تدخل إيران واحدة من أكثر مراحلها السياسية تعقيدًا منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية عام 1979، في ظل أزمة شرعية متراكمة لم تعد محصورة في الأداء الاقتصادي أو الضغوط الخارجية، بل باتت تمس جوهر النموذج الحاكم ذاته، فقد أدى التآكل المستمر في العقد الاجتماعي، واتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتراجع القدرة على الاستجابة للتحولات الديموغرافية والثقافية، إلى إضعاف أدوات الضبط التقليدية التي اعتمد عليها النظام طويلًا في إنتاج الاستقرار.
في هذا السياق، لم يعد سؤال “ما بعد النظام” افتراضًا أكاديميًا أو نقاشًا نخبويًا معزولًا، بل أصبح عنصرًا حاضرًا في سلوك الدولة نفسها، وفي استراتيجيات الاحتواء الأمني، وفي أنماط الاحتجاج الاجتماعي، فضلًا عن كونه حاضرًا بقوة في مقاربات الفاعلين الإقليميين والدوليين تجاه إيران. غير أن خصوصية الحالة الإيرانية تكمن في أن هذا السؤال يُطرح في ظل غياب معارضة داخلية منظمة قادرة على وراثة السلطة أو إدارة انتقال سياسي واضح المعالم.
وعلى خلاف حالات انتقالية أخرى في الإقليم، إذ برزت قوى سياسية داخلية قادت عملية التحول أو فرضت نفسها كشريك تفاوضي، تبدو إيران أقرب إلى مسار انتقال مضطرب تتداخل فيه عناصر الانهيار الجزئي، والانقسام داخل النخبة الحاكمة، والضغط الخارجي غير المباشر. وفي هذا الفراغ، برزت شخصيات معارضة من الخارج، وفي مقدمتها رضا بهلوي ومريم رجوي، بوصفها عناوين محتملة لمرحلة انتقالية، غير أن بروز هذه الأسماء يعكس، في جوهره، ندرة البدائل الداخلية أكثر مما يعكس نضج مشروع قيادي متكامل قابل للتطبيق.
دولة متماسكة ونظام مأزوم
تتميّز الحالة الإيرانية بخصوصية بنيوية تجعلها مختلفة عن كثير من تجارب التحول أو الانهيار السياسي في الإقليم. فإيران ليست دولة هشة أو مفككة المؤسسات، بل تمتلك دولة ذات بنية مؤسسية عميقة الجذور، تشكلت عبر عقود سبقت قيام الجمهورية الإسلامية، ثم أُعيد تشكيلها وتوسيعها بعد عام 1979. وتشمل هذه البنية جهازًا بيروقراطيًا واسعًا، وأجهزة أمنية متعددة المستويات، واقتصادًا شبه دولتي تهيمن عليه شبكات مصالح متشابكة، إضافة إلى نخبة إدارية وتقنية لا تنتمي بالضرورة، في مجملها، إلى النواة الأيديولوجية الصلبة للنظام.
في المقابل، يعاني النظام السياسي من أزمة شرعية متراكمة تتجاوز حدود الأداء الاقتصادي أو الضغوط الخارجية، وتمس جوهر العلاقة بين السلطة والمجتمع. فقد تراجعت قدرته على إنتاج سردية جامعة تُقنع قطاعات واسعة من الإيرانيين بجدوى استمراره، سواء عبر الخطاب الثوري، أو عبر وعود العدالة الاجتماعية، أو عبر فكرة “المقاومة” في مواجهة الخارج. ومع صعود أجيال جديدة أقل ارتباطًا بأيديولوجيا الثورة وأكثر انفتاحًا على العالم، باتت أدوات الضبط التقليدية أقل فاعلية، وأكثر كلفة.
هذا التباين بين دولة متماسكة نسبيًا ونظام مأزوم سياسيًا يخلق وضعًا انتقاليًا شديد التعقيد، فهو يعني أن أي تحول سياسي محتمل قد تنتجه الاحتجاجات الحالية، لن يكون لحظة قطيعة شاملة تُعاد فيها صياغة الدولة من الصفر، بل سيكون صراعًا تدريجيًا للسيطرة على مؤسسات قائمة بالفعل. وفي مثل هذه السياقات، لا يكون السؤال المركزي هو “من يسقط النظام”، بل “من يرث الدولة، وكيف، وبأي كلفة”.
