلاً، إن لم يكن أشد، وبطابع عقائدي.
- استبدلت النظامَ الأمني القديم بأجهزة جديدة أكثر انتشارًا في مفاصل المجتمع، تحت ذريعة حماية الثورة والقيم الإسلامية.
- عقب الثورة، أُعدم المئات من مسؤولي النظام السابق ومعارضيه في محاكمات صورية سريعة.
- خلال الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينيات وما تلاها، استمرت السلطة في تصفية خصومها السياسيين.
- بلغت ذروة ذلك في مجزرة إعدامات صيف 1988 التي راح ضحيتها آلاف السجناء السياسيين بأمر مباشر من الخميني.
- على مدار العقود الماضية، طوّر النظام الثوري شبكة واسعة من السجون والمحاكم الثورية وأجهزة الرقابة لضبط المجتمع.
- تستخدم قوات الحرس الثوري والباسيج العنف المفرط لقمع أي مظاهرات أو حراكات، فضلا عن ملاحقة “شرطة الأخلاق” للمواطنين.
الأداء الاقتصادي والتنموي
نظام الشاه
- حقق في الستينات والسبعينات طفرة اقتصادية نفطية غير مسبوقة، وتمتعت إيران في عهده بمعدلات نمو مرتفعة جدًا بفضل عائدات النفط والإصلاحات التنموية
- يوصف عقد الستينيات بـ”العقد الذهبي“: بلغ متوسط النمو السنوي آنذاك حوالي 11%، واستمرت مستويات النمو القوية في السبعينيات أيضًا – حتى قُبيل الثورة.
- وفق بيانات البنك المركزي الإيراني، نما الاقتصاد بمعدل سنوي متوسط يقارب 9.1% بين 1960 و1979.
- ارتفع إجمالي الناتج المحلي للفرد الإيراني إلى أعلى مستوى تاريخيًا عام 1976 قبل الثورة، بحيث تضاعف حجم الاقتصاد نحو خمس مرات خلال 15 عامًا من التنمية المتسارعة.
- هذه الطفرة دعمتها السياسات التحديثية للشاه ضمن الثورة البيضاء، حيث جرى ضخ عائدات النفط الهائلة في مشاريع بنية تحتية وصناعية، مع تحديث الزراعة ومنح الامتيازات للصناعات المحلية وتشجيع الاستثمار الأجنبي.
- شهدت تلك الفترة تحسنًا في مؤشرات التعليم والصحة بالمدن الرئيسية وارتفاعًا في دخل الطبقة الوسطى. غير أن هذا النمو السريع ترافق أيضًا مع اختلالات كبيرة تمثلت بتفشي الفساد في بطانة الشاه واستحواذ النخبة الحاكمة على نصيب الأسد من الثروة.
- نهاية السبعينيات، عانت إيران من تضخم وغلاء معيشة أرهق الطبقات الفقيرة، بينما كان الشاه وحاشيته ينفقون ببذخ على احتفالات فاخرة. وشعر الكثير من المواطنين آنذاك أن عوائد النفط الهائلة لم تصل إلى جيوبهم، بل تركزت في أيدي القلة الحاكمة.
وهكذا، رغم الانبهار بالنمو الاقتصادي تحت حكم الشاه، فقد شكّل تزايد عدم المساواة وارتفاع الأسعار والبطالة بين الشباب عوامل سخط ساهمت في تعبئة الشارع ضد النظام في 1979.

ولاية الفقيه
- عانت جمهورية ما بعد الثورة من اضطرابات وحروب وعقوبات أثرت بشدة على اقتصادها ولم تنعم الجمهورية باستقرار اقتصادي طويل منذ تأسيسها.
- في السنوات الأولى بعد 1979، خاضت إيران حربًا مدمرة مع العراق (1980-1988) استنزفت الموارد وألحقت ضررًا جسيمًا بالبنية التحتية والإنتاج.
- تلا الحرب فترة إعادة إعمار في التسعينيات ومحاولات للإصلاح الاقتصادي قادها الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني، حققت بعض النجاحات (بلغ متوسط النمو 5.5% في عهده 1989-1997)، لكنها سرعان ما تعطلت.
- مع دخول الألفية الجديدة، باتت إيران تحت وطأة عقوبات غربية متصاعدة بسبب ملفها النووي ودعمها لحركات إقليمية مسلحة، ما قيّد قدرتها على تصدير النفط وجذب الاستثمارات.
- نتيجة لذلك، تراوح معدل النمو الاقتصادي في العقود الأربعة بعد الثورة حول 2% سنويًا في المتوسط فقط.
