في تصريح أعاد ملف تهجير الفلسطينيين إلى الواجهة، أعلن وزير الدفاع الصومالي أحمد معلم فقي امتلاك مقديشو معلومات استخباراتية موثوقة تشير إلى أن تخطيط “إسرائيل” لنقل أهالي قطاع غزة قسرًا إلى إقليم “أرض الصومال” الانفصالي في الشمال.
وأكد فقي في مقابلة مع قناة الجزيرة أن لديه “معلومات مؤكدة” حول خطة “إسرائيل” لـ”نقل الفلسطينيين وإرسالهم إلى أرض الصومال”، واصفًا الأمر بأنه “انتهاك خطير” للقانون الدولي.
وشدد الوزير على أن مثل هذا التهجير القسري سيمثّل اعتداءً مباشرًا على وحدة الصومال، متهمًا “تل أبيب” باستغلال قيادات إقليم أرض الصومال الانفصالية لتحقيق أهدافها.
كما دعا “إسرائيل” إلى التراجع الفوري عن اعترافها بالإقليم الانفصالي، مشيرًا إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو “لا يملك أي حق قانوني أو شرعي لمنح الشرعية لكيان داخل دولة ذات سيادة”.
ويأتي هذا التحذير في وقت تعزّز فيه “إسرائيل” تواجدها الدبلوماسي في الإقليم الانفصالي – بما في ذلك زيارة وزير خارجيتها جدعون ساعر هرجيسا لأول مرة بعد الاعتراف – مما أثار مخاوف من أن يتحول سكان غزة المحاصرون إلى رهائن صراع جيوسياسي في القرن الأفريقي.
إعادة إحياء المخطط
تحولت فكرة تهجير الفلسطينيين إلى مقترح جاد خلال العدوان على غزة. إذ طرح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ما أسماها “خطة سلام” تتضمن “نقل أكثر من مليوني فلسطيني من غزة بشكل دائم إلى أراضٍ بديلة”.
وقد أشاد نتنياهو علنًا بما أسماه “الرؤية الجريئة” لهذه الخطة، داعيًا إلى دراستها رغم التنديد الدولي الواسع بها.
وفي إطار البحث عن دول مضيفة لهذا التهجير الجماعي، أكدت مصادر أمريكية و”إسرائيلية رفيعة أنه تم إجراء اتصالات سرّية مع ثلاث جهات في شرق أفريقيا هي السودان والصومال وإقليم أرض الصومال لبحث إمكانية استقبالهم فلسطينيي غزة.
وتولى مسؤولون إسرائيليون قيادة هذه المباحثات الخلفية بالتنسيق مع فريق ترامب، مقدمين حوافز مالية ودبلوماسية لتلك الدول مقابل المشاركة في المشروع.
ولم يخفِ وزراء في الحكومة الإسرائيلية نواياهم؛ فمثلاً صرّح وزير المالية بتسلئيل سموتريتش أن “إسرائيل” تعمل على تحديد دول مستعدة لاستقبال الفلسطينيين بل وتشكيل “قسم هجرة ضخم” في وزارة الجيش لهذا الغرض.
لكن رغم هذه الجهود، قوبلت فكرة ترحيل الفلسطينيين برفض عربي ودولي واسع وانتقادات حادة، وصفها كثيرون بأنها “تطهير عرقي”. وبدلًا من التهجير، تبنّى القادة العرب مبادرة لإعمار غزة مع إبقاء سكانها في أرضهم.
وقد دفع هذا الرفض العالمي إدارة ترامب نفسها إلى التراجع والنأي رسميًا عن مشروع التهجير القسري، إذ صرّح مسؤولون بأن مغادرة الغزيين – إن حصلت – ستكون طوعية ومؤقتة.
وكشفت تقارير صحفية إسرائيلية أن الخطة باتت في حكم المجمّدة بحلول مطلع 2026، حيث لم توافق أي دولة على استقبال الغزيين.

