تمثّل القبلية أحد الأعمدة البنيوية في تكوين الدولة السودانية، شأنها شأن كثير من دول العالم الثالث، بوصفها ضلعًا أساسيًا في بنية المجتمع، فعلى الرغم من مظاهر التحديث والتحضر التي شهدتها المدن الكبرى وبعض المراكز الحضرية، ظلّت القبيلة في السودان تحتفظ بحضورها كبنية نفسية وثقافية فاعلة، تمارس تأثيرًا مباشرًا على الثقافة السياسية ومسارات العملية السياسية في البلاد.
وعبر التاريخ السوداني القديم والحديث، شكّلت القبيلة المحور الذي استمدّت منه مجالات السياسة والدين والأمن والاقتصاد والثقافة كثيرًا من شرعيتها وقوتها، إذ يصعب العثور على مؤسسة قادرة على منافسة القبيلة من حيث الامتداد الاجتماعي والتأثير.
بل إن العديد من المؤسسات الحديثة نشأت في الأصل من رحم البنية القبلية أو ظلت رهينة لتوازناتها، وبهذا المعنى، غدت القبيلة محركًا فعليًا للتاريخ السوداني، إلى درجة بات معها من المتعذر كتابة هذا التاريخ أو فهم تحوّلاته دون استحضار دور القبيلة ورموزها ومواقع نفوذها.
وقد تجلّى هذا الدور بصورة أكثر حدّة خلال الحرب المندلعة منذ منتصف أبريل/نيسان 2023، والتي أفضت إلى سقوط عشرات الآلاف من الضحايا وتشريد الملايين، وحوّلت السودان إلى بيئة طاردة رغم ما يملكه من موارد هائلة.
ويرسخ هذا الدور النتائج التي خرج بها التقرير الصادر عن الشبكة الشبابية للمراقبة المدنية (YCON) والذي كشف أن وسائل التواصل الاجتماعي تحولت إلى ساحة مركزية لإعادة إنتاج الانقسام القبلي وتكريس خطاب الكراهية والعنصرية، بما أسهم في تأجيج الصراع وإطالة أمده وتعقيد فرص الوصول إلى سلام مستدام.
وتنبع أهمية هذا التقرير من اشتباكه المباشر مع واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا وحساسية في السياق السوداني، وهي العلاقة المتداخلة بين القبيلة والسياسة في زمن الحرب، فبدل الاكتفاء بالمقاربات العسكرية أو الجيوسياسية السائدة في تحليل الصراع، يتجه التقرير إلى تفكيك أبعاده الرمزية والخطابية بما يقدم صورة أكثر شمولية عن الجوانب الخفية في تلك المعركة التي تتجاوز حدودها العسكرية.
القبيلة فاعل سياسي في الحرب
كشف التقرير، مدعومًا بالأدلة والبيانات، عن التحول العميق الذي طرأ على النظام القبلي في السودان، حيث لم يعد محصورًا في كونه إطارًا اجتماعيًا تقليديًا، بل برز كفاعل سياسي رقمي مؤثر داخل الفضاء العام.

وأظهرت النتائج أن الخطاب القبلي بات حاضرًا بقوة في النقاشات السياسية، إذ جاء أكثر من 83% من المنشورات القبلية في سياق سياسي مباشر، بينما ارتبط نحو 78% من هذا الحضور بأحداث الحرب، عبر التعبئة والاستنفار، وتبرير المواقف العسكرية، والظهور المتكرر لزعماء الإدارات الأهلية في رسائل سياسية موجّهة للرأي العام.
وتعكس هذه المؤشرات انتقال القبيلة من موقعها التاريخي كحاضنة اجتماعية إلى أداة رقمية فاعلة في توجيه الرأي العام وصياغة السرديات الكبرى حول الحرب، بما أسهم في تعقيد المشهد السياسي وتأزيم مساراته، على نحو جعل تفكيك هذا التداخل بين الاجتماعي والسياسي أكثر صعوبة بالوسائل التقليدية لإدارة النزاعات. فبات الفضاء الرقمي ساحة موازية لإعادة إنتاج الصراع، تُعاد فيها صياغة الولاءات والهويات على أسس قبلية ذات حمولة سياسية عالية.
