في ظل اتساع رقعة الاحتجاجات الإيرانية لتشمل جميع محافظات إيران الـ31 خلال أسابيع قليلة، تحدثت تقارير عديدة عن لجوء نظام طهران إلى مليشيات عراقية وأخرى لبنانية للمساهمة في قمع المتظاهرين.
وتشهد إيران منذ أواخر عام 2025 موجة احتجاجات واسعة النطاق بسبب التدهور الاقتصادي وغلاء المعيشة وانهيار العملة المحلية، سرعان ما تصاعدت إلى مطالب سياسية ضد حكم الولي الفقيه.
وأسفرت المواجهات حتى الآن عن مقتل ما لا يقل عن 490 محتجاً واعتقال أكثر من 10,600 شخص في غضون أسبوعين، حيث ردّت السلطات بحملة قمع شديدة. ومع تصاعد العنف، بدأت تظهر تقارير تتحدث عن استعانة طهران بقوات أجنبية حليفة للمساعدة في إخماد الاحتجاجات.
مليشيات عراقية
أفادت مصادر إعلامية معارِضة وأخرى استخباراتية بأن إيران لجأت إلى مليشيات شيعية عراقية موالية لها لتعزيز حملة القمع.
وكشف تقرير لموقع إيران إنترناشيونال أن المليشيات العراقية المرتبطة بالحرس الثوري بدأت تجنيد مقاتلين منذ مطلع يناير/كانون الثاني 2026 بهدف مساعدة قوات النظام الإيراني في التصدي للمتظاهرين.
ووفقًا للتقرير، جرى حتى الآن إرسال حوالي 800 مقاتل عراقي إلى إيران، معظمهم من كتائب حزب الله وحركة النجباء ولواء سيد الشهداء ومنظمة بدر، وجميعهم منضوون تحت مظلة “الحشد الشعبي”.
وتشير المعلومات إلى أن هؤلاء العناصر دخلوا الأراضي الإيرانية عبر منافذ حدودية مع العراق في محافظات ديالى وميسان والبصرة تحت غطاء رحلات دينية لزيارة العتبات في مدينة مشهد.
وبعد دخولهم، تجمع المقاتلون في قاعدة عسكرية بمدينة الأهواز جنوب غرب إيران (تابعة لمكتب المرشد الأعلى)، قبل أن يتم توزيعهم على مناطق مختلفة للمشاركة في قمع التظاهرات العنيفة، وفق نفس المصدر.
وهذه ليست المرة الأولى التي تثار فيها مثل هذه الأنباء، إذ سبق أن تردد خلال احتجاجات سابقة سماع لهجات عربية بين القوى التي تقمع المتظاهرين، ما غذّى الشكوك بوجود عناصر غير إيرانية.
وازدادت الشكوك بعد إجراء قائد فيلق القدس في الحرس الثوري إسماعيل قاآني زيارة سرية وخاطفة إلى بغداد خلال الفترة 6 إلى 8 يناير/كانون الثاني 2026، عقد خلالها اجتماعات مغلقة مع عدد من قادة الفصائل المسلحة.
ورغم أن الأنباء الرسمية حول الزيارة تحدثت عن أنها جاءت لـ”احتواء الخلافات” بين الفصائل العراقية بشأن قضية نزع سلاحها تنفيذًا لمبادرة قضائية محلية، فإن تزامنها مع اندلاع الاحتجاجات الإيرانية أثار تكهنات حول أهداف أخرى غير معلنة.
تأتي هذه التحركات بينما تكثف واشنطن ضغوطها على بغداد لإضعاف نفوذ المليشيات المسلحة الموالية لإيران وتفكيكها باعتبارها تقوّض سيادة العراق.
“حزب الله” اللبناني
لم يقتصر الحديث على المليشيات العراقية فحسب، بل امتد ليشمل عناصر من حزب الله اللبناني أيضًا، فبحسب مصادر استخباراتية نقلت عنها وسائل إعلام غربية، تسلل نحو 850 مقاتلاً أجنبياً إلى إيران لدعم جهود القمع، من ضمنهم عناصر من حزب الله اللبناني ووحدات مرتبطة بفيلق القدس التابع للحرس الثوري.