لماذا أرض الصومال؟
تمثل “أرض الصومال” (صوماليلاند) إغراءً إستراتيجيًا واضحًا لـ”إسرائيل” نظرًا لموقعها الجغرافي الفريد، وأيضًا لإمكانية عزل الفلسطينيين فيها دون أمل بالعودة.
وقد أعلنت “تل أبيب” في 26 ديسمبر/كانون الأول 2025 اعترافها رسميًا بالإقليم كدولة مستقلة مزعومة، لتكون أول دولة عضو بالأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة.
وبررت “إسرائيل” قرارها بأنه ليس عملًا عدائيًا ضد الصومال بل “فرصة للشراكة” في المنطقة، غير أن توقيت الاعتراف وسياقه أثارا شكوكًا عميقة حول دوافعه.
وفي الواقع، كشف وزير الإعلام الصومالي داود عويس أن مصادر استخباراتية موثوقة أكدت أن اعتراف “إسرائيل” جاء مشروطًا بقبول أرض الصومال إعادة توطين سكان غزة على أراضيها.
إذ تأمل “إسرائيل” في حشر مئات الآلاف من الغزيين في منطقة غير مستقرة يحيط بها من الشمال جيبوتي (حيث توجد قواعد عسكرية فرنسية وأمريكية)، ومن الجنوب والغرب إثيوبيا، ومن الشرق سلطة انفصالية معزولة دوليًا.
وقد وصف مراقبون ذلك السيناريو بأنه وصفة لوضع الفلسطينيين في “سجن كبير” بعيدًا عن موطنهم مما يجعل تواصلهم مع العالم الخارجي ومع بقية الصومال خاضعًا لقيود سياسية وأمنية صارمة.
وحذّرت الجامعة العربية أمام الأمم المتحدة من أي إجراءات مترتبة على هذا الاعتراف “غير الشرعي”، سواء بهدف تهجير الفلسطينيين قسرًا أو استغلال موانئ شمال الصومال لإقامة قواعد عسكرية.
كما اعتبر مندوب باكستان الأممي الخطوة الإسرائيلية مقلقة للغاية في ظل سوابق حديثة تشير إلى طرح اسم أرض الصومال كوجهة لترحيل فلسطينيي غزة.
سر الاهتمام الإسرائيلي
وعدا عن طرح إمكانية تهجير الفلسطينيين إليها، ينبع اهتمام “إسرائيل” بـ”أرض الصومال” الانفصالية من عدة عوامل رئيسية:
- الإقليم يتمتع بساحل يمتد قرابة 460 ميلًا على خليج عدن قرب مضيق باب المندب الإستراتيجي، مما يجعله بوابة جنوبية للبحر الأحمر الذي تمر عبره نسبة كبيرة من حركة التجارة البحرية العالمية.
- يمثل ذلك موطئ قدم ثمين لمراقبة أحد أهم الممرات التجارية الدولية ولمواجهة تهديدات الجماعات المسلحة في المنطقة.
- أشارت “تل أبيب” صراحة إلى رغبتها في التصدي لجماعة الحوثيين اليمنية المدعومة إيرانيًا، والتي استهدفت الملاحة في البحر الأحمر وتبادلت إطلاق النار مع “إسرائيل” خلال العدوان الأخير على غزة.
- في هذا السياق، كشف وزير الدفاع الصومالي فقي أن “إسرائيل” تسعى لإنشاء قاعدة عسكرية في “أرض الصومال” مستغلةً موقعها القريب من باب المندب والبحر الأحمر وبحر العرب.
- يرى مراقبون أن هذه القاعدة ستمنح “إسرائيل” عمقًا إستراتيجيًا غير مسبوق في القرن الأفريقي، وخط مراقبة متقدم للتحكم بخطوط الملاحة والتجارة الإقليمية.
وفيما تشتد الضغوط الدبلوماسية على “تل أبيب” للتراجع عن مخطط التهجير، تبقى الأنظار مشدودة إلى ما ستؤول إليه المناورة الإسرائيلية الجديدة في القرن الأفريقي، وذلك بعد فشل مخططات متتالية سابقا ورفض كل الدول استقبال الفلسطينيين.