“وسائل التواصل الاجتماعي هي سلاح العصر الحديث. أهم عملية شراء تجري الآن هي تيك توك. الرقم واحد. وآمل أن تتم، لأنها قد تكون حاسمة. والثاني هو إكس. إذا حصلنا على هذين الأمرين، سنكسب الكثير. علينا أن نخوض المعركة، لنوجّه الشعب اليهودي، وأصدقائنا غير اليهود”.
هذا التصريح الذي أدلى به رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، خلال لقائه مع مؤثرين أمريكيين، في القنصلية الإسرائيلية بنيويورك، في سبتمبر/ أيلول 2025، لا يمكن قراءته إلا بوصفه اعترافًا صريحًا بطبيعة المعركة الحاسمة على السمعة والوعي، التي لم تعد تُخاض في ساحات القتال وحدها، بل في الفضاء الرقمي، حيث تُصاغ القناعات وتُهزم الروايات.
حين يتحدث نتنياهو عن منصات التواصل باعتبارها “سلاحًا”، ويقارب امتلاكها أو التأثير فيها بمنطق الشراء والسيطرة، فإن ذلك يكشف حجم القلق الإسرائيلي من فقدان السيطرة على الرأي العام، لا سيما في أمريكا، حيث تآكلت صورة الاحتلال بفعل الحرب على غزة، ولم تعد