واعتمد التقرير على تحليل محتوى 120 صفحة وحسابًا نشطًا على منصات فيسبوك وإكس وتيك توك خلال الفترة من 1 إلى 31 أكتوبر/تشرين الأول 2025، مستخدمًا منهجًا يجمع بين التحليل الكمي والكيفي، ومن بين نحو 23 ألف منشور خضعت للرصد، جرى تصنيف 269 منشورًا كمحتوى قبلي أُخضع لدراسة معمّقة، ما أتاح قراءة دقيقة لدور الخطاب القبلي الرقمي في تشكيل ديناميات الحرب في السودان.
تأجيج خطاب الكراهية وتضخيم الانقسام
رصد التقرير تصاعدًا لافتًا في خطاب الكراهية المرتبط بالهوية القبلية داخل الفضاء الرقمي السوداني خلال الحرب، حيث أظهرت النتائج أن نحو 82% من المحتوى القبلي محل التحليل تضمّن شكلًا واحدًا أو أكثر من الخطاب العدائي.
وتوزعت هذه الخطابات بين نزع الإنسانية، والتحريض المباشر وغير المباشر على العنف، وترسيخ التقسيم الثنائي الحاد بين “نحن” و”هم”، إلى جانب الإساءات القائمة على الأصل أو اللون أو النسب، بما يعكس انزلاق النقاش العام نحو مستويات عالية من الشحن والتجريد من الآخر.
ويبيّن التحليل النوعي أن هذا الخطاب لا يُنتج بوصفه تعبيرات فردية معزولة، بل يُعاد بناؤه ضمن سرديات جماعية واسعة تُعيد تأطير الحرب باعتبارها صراعًا وجوديًا بين مجموعات سكانية كاملة، لا مجرد مواجهة سياسية أو عسكرية بين أطراف محددة.
وفق هذه السرديات، يتحول الخطاب القبلي من أداة توصيف اجتماعي إلى آلية تعبئة سياسية عنيفة، تُسهم في إعادة إنتاج العداء الاجتماعي وتوسيع دائرة الاستقطاب خارج نطاق الفاعلين المباشرين في النزاع.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى الدور المحوري الذي لعبته خوارزميات المنصات الرقمية في تضخيم المحتوى الأكثر شحنًا عاطفيًا، ما ساهم في تعميق الاستقطاب على نطاق واسع، فقد عززت هذه الخوارزميات انتشار الخطاب القبلي الحاد، ورسّخت دوائر «الصدى الرقمي» التي تعيد تدوير السرديات نفسها داخل جماعات متجانسة، وتغلق المجال أمام أي نقاش عقلاني أو جامع.
وأدى هذا المسار – بحسب التقرير- إلى تعميق ثنائيات الانقسام، وإضعاف الثقة في المؤسسات المدنية، وتعزيز الاعتماد على القبيلة بوصفها مصدرًا للحماية والشرعية، في ظل انهيار الدولة واستمرار النزاع.
تهديد مباشر لفرص السلام
لا شك أن هذا النمط من الخطاب الرقمي القائم على النعرات القبلية يشكّل تهديدًا مباشرًا لأي آفاق مستقبلية لبناء سلام مستدام في السودان أو لخفض حدّة التوتر بين أطراف النزاع، فخطورة هذا الخطاب لا تكمن فقط في تغذيته للصراع السياسي والعسكري، بل في تجاوزه ذلك إلى استهداف البنية الصلبة للهوية الثقافية والاجتماعية، بما يحول النزاع إلى مواجهة وجودية يصعب احتواؤها أو معالجتها بالوسائل السياسية التقليدية.
ويرى خبراء ومراقبون أن تصاعد هذا الخطاب من شأنه تقويض أي مبادرات سلام آنية، نظرًا لدوره في تأجيج الضغائن الاجتماعية ورفع منسوب الكراهية بين المكونات السكانية، فضلًا عن إضعاف فرص أي انتقال سياسي محتمل، ويزداد هذا الخطر في ظل تراجع تأثير القوى المدنية وانحسار دورها، مقابل صعود الفاعلين القبليين بوصفهم أطرافًا مؤثرة في معادلة الصراع ومساراته.
وقد عكست تطورات المشهد السوداني منذ اندلاع الحرب عمق الدور الذي تلعبه البنية القبلية في إعادة إشعال الصراع وعرقلة جهود التهدئة، فكلما اتجهت الأوضاع نحو التهدئة أو التبريد، أعادت التعبئة القبلية، لا سيما في إقليمي دارفور وجنوب السودان، ضخ عوامل التوتر من جديد، لتدفع بالأزمة إلى المربع الأول، وتؤكد أن معالجة النزاع دون تفكيك جذوره الاجتماعية والقبلية ستظل رهينة الانتكاس المتكرر.