ويزداد هذا التعقيد بفعل الطبيعة الخاصة للمؤسسة الأمنية والعسكرية، ولا سيما الحرس الثوري، الذي لا يقتصر دوره على المجال الأمني، بل يمتد إلى الاقتصاد والإعلام والسياسة الخارجية، فهذه المؤسسة تمثل في آن واحد أداة لحماية النظام، وشبكة مصالح اقتصادية واسعة، وفاعلًا سياسيًا غير رسمي، ما يجعل التعامل معها أحد أعقد ملفات أي مرحلة انتقالية محتملة.
في ظل هذه البنية، تتراجع فرص الشخصيات القادمة من الخارج، مهما بلغ حضورها الرمزي أو الإعلامي، لصالح فاعلين يمتلكون قدرة على التواصل مع الداخل المؤسسي، أو على الأقل فهم آلياته وتعقيداته. فالشخصيات المنفية غالبًا ما تفتقر إلى المعرفة العملية بتوازنات الدولة العميقة وقنوات الاتصال بالفاعلين الحقيقيين داخل المؤسسات، وهو ما يحدّ من قدرتها على التحول إلى قيادات تنفيذية في مرحلة تتطلب قرارات سريعة وحساسة.
الرمز السياسي وحدود التحول إلى فاعل انتقالي
يمثل رضا بهلوي حالة خاصة في المشهد المعارض الإيراني، لا بسبب امتلاكه تنظيمًا سياسيًا أو مشروع حكم متكامل، بل بسبب الموقع الرمزي الذي يشغله في الوعي السياسي الإيراني، خصوصًا في لحظات الأزمات. فحضوره يعكس فراغًا قياديًا عميقًا، تبحث فيه قطاعات من المجتمع عن نقيض رمزي للنظام القائم أكثر من بحثها عن برنامج سياسي واضح.
تستمد رمزية بهلوي قوتها من ارتباطها بمرحلة ما قبل الثورة الإسلامية، وهي مرحلة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية بوصفها مرجعية متنازعًا عليها. فمن جهة، تستحضر لدى بعض الإيرانيين صورة الدولة المركزية القوية والاستقرار النسبي والانفتاح الاجتماعي مقارنة بالواقع الحالي. ومن جهة أخرى، تستدعي لدى شرائح واسعة تجربة الاستبداد السياسي وهيمنة الأجهزة الأمنية والتفاوت الاجتماعي. هذا التناقض يمنح اسمه قابلية عالية للتداول ويجعله وعاءً رمزيًا تُسقِط عليه فئات مختلفة قراءاتها للماضي والحاضر.

لذلك لا يظهر بهلوي بوصفه مشروع “عودة ملكية” بالمعنى الكلاسيكي، بل بوصفه نقيضًا تاريخيًا للجمهورية الإسلامية. وهو يدرك حساسية ذلك، فيتبنى خطابًا يركز على “حق الشعب في تقرير مصيره” عبر استفتاء عام، بما يسمح له بمخاطبة شرائح غير ملكية، بل حتى شرائح جمهورية وليبرالية ترى فيه أداة محتملة لإنهاء النظام لا نموذج حكم نهائي.
غير أن هذه القوة الرمزية تصطدم بحدود بنيوية عند الانتقال من الخطاب إلى الفعل، فأبرز الإشكاليات تكمن في غياب أي بنية تنظيمية فاعلة داخل إيران، وغياب شبكات سياسية أو قواعد اجتماعية منظمة قادرة على العمل في بيئة قمعية. وفي السياقات الانتقالية، لا تُقاس القيادة بالتعبئة الرمزية وحدها، بل بالقدرة على إدارة الأمن واستمرارية مؤسسات الدولة ومنع الفوضى.
تتجسد محدوديات دور بهلوي في ثلاثة مستويات مترابطة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر. أول هذه المستويات يتمثل في غياب التنظيم الداخلي القادر على تحويل الرمزية السياسية إلى نفوذ فعلي ومستدام، ففي الأنظمة السلطوية ذات البنية الأمنية المعقدة، لا تكفي الشعبية الرمزية أو الحضور الإعلامي لإحداث اختراق حقيقي، بل تتطلب العملية السياسية شبكات منظمة قادرة على العمل في ظروف القمع، وإدارة لحظات السيولة، وربط الشارع بمراكز القرار. وتزداد كلفة هذا الغياب بعد سقوط النظام أكثر مما تكون قبله، حين يتحول التحدي من إسقاط السلطة إلى منع انهيار الدولة وضبط المجال العام.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بالعبء التاريخي لحقبة ما قبل عام 1979، التي لا تزال تشكل مصدر انقسام حاد داخل المجتمع الإيراني، بما في ذلك داخل المعسكر المعارض نفسه. فهذه الذاكرة المتنازع عليها تجعل من الصعب تحويل بهلوي إلى نقطة إجماع وطني، وهو شرط حاسم في أي مرحلة انتقالية تتطلب أعلى درجات التوافق لتفادي الانقسام أو الصراع الأهلي. كما يمنح هذا العبء خصومه مادة جاهزة للطعن في شرعيته، سواء عبر استدعاء سرديات الاستبداد السابق أو عبر تصويره بوصفه عودة إلى الماضي لا قطيعة معه.
