في خطابٍ متلفز ألقاه من السعودية في العاشر من يناير الجاري، أعلن رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، تشكيل لجنة عسكرية عليا تحت قيادة تحالف دعم الشرعية، تتولى إعداد وتجهيز جميع القوات والتشكيلات العسكرية اليمنية ودعمها للاستعداد للمرحلة القادمة؛ مرحلة لم يسمِّ العليمي عناوينها، لكن ملامحها بدت منذ أن صدحت ردود أفعال القوى المنضوية تحت راية الحكومة، والقوى المناوئة لها، كقوات المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم إماراتيًا، والقوات التابعة لجماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا.
ووسط هذه التفاعلات، ثمة من يرى أن مجلس القيادة الرئاسي ما يزال أمام تحديات صعبة لتنفيذ قرارات توحيد الصفين السياسي والعسكري، والذهاب إلى خطوات أبعد من ذلك قد تُفضي إلى تحديد بوصلته باتجاه العاصمة صنعاء، التي ما تزال في قبضة الجماعة الحوثية، رغم مضي أكثر من اثني عشر عامًا منذ إعلان الحرب عليها.
في أحاديثها مع “نون بوست”، تقدّم قيادات عسكرية وسياسية يمنية، وباحثون في مسارات الحرب والسلام، قراءات متباينة حول السيناريوهات المتوقعة لفترة أثناء وما بعد توحيد القرارين العسكري والسياسي للشرعية اليمنية.
ضرورة وطنية
الولاءات الشخصية
في حال توحّد القرار العسكري لدى الحكومة الشرعية في اليمن، ثمة من يرى أن توحيد القرار لا يعني بالضرورة الدمج الاحترافي للقوات العسكرية. الدكتور محمد المحفلي، الباحث في الدراسات السياسية الدولية بجامعة مالمو السويدية، يرجّح ذلك، ويشير إلى أنه ناتج عن طبيعة بناء هذه المجموعات والتشكيلات المسلحة، التي تعتمد في تشكيلاتها على الولاءات الشخصية بمرجعياتها المختلفة. ومع ذلك يرى المحفلي أنه حتى اللحظة ما تزال هناك، في كافة المناطق الخارجة عن سيطرة جماعة الحوثي، تنامٍ للتشكيلات المسلحة التي تتبع القيادات الحكومية، لكنها في الوقت نفسه لا تنطوي تحت التسلسل الهرمي لوزارة الدفاع اليمنية وقيادة الأركان العامة.
ويوضح المحفلي أنه لا يكفي أيضًا أن يتم فرض توحيد القرار العسكري في الشرعية اليمنية بالقوة، بل ينبغي أن تكون هذه الجبهة موحّدة في تطلعاتها وأهدافها، حتى لو كانت هذه الأهداف مرحلية وجزئية. وما ينبغي الخشية منه هو أن تؤدي هذه الإجراءات إلى مزيد من الانقسام، وتحويل الصراع من صراع سلطة وانقلاب إلى صراع آخر يعزّز حضور الحوثيين بوصفهم البديل الأكثر تماسكًا.
وفي الحقيقة، يرى المحفلي أنه لا أحد يستطيع التنبؤ بما يمكن أن يحدث، فذلك مرهون بنجاح مؤتمر الرياض المزمع انعقاده في الفترة القادمة؛ فلو توافق الجنوبيون على رؤية واضحة تحدد مسار القضية الجنوبية بوضوح، وتسمح لكثير منهم بالانخراط في المواجهة مع الحوثيين، فإن هذا الأمر من شأنه أن يدعم موقف الحكومة ويعزّز رصيدها وتماسك جبهتها.
خيارات صعبة
من جانبها، استشاطت جماعة الحوثي غضبًا عقب خطوات رئيس مجلس القيادة الرئاسي لتوحيد التشكيلات العسكرية، ووصف مجلس النواب الواقع تحت سيطرة جماعة الحوثي تحركات العليمي بـ”المشبوهة”، وأدواره بـ”الخِيانية”، متهمًا إياه بأنه “رهن اليمن تحت وصاية تحالف دول العدوان” (في إشارة إلى السعودية)، لافتًا إلى أن الموقف الرسمي من أي تسوية لا بد أن يخضع لاستفتاء شعبي يشمل جميع أبناء اليمن.
القيادي في جماعة أنصار الله (الحوثيين) محمد الفرح اعتبر إعلان العليمي تشكيل لجنة عسكرية عليا تحت قيادة تحالف دعم الشرعية لإعداد القوات المسلحة اليمنية تكرارًا فاشلًا لنتائج عشر سنوات مما أسماه “العدوان”، التي لم تحقق، بحسب تعبيره، أي هدف سوى تدمير البلد وسفك دماء اليمنيين. وأكد أن جماعته تنظر إلى خطوات وترتيبات التحالف والعليمي بوصفها خطوات متسقة مع رؤية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لتغيير وجه الشرق الأوسط، وهو ما يحتم، من وجهة نظره، على جماعته التعامل مع أي تحركات وفق مبدأ التصدي لعدوان يستهدف سيادة وإرادة اليمنيين.
من يقود ومن يقرر؟
قراءة في تصريحات المرتزق رشاد العليميلا جديد في تصريحات المرتزق رشاد العليمي سوى قوله: “بصفتي رئيس الجمهورية والقائد الأعلى للقوات المسلحة، وإن التحالف سيقود مباشرة ما أسماه بالقوات المسلحة اليمنية، وكذا الدعوة للحوار تحت التهديد.”