القبيلة تتجاوز الجغرافيا والسياسة معًا
يشير الأكاديمي السوداني أحمد البدري، الأستاذ بجامعة الخرطوم، إلى أن القبلية في السودان تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة بالمعنى التقليدي، لتغدو المحرك الأبرز لمختلف أشكال الفعل داخل البلاد، بما في ذلك النشاط السياسي وصناعة القرار العسكري.
وفي هذا المعنى لا تمثل القبيلة مجرد إطار اجتماعي، بل تشكّل منظومة ولاء فاعلة تُعيد توجيه السلوك الفردي والجماعي، وتفرض حضورها بوصفها عاملًا حاسمًا في توازنات القوة ومسارات الصراع.
ويرى البدري، في حديثه لـ”نون بوست”، أن الولاء القبلي غالبًا ما يتقدم على الولاء للنظام السياسي أو الحكومة، بل ويتجاوز في بعض الحالات مفهوم الدولة ذاته، مستدلا على ذلك بحالات متكررة يقاتل فيها الأفراد خارج حدود أوطانهم استجابةً لاعتبارات الانتماء القبلي، لا للانتماء الوطني، ما يعكس هشاشة فكرة الدولة الوطنية في مقابل رسوخ البنى التقليدية العابرة للحدود.
وفي هذا السياق، يستعرض البدري جملة من التجارب الدالة، من بينها أن نحو 60% من مقاتلي “الجبهة المتحدة من أجل التغيير” التشادية الذين أُسروا خلال هجومهم على العاصمة أنجمينا عام 2006 كانوا يحملون الجنسية السودانية، كما شارك بعضهم سابقًا في القتال بأفريقيا الوسطى وأسهموا في إيصال الرئيس فرانسوا بوزيزيه إلى السلطة عام 2003 قبل التمرد عليه.
ويضيف أن أكثر من 700 مقاتل من قبيلة المحاميد من عرب دارفور انخرطوا في صفوف “تحالف سيليكا” بأفريقيا الوسطى بين عامي 2012 و2014، بينما شاركت عناصر من عرب المسيرية ضمن قوات الدعم السريع في القتال بجنوب السودان عام 2016 دعمًا لحلفائهم من قبيلة النوير.
كما امتد هذا النمط إلى ليبيا، حيث قاتلت حركات دارفورية في معسكرات متقابلة ضمن الصراع الليبي، في مشهد يؤكد أن تداخل الصراعات الإقليمية وتعدد الجنسيات داخل القوى المسلحة ليس ظاهرة طارئة، بل نتيجة مباشرة لفاعلية الولاء القبلي كعامل حاسم في نزاعات المنطقة.
إعادة تفكيك لمفاعيل المشهد السوداني
في ضوء ما سبق، يتضح أن قراءة المشهد السوداني الحالي والحرب الدائرة بين الجنرالات باعتبارها مجرد صراع عسكري أو نزاع سياسي أو مجرد صراع نفوذ بين القيادات العسكرية، تمثل قراءة سطحية تفتقر إلى العمق والموضوعية، فالمشهد الفعلي أكثر تعقيدًا ويستدعي تجاوز هذا الاختزال المبسط.
من هنا، يصبح من الضروري تفكيك المشهد السوداني من جذوره وبكامل هيئته، مع إبراز المكونات الأساسية التي تشكّل ديناميكيته، وعلى رأسها البعد القبلي كأحد المفاعيل الرئيسية المؤثرة في مسار الصراع، إذ أن تجاهل هذا البعد في أي نقاش أو محاولة للتوصل إلى حلول لإنهاء الحرب، سيحكم على أي تسوية محتملة بأن تكون مؤقتة وهشة، أشبه ببركان خامد قابل للاشتعال في أي لحظة، حتى لو تم تحقيق بعض المكاسب العسكرية على الأرض.
في الأخير.. يمكن القول إن معالجة الأزمة السودانية تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين البعدين العسكري والسياسي والاجتماعي، مع إعطاء الاعتبار اللازم للواقع القبلي والتفاعلات المجتمعية، لضمان أي مسعى نحو تهدئة النزاع واستدامة الاستقرار، مع الوضع في الاعتبار أهمية التحرك السريع لتجفيف منابع الكراهية وتفتيت خطاب العداء كونها الخطوة الأولى لأي مسار سلام محتمل.