- بالنظر إلى نمو السكان السريع (تضاعف عدد السكان تقريبًا منذ 1979)، كان نمو الناتج الفردي شبه متوقف (تقدَّر الزيادة المتوسطة في نصيب الفرد من الدخل بين 1979 و2019 بما يتراوح بين 0% و0.5% سنويًا فقط).
- بعبارة أخرى، تراجعت إيران كثيرًا عن اللحاق بركب الدول النظيرة. على سبيل المثال، في 1977 كان حجم الاقتصاد الإيراني يفوق اقتصاد كوريا الجنوبية بـ65% وتركيا بـ26%، أما اليوم فأصبح اقتصاد سيول أكبر من طهران بنحو 7 أضعاف وأنقرة بضعفي الحجم.
- هذا الانكماش النسبي يعود لأسباب عدة، منها سياسات اقتصادية داخلية غير فعّالة كالاعتماد المفرط على النفط، وهيمنة القطاع العام وضعف بيئة الاستثمار، وتأثير العقوبات والعزلة الدولية التي قلصت عوائد النفط والتجارة منذ مطلع القرن الحادي والعشرين.
العلاقات الخارجية والتحالفات
حقبة الشاه
- إيران البهلوية (تحت حكم الشاه) اعتُبرت ركيزة إستراتيجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط إبان الحرب الباردة.
- بعد انقلاب 1953 – الذي دعمت فيه المخابرات الأمريكية والبريطانية إقصاء رئيس الوزراء محمد مصدق وإعادة تعزيز سلطة الشاه – دخلت إيران في علاقة تحالف وثيقة مع واشنطن.
- أصبح الشاه شرطي الخليج الموالي للغرب، وانضمت إيران إلى حلف السنتو (بغداد) المعادي للاتحاد السوفييتي. وتدفقت المساعدات العسكرية الأمريكية على طهران، وتنامى النفوذ الاقتصادي والثقافي الأمريكي في البلاد.
- أقام الشاه علاقات مع “إسرائيل”، فكانت إيران في عهده واحدة من دولتين مسلمتين فقط تقيمان علاقات علنية معها (إلى جانب تركيا آنذاك).
- كان التعاون النفطي والاستخباراتي قائمًا بين إيران الشاه و”إسرائيل”، ضمن جبهة إقليمية غير معلنة ضد الأنظمة العربية.
- احتفظت إيران بعلاقات ودية مع معظم جيرانها باستثناء بعض التوتر مع العراق (حلّه الشاه عبر اتفاقية الجزائر 1975 حول ترسيم الحدود).
زمن ولاية الفقيه
- تبنّت إيران نهج الثورة في السياسة الخارجية، فرفعت شعار “لا شرقية ولا غربية، جمهورية إسلامية” معلنة استقلالها عن كلا المعسكرين.
- قطعت علاقاتها تمامًا مع الولايات المتحدة منذ أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأمريكية عام 1979.
- تحوّلت واشنطن من حليف إلى عدو لدود تصفه طهران بـ”الشيطان الأكبر”، وانعدمت أي علاقات مباشرة بين البلدين منذ ذلك الحين.
- انقلبت إيران إلى خصم لـ”تل أبيب”، فدعمت حركات المقاومة الفلسطينية وأعلنت أن إزالة “إسرائيل” هدف من أهداف ثورتها.
- أسست في أوائل الثمانينيات مليشيا حزب الله في لبنان كوكيل لها في مواجهة “إسرائيل”.
- تبنت سياسة ما تسمى تصدير الثورة ودعم الجماعات الإسلامية الشيعية في المنطقة (العراق، وسوريا، واليمن، وغيرها).
- أدى البرنامج النووي الإيراني وطموحات طهران الإقليمية إلى عزلها دوليًا بشكل متزايد وفرض عقوبات متعددة الأطراف عليها.
- يمكن القول إن الأيديولوجيا غلبت المصالح التقليدية في كثير من قرارات السياسة الخارجية الإيرانية بعد 1979.
ومن هنا، فإنه على امتداد ما يزيد عن نصف قرن، خبرت إيران نظامين سياسيين مختلفين جذريًا: ملكية مطلقة ببريق حداثي لكنها مقيدة سياسياً، وجمهورية إسلامية ثورية ذات مؤسسات معقدة لكنها أحادية الأيديولوجيا.
وفي المحصلة، يجد الإيرانيون اليوم أنفسهم محاصرين بين تركة عهد بهلوي الثقيلة بما حملته من قمع وفساد وتبعية، وواقع “الجمهورية الإسلامية” بما فيه من قمع آخر وفساد جديد وعزلة خانقة.