أما المستوى الثالث، والأعمق أثرًا، فيتمثل في حدود الفاعلية السياسية في سياق دولة معقدة مثل إيران، فالقيادة الانتقالية لا تُقاس بالخطاب أو النوايا، بل بالقدرة على بناء تحالفات متناقضة، والتعامل مع مؤسسات أمنية وبيروقراطية واقتصادية ذات مصالح متجذرة. ويحدّ من هذه القدرة الانقطاع الطويل عن الداخل، وضعف المعرفة الدقيقة بتوازنات القوة داخل الدولة، وغياب قنوات تواصل مباشرة مع الفاعلين المؤسسيين. كما أن أي اعتماد مفرط على الخارج، مهما كان داعمًا، يظل محفوفًا بمخاطر فقدان الشرعية إذا فُهم بوصفه وصاية أو بديلًا مفروضًا من الخارج.
بين التعبئة الرمزية والعجز التنفيذي
يصعب قياس التأثير الداخلي المحتمل لبهلوي بمقاييس تقليدية في ظل طبيعة النظام القمعية وغياب المجال العام المفتوح. ومع ذلك، تشير المؤشرات المتاحة إلى أن هذا التأثير يندرج أساسًا ضمن ما يمكن تسميته بالتأثير الرمزي – التعبوي، فاسمه يُستدعى في الخطاب الاحتجاجي اليوم بوصفه نقيضًا تاريخيًا للنظام القائم، أو تعبيرًا عن رفض شامل للواقع السياسي، لا بوصفه قيادة ميدانية أو مشروع حكم واضح المعالم.
غير أن هذا التأثير يظل ظرفيًا وغير تراكمي، ويتوقف على طبيعة التغييرات التي سيفرضها الواقع الاحتجاجي على المشهد السياسي القادم في إيران مستقبلاً، إذ لا يترجم إلى شبكات تنظيمية دائمة أو بنى سياسية قادرة على الاستمرار بعد انحسار موجات الاحتجاج. كما أن استدعاء الرمز لا يعني بالضرورة القبول بالقيادة، بل غالبًا ما يكون تعبيرًا عن الغضب وانسداد الأفق. وفي المقابل، يبقى تأثير بهلوي داخل النخب البيروقراطية والاقتصادية والثقافية محدودًا، حيث تميل هذه النخب إلى التفكير بمنطق الاستقرار وإدارة المخاطر، وتفضّل فاعلين أكثر اتصالًا بالمؤسسات وأكثر قدرة على ضمان استمرارية الدولة.
وقد يملك بهلوي نافذة قصيرة للتأثير في حال انهيار مفاجئ للنظام مستقبلاً، حيث تظهر حاجة آنية إلى عنوان سياسي معروف قادر على مخاطبة الداخل والخارج. غير أن هذه النافذة، إن فُتحت، ستكون قصيرة الأمد ومشروطة باندماجه السريع في ترتيبات جماعية أوسع تمتلك أدوات تنفيذية حقيقية. أما في سيناريو الانتقال التدريجي أو التفاوضي، فإن تأثيره يتراجع لصالح فاعلين داخليين أكثر التصاقًا بالبنية المؤسسية.
وتمثل العلاقات الخارجية لبهلوي سيفًا ذا حدين. فمن جهة، يحظى بانفتاح ملحوظ في دوائر سياسية وإعلامية وفكرية غربية، لا سيما في الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث يُنظر إليه بوصفه صوتًا معارضًا قادرًا على مخاطبة الرأي العام الغربي بلغة مألوفة، غير أن هذا الانفتاح يبقى في معظمه غير رسمي وغير مؤسسي، ويعكس حذرًا واضحًا من تبنّي شخصية واحدة بوصفها “البديل القادم” في سياق إيراني شديد التعقيد.
ومن جهة أخرى، تثير علاقاته العلنية مع إسرائيل كلفة شرعية داخلية مرتفعة، في مجتمع حساس لأي اصطفاف خارجي معادٍ، حتى بين قطاعات واسعة من معارضي النظام. فهذه العلاقات، وإن كانت تمنحه دعمًا في دوائر ضغط غربية، توفر في المقابل مادة سهلة للطعن في شرعيته وتصويره بوصفه “خيار الخارج”، وهو توصيف يحمل أثرًا سلبيًا بالغًا في الوعي السياسي الإيراني.
