شهدت إيران في يناير/كانون الثاني 2026 سابقة، تمثلت في نجاح السلطات بقطع خدمة الإنترنت الفضائي “ستارلينك” بشكل شبه كامل عبر استخدام أجهزة تشويش عسكرية متطورة.
فبعد فرض طهران حجبًا عامًا لشبكات الإنترنت الأرضية لوقف تدفق المعلومات عن احتجاجات واسعة، لجأ الناشطون إلى ستارلينك الذي تشغله شركة سبيس إكس التابعة للملياردير الأمريكي إيلون ماسك كطوق نجاة رقمي لإيصال صوتهم للعالم.
لكن سرعان ما تعرّضت اتصالات ستارلينك نفسها للتشويش المكثف؛ حيث تشير تقارير إلى تعطل نحو 80% من حركة بياناتها داخل إيران خلال ساعات فقط.
هذه الواقعة الدراماتيكية تبرز كيف تحوَّل نظام ستارلينك – الذي بدأ كمشروع خاص لتوفير الإنترنت في المناطق النائية – إلى سلاح استراتيجي في ساحات المعارك ووسيلة تتحدى بها الشعوب قبضة الأنظمة على المعلومات.
فكيف يعمل ستارلينك في ميادين الحرب؟، وكيف يُهرَّب إلى الدول المحظورة؟، وما دوره في تمكين إيلون ماسك من لعب دور سياسي في أخطر نزاعات العالم؟، وكيف تحاول الأنظمة إيقافه وما طبيعة الجدل القانوني والأخلاقي المحيط به؟.
شريان اتصال في ميادين الحروب
عندما اجتاحت القوات الروسية أوكرانيا في 2022، وجد الأوكرانيون في ستارلينك طوق نجاة اتصالي بعد تدمير أو تعطيل شبكات الاتصالات التقليدية.
- سُلم الجيش الأوكراني أكثر من 50 ألف محطة ستارلينك حتى مطلع 2025 بتمويل مشترك من سبيس إكس وحلفاء غربيين.
- ربطت المنظومة الجنود والخدمات الأساسية بالإنترنت حتى في جبهات القتال المعزولة وأتاحت استمرار التواصل المدني والعسكري.
- استخدمت الوحدات الأوكرانية ستارلينك لتوجيه الطائرات المُسيَّرة واستهداف المدفعية بعيدة المدى في الوقت الحقيقي.
- أشارت وزارة الدفاع الأوكرانية علنًا إلى دور ستارلينك وشكرت إيلون ماسك على إبقائهم متصلين خلال أصعب الأوقات.
لم يقتصر حضور ستارلينك على أوكرانيا؛ فقد عُرض أيضًا كحل طوارئ في كوارث طبيعية ومناطق أخرى من العالم.
فإثر ثوران بركان تونغا المدمر في يناير/كانون الثاني 2022، تبرع إيلون ماسك بنحو 50 محطة ستارلينك مجانية لتغطية الجزر النائية التي انقطعت تمامًا عن الانترنت، مما أعاد الاتصال لسكان قرى معزولة حتى إصلاح كابلات الاتصالات.
وبالمثل، عرض ماسك توفير ستارلينك لتركيا بعد زلزال فبراير/شباط 2023 عندما تعثرت الشبكات، لكن أنقرة رفضت العرض وفضّلت الاعتماد على بنيتها المحلية لدواع سيادية.
وفي العدوان على غزة 2023 حين تسبب القصف في انقطاع الاتصالات، اقترح ماسك تفعيل ستارلينك لصالح منظمات الإغاثة الدولية هناك، لكن الأمر قوبل بتحذير إسرائيلي شديد، حيث هددت الحكومة باتخاذ “كل الإجراءات الممكنة” لقطع الخدمة.
هذا المشهد يؤكد أن ستارلينك بات يُنظر إليه كبنية تحتية سيادية في أوقات الأزمات؛ إذ تعتمد عليه الدول والجيوش أحيانًا كخيار أخير لإبقاء الاتصال، فيما تتحفظ بعض الحكومات على قبوله خشية فقدان السيطرة أو استخدامه ضد أمنها.
ستارلينك يدخل السوق السوداء
في المقابل، ظهرت سوق سوداء مزدهرة لأجهزة ستارلينك خلال احتجاجات 2022-2023 ضد النظام الإيراني.
فبعدما منحت الولايات المتحدة ترخيصًا استثنائيًا لشركة سبيس إكس لتفعيل الخدمة فوق إيران في خضم قمع الاحتجاجات، تسابقت شبكات ناشطين في الخارج على تهريب المئات من محطات ستارلينك إلى الداخل الإيراني.
يتم تهريب الأجهزة عبر دول الجوار كإقليم كردستان العراق ودول الخليج، نظرًا لعدم حصول ستارلينك على أي ترخيص في إيران.

وتُباع المعدات بأسعار باهظة في إيران تصل إلى ثلاثة أضعاف سعرها العالمي – حيث يكلف الجهاز حوالي 500 دولار عالميًا مع اشتراك شهري 110 دولارات، بينما يتجاوز السعر داخل إيران 1500 دولار للجهاز بخلاف تكاليف الاشتراك.
هذه التكلفة المرتفعة تجعل امتلاكه محصورًا بالنخبة، لذلك يلجأ البعض إلى تقاسم جهاز واحد بين عدة أسر أو في مبانٍ سكنية لتوزيع النفقات، كما كان يحدث مع أطباق الستالايت الممنوعة في التسعينيات.
ستارلينك والحظر الرسمي
وبالقدر الذي وفر فيه ستارلينك الأمل للمناطق المنكوبة والحروب، شكّل أيضًا مصدر إزعاج للأنظمة الاستبدادية الساعية للسيطرة على المعلومات.
في إيران: رغم السرية، تتتبع السلطات الأجهزة المهربة وتصادرها عند العثور عليها؛ ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2023 ضبطت قوات الأمن 22 جهاز ستارلينك وادّعت أنها معدات مدعومة من وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) لجهات معارضة.
ويواجه من يُضبط بحوزته جهاز ستارلينك في إيران تُهمًا جنائية تشمل حيازة بضائع مهربة ويمكن أن تصل عقوبتها للسجن. بل إن البرلمان أقرّ في 2023 قانونًا يعتبر استخدام الإنترنت الفضائي غير المرخّص جريمة تندرج ضمن أنشطة التجسس؛ يُعاقب عليها بالسجن 6 أشهر إلى سنتين، وقد تصل إلى الإعدام إذا ارتبطت بالتخابر.
وعلى الرغم من ذلك، تقدّر مصادر حقوقية وجود عشرات آلاف المستخدمين النشطين لستارلينك داخل إيران بحلول أواخر 2025، مما يكشف حجم التحدي الذي يواجهه النظام في منع تدفق الأجهزة عبر الحدود المفتوحة والطلب الشعبي المتزايد على إنترنت غير مراقب.
– استخدمت إيران أجهزة تشويش عسكرية لتعطيل خدمات “ستارلينك”، ما أنهى فعليًا الاعتماد على الإنترنت الفضائي كخيار بديل عند قطع الشبكة المحلية.
– تقارير حقوقية وإعلامية أكدت أن الانقطاع طال الاتصالات الفضائية نفسها، إذ تعطّل في البداية نحو 30% من حركة البيانات عبر ستارلينك، قبل أن… pic.twitter.com/aWlXRTKp1e
— نون بوست (@NoonPost) January 12, 2026
روسيا بدورها حظرت ستارلينك رسميًا منذ 2021 وهددت بفرض غرامات تصل إلى 30 ألف روبل على الأفراد ومليون روبل على الشركات التي يثبت استخدامها له، وذلك لاعتباره مشروعًا غربيًا يهدف لاختراق سيادتها الرقمية، خاصة بعد أن استغله أوكرانيون لتجاوز قطع الإنترنت في مناطق الحرب.
أما الصين، ففضلًا عن رفضها منح ترخيص تشغيل لستارلينك على أراضيها، فهي تراقب بقلق توسعه العالمي وترى فيه تهديدًا لأمنها القومي.
وعبرت بكين عن مخاوفها علنًا في يناير 2024 بعد إعلان سبيس إكس إطلاق جيل جديد من الأقمار مخصص لخدمة الاتصالات المباشرة، واعتبر الجيش الصيني أن هذا المشروع قد يشكل جزءًا من منظومة عسكرية أمريكية لسرعة استهداف الأعداء.
وحذرت منشورات صينية رسمية من أن انتشار آلاف أقمار ستارلينك يمنح واشنطن “هيمنة فضائية” ويخلق تحديًا أمنيًا لبكين وموسكو معًا.
لم تقف الصين عند التحذير، بل بدأ باحثون صينيون بدراسة وسائل هجومية لتعطيل أو تدمير أقمار ستارلينك عند الحاجة – بما في ذلك استخدام أشعة ليزر من أقمار اعتراضية أو حتى تطوير أقمار انتحارية مضادة.
ماسك كلاعب سياسي في بؤر التوتر
شكَّل صعود المنظومة وتعاظم دوره امتحانًا غير مسبوق لمبدأ حيادية البنية التحتية الحيوية ولحدود نفوذ القطاع الخاص في السياسة الدولية. فإيلون ماسك – بصفته مالك سبيس إكس وستارلينك – وجد نفسه في موقع صانع قرار يؤثر في مسار نزاعات حساسة.
ففي أوكرانيا، ورغم الدور الحيوي الذي لعبته منظومته في صمود شبكة الاتصالات، لم يتردد ماسك بتقييد استخدامها لأغراض عسكرية هجومية.
كشفت تقارير أنه في سبتمبر/أيلول 2022، أثناء هجوم أوكراني مضاد لاستعادة أراضٍ محتلة، أصدر ماسك أمرًا سريًا بإيقاف تغطية ستارلينك عن مناطق معينة قرب جبهة القتال مثل إقليم خيرسون، ما أدى ذلك إلى انقطاع الاتصالات عن الوحدات الأوكرانية في لحظة حاسمة.
برر ماسك لاحقًا موقفه بخشيته من أن يؤدي هجوم أوكراني كبير (مثل استهداف أسطول روسيا في القرم) إلى رد نووي روسي وتصعيد كارثي. كما سبق له أن رفض طلبًا من كييف لتفعيل ستارلينك في منطقة القرم عام 2022 بغرض تنفيذ ضربة على سفن روسية، للسبب نفسه.
حتى في واشنطن، أثارت هذه الوقائع مخاوف صناع القرار، إذ تجاوز نفوذ ماسك في مجالات الاتصالات والفضاء مستويات لا يتمتع بها عادة سوى رؤساء دول.
وفي بريطانيا، علّقت مارثا لين فوكس، عضوة مجلس اللوردات، بالقول إن هيمنة ماسك العالمية حاليًا تجسد خطورة تركيز السلطة في مجالات غير منظمة، مشيرةً إلى أن التحكم في ستارلينك “يقبع بالكامل في يده، مما يسمح لنزواته بإملاء الوصول إلى بنية تحتية حيوية”.
كذلك وجد ماسك نفسه في نزاع علني مع “إسرائيل” عندما عرض ستارلينك للمنظمات الإغاثية بغزة، حيث هاجمه وزير الاتصالات الإسرائيلي وقتها مهددًا بقطع العلاقات.
هذا الدور المزدوج لستارلينك كمنقذ تقني ومُربِك استراتيجي أثار إشكاليات أخلاقية وقانونية معقدة. فمن جهة، يؤكد أنصاره أنه يكسر احتكار الأنظمة للمعلومات وينقذ الأرواح عبر إبقاء العالم متصلًا أثناء الكوارث والصراعات، ومن جهة أخرى، يثير احتكاره لمنصة اتصالات عالمية أسئلة حول المساءلة والسيادة.
في المحصلة، أنتج صعود ستارلينك واقعًا جديدًا في عالم الاتصال والصراع. فقد أصبح الإنترنت الفضائي لاعبًا لا يمكن تجاهله في حسابات الحروب وحركات الاحتجاج؛ يوفر للأطراف فرصة غير مسبوقة لكسر الحصار المعلوماتي، لكنه في الوقت نفسه خلق مصدرا جديدا للتوتر بين عمالقة التقنية والدول.