في الحقيقة، رشاد ليس رئيسًا…— محمد الفرح (@MohammedAlfrah) January 11, 2026
يلفت عادل دشيله، الباحث في جمعية دراسات الشرق الأوسط (MESA)، إلى أن السعودية كانت قد وضعت قبل عامين خارطة طريق لحل الأزمة اليمنية، لم تطّلع عليها معظم القوى السياسية اليمنية. ورغم ذلك، أشرفت السعودية على تأسيس مجلس القيادة الرئاسي بهدف التواصل مع الحوثيين والتوصل إلى حل يفضي إلى الحرب أو السلام، لكن ذلك لم يحدث.
ويشير دشيله لـ”نون بوست” إلى عدة سيناريوهات محتملة عقب استكمال توحيد القوى اليمنية؛ إذ من المتوقع أن يتجه الجميع نحو صنعاء، غير أن هذا التوجه، هل سيكون عسكريًا أم سياسيًا، يعود – برأي دشيله – إلى موقف جماعة الحوثي: هل ستجنح للسلم أم ستُسعّر الحرب؟ فإن جنحت إلى القرار السياسي وأصبحت مكوّنًا يمنيًا، قد يتم استبعاد العمليات العسكرية، أما إن رفضت الدخول في تسوية سياسية، فإن الخيار العسكري سيكون مطروحًا على الطاولة فورًا وبقوة.
ولذلك يؤكد دشيله أن جماعة الحوثي حاليًا تنتظر ما سيحدث في المناطق الجنوبية والشرقية؛ ففي حال توحّدت هذه القوى السياسية والعسكرية في إطار مؤسستي الدفاع والأمن، فإن الجماعة الحوثية لن تغامر بالدخول في معركة أخرى تدرك أنها خاسرة، وستجنح للسلم بشروط الشرعية والتحالف، لا بشروطها.
إعلان حرب
عبدالباسط الدعام، رئيس المجلس الوطني للمناطق الوسطى، وأحد شيوخ القبائل اليمنية المناوئة لجماعة الحوثي، يشير إلى استعداد القبائل اليمنية، إلى جانب القوات العسكرية، لخوض معركة أسماها بـ”الخلاص”، حيث إن هذه المعركة، بحسب الدعام، تترقبها الكثير من القبائل للانتقام من جماعة الحوثي.
ويقول الدعام في حديثه مع “نون بوست”: “خلال السنوات الماضية من عمر الحرب في اليمن، جرّبت كافة القوى التحاور مع الحوثيين، لكنهم كانوا ينكثون العهود والمواثيق في كل مرة، لذا فإن خيار الحرب مع هذه الجماعة أمر لا مفرّ منه. ولنا تجربة شخصية مع هذه الجماعة التي تحمل أيديولوجيات مذهبية لا تحبّذ السلام، وتدعو إلى قتل كل من يعارض مشروعها الطائفي”.
كيف تتوزع النفوذ في اليمن؟ .. خريطة توضّح توزيع مناطق السيطرة في اليمن بين الحكومة الشرعية، والمجلس الانتقالي، والحوثيين. pic.twitter.com/u99u2e2YsX
— نون بوست (@NoonPost) January 3, 2026
ويعتبر الدعام ما يحدث في إيران من فوضى وارتباك للنظام الإيراني فرصة ثمينة يمكن استغلالها من قبل القوى المناهضة لجماعة الحوثي في اليمن للقضاء على المشروع الحوثي بدعم سعودي، باعتبار أن إيران هي الداعم الأهم لجماعة الحوثي.
ويؤيد ما طرحه الدعام من رأي الوزيرُ والقائدُ الأمني اليمني الأسبق صالح سميع، إذ يقول: “لا بد من تصويب بوصلة القوة العسكرية والأمنية نحو القضاء على المشروع الميليشياوي لنظام ولاية الفقيه الإيراني في صنعاء، وبهذا نكون أمام يمن حرّ خالٍ من التدخلات الإقليمية المجنونة”.
ويذهب المحلل السياسي ريدان المقدم إلى أن مسألة توحيد القرارين السياسي والعسكري للحكومة اليمنية الشرعية، وقرار عودة الحرب بين الحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا وجماعة الحوثي، هي مسألة مرتبطة بالصراع الدولي على الإقليم كله، مشيرًا إلى وجود تحالف بين السعودية ومصر من جهة، وبين الإمارات وإسرائيل بشبه موافقة أمريكية من جهة أخرى.
ويدلّل المقدم على ذلك بأن بداية هذا التحالف كانت عندما دخل عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى حضرموت بدعم إماراتي، وفي تلك اللحظة لم تتحدث جماعة الحوثي المدعومة إيرانيًا عن هذا الأمر. كما أدى تدخل السعودية في كسر الانتقالي إلى إضعاف موقف جماعة الحوثي أمام الرأي العام اليمني. وكل تلك الأحداث، بحسب المقدم، تمثّل مدخلًا لصراع شامل في الفترة القادمة. ويقول المقدم: “تؤكد المؤشرات وقوع معركة جديدة، لكن لا أحد يتكهن بمدى قدرة جماعة الحوثي على الصمود أكثر”.
ويختتم المقدم حديثه لـ”نون بوست” بالإشارة إلى أن السعودية هي الأولى بالملف اليمني، خصوصًا أن مصالح هذا الملف تتقاطع هذه المرة مع مصر، وهذا تقاطع مصالح مهم جدًا للمنطقة كلها. فالمملكة تشارك اليمن أكثر من ثلاثة أرباع حدوده، أي إنه لا مصير أمام اليمنيين إلا العيش والتعايش مع السعودي، فإذا تم احترام تلك المصالح وضمان عودة الفائدة للجميع، فهذا حلّ سلس للمنطقة برمتها، لكن تدويل القضية أكثر، بحسب المقدم، يزيد من تعقيدها، على الرغم من ضعف الطرف الإيراني.