وأكد تقرير لقناة فوكس نيوز الأمريكية أن عناصر من حزب الله عبروا الحدود إلى جانب مقاتلي فصائل عراقية لتعزيز قوات الأمن الإيرانية في مواجهة الانتفاضة الشعبية.

هذه المعطيات تتوافق أيضًا مع تحذير رسمي أمريكي، إذ أعربت وزارة الخارجية عن قلقها البالغ من تقارير تفيد بلجوء النظام الإيراني إلى “إرهابيين من حزب الله ومليشيات عراقية” لقمع الاحتجاجات السلمية داخل إيران.
وقالت الخارجية الأمريكية باللغة الفارسية على إكس: “قد أنفق النظام مليارات الدولارات من أموال الإيرانيين على وكلاء إرهابيين. إن استخدام هذه القوات ضد مواطنيه سيُعدّ خيانةً أخرى جسيمةً للشعب الإيراني”.
ایالات متحده نگران گزارشهایی است که رژیم جمهوری اسلامی، تروریستهایی از حزبالله و شبهنظامیان عراقی را برای سرکوب اعتراضات مسالمتآمیز به کار گرفته است. این رژیم میلیاردها دلار متعلق به مردم ایران را صرف نیروهای نیابتی تروریستی کرده است. بهکارگیری آن نیروها علیه شهروندان خودش،… pic.twitter.com/UafXn4dDLc
— USAbehFarsi (@USABehFarsi) January 10, 2026
غموض رسمي
رغم الحديث إعلاميًا عن تدخل المليشيات العراقية، لم يصدر تأكيد أو نفي رسمي صريح من جانب الحكومات المعنية، فيما تواصل إيران اتهام من تصفهم بـ “مثيري الشغب” بتلقي دعم من قوى خارجية كأمريكا و”إسرائيل” لإثارة الفوضى، دون التطرّق إلى مزاعم جلبها هي لعناصر أجنبية.
في المقابل، نقل موقع “إيران إنترناشيونال” عن مسؤولين عراقيين مطلعين أن الدوائر الحكومية في بغداد على علم بعملية حشد المقاتلين إلى إيران، لكنها آثرت عدم التعليق علنًا تجنبًا للإحراج السياسي.
على صعيد قادة الفصائل العراقية أنفسهم، صدرت تصريحات نفي مبطنة وإشارات ضمنية تنأى بنفسها عن التدخل المباشر في إيران، فعلى سبيل المثال، صرح حسين العقابي (الشيهاني) القيادي في الجناح السياسي لعصائب أهل الحق بأن الفصائل العراقية تلتزم بثوابت أهمها مرجعية النجف وقرار بغداد في قضايا الحرب والسلام.
وبالمثل، قال هادي الساعدي، وهو قيادي آخر في عصائب أهل الحق، إن إيران قادرة على إدارة أزماتها الداخلية وردع التهديدات الخارجية دون حاجة لتدخل عراقي. وأوضح الساعدي أن فصائل العراق لم تكن تاريخيًا امتدادًا آليًا لقدرات الردع الإيرانية إلا إذا كان أمن العراق نفسه مهدداً.
وفي حال صحّت المعلومات حول مشاركة مليشيات عراقية خصوصا في قمع احتجاجات إيران، فقد يُعزز ذلك السخط من نظام ينفق موارد البلاد على المليشيات الأجنبية ثم يستقدمها لقهر المواطنين.
أما في العراق، فقد يؤدي تورط مقاتلين عراقيين بقتل إيرانيين إلى توتير الرأي العام وإحراج الحكومة التي تتعرض بالفعل لضغوط أمريكية من أجل لجم نفوذ المليشيات وحلها.
وفيما يواصل المحتجون في شوارع إيران تحدي القبضة الأمنية، ستبقى الأنظار مسلطة لرصد أي أدلة ملموسة على تدخل عراقي أو لبناني مباشر من عدمه.