ويتعاظم هذا العبء لأن غياب التنظيم الداخلي يدفعه، بحكم الأمر الواقع، إلى الاعتماد على الخارج لتعويض نقص الحضور الداخلي. غير أن هذا التعويض قد يتحول إلى نقطة ضعف في لحظة الانتقال، إذ إن الدعم الخارجي لا يستطيع إنتاج شرعية داخلية أو فرض قيادة على مجتمع منقسم، بل قد يقوض فرص التوافق إذا فُهم بوصفه تدخلًا أو وصاية.
مريم رجوي والسياق السياسي المغاير
تمثل مريم رجوي نموذجًا مغايرًا يقوم على التنظيم والجاهزية المؤسسية والبرنامج السياسي المكتوب، وقد مكّنها ذلك من بناء شبكة علاقات واسعة في الغرب، وجعل ذراعها السياسي (المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية) شريكًا مفضلًا لدى بعض الدوائر التي تبحث عن “بديل منظم” أكثر من بحثها عن رمز سياسي.
غير أن هذا التفوق التنظيمي يصطدم بفجوة داخلية عميقة. فالتنظيم، رغم انضباطه وهيكليته، يعاني من صورة ذهنية ملتبسة داخل إيران، ومن تاريخ سياسي مثير للجدل يحدّ من قدرته على التحول إلى قيادة وطنية جامعة. كما أن طابعه الهرمي والانضباطي الصارم لا ينسجم بالضرورة مع تطلعات مجتمع يسعى، في حال التغيير، إلى نموذج أكثر تعددية وانفتاحًا.
ويضاف إلى ذلك أن اعتماد المجلس على الخارج في بناء شرعيته السياسية يعزز قدرته على الضغط الدولي، لكنه لا يترجم تلقائيًا إلى قبول داخلي، بل قد يُستخدم لتغذية سردية “المعارضة المرتبطة بالخارج”. كما يحدّ هذا النمط من قدرته على الاندماج السلس في ترتيبات انتقالية جماعية تتطلب مرونة وتقاسمًا للسلطة.
لا تعكس المنافسة بين بهلوي ورجوي صراعًا شخصيًا مباشرًا، بل صراعًا بين نموذجين مختلفين لتعريف “البديل” في إيران ما بعد الجمهورية الإسلامية. فالأول يمثل رمزًا بلا تنظيم، يستمد قوته من المرونة والقدرة على التداول الرمزي، لكنه يفتقر إلى أدوات التنفيذ. أما الثاني فيمثل تنظيمًا بلا مجتمع واسع، يمتلك الجاهزية المؤسسية لكنه يفتقر إلى القبول الشعبي العريض.
ويختلف النموذجان أيضًا في فهم الزمن السياسي. فبهلوي يتحرك ضمن أفق لحظة انفجارية تحتاج عنوانًا رمزيًا سريعًا، في حين تراهن رجوي على جاهزية مسبقة تفترض أن البديل يجب أن يكون موجودًا قبل السقوط. ولا يبدو أن هذه المنافسة مرشحة للحسم لصالح أحدهما، بل قد تنتهي إلى إقصاء متبادل يضعف المعارضة، أو إلى تقاسم أدوار محدود، أو / وهو الأرجح في حال انتقال تدريجي إلى تجاوز الطرفين معًا لصالح فاعلين ينبثقون من داخل الدولة نفسها.
تُظهر المسارات اعلاه مجتمعة أن إيران ليست حالة انهيار دولة، بل نظام مأزوم داخل دولة متماسكة نسبيًا، ما يجعل أي انتقال سياسي محتمل صراعًا على إعادة توجيه المؤسسات لا استبدالها بالكامل. وضمن هذا الإطار، يظهر (رضا بهلوي) كإمكانية رمزية ظرفية أكثر من كونه مشروع قيادة انتقالية مكتملة، بينما يظهر نموذج (مريم رجوي) كتنظيم جاهز يفتقر إلى الإجماع الداخلي والامتداد المجتمعي الواسع.
وتشير السيناريوهات الواقعية إلى أن مسار التحول إن وقع سيكون متعدد الفاعلين، مع مركز ثقل داخلي داخل المؤسسات وشبكاتها، وأدوار مساندة أو ضغطية لمعارضة الخارج. وعليه، فإن الرهان على معارضة المنفى بوصفها “بديلًا جاهزًا” ينطوي على مخاطر استراتيجية عالية، بينما يتطلب التقدير الواقعي تركيزًا أكبر على ديناميات الداخل بوصفها المحدد الحاسم لمستقبل القيادة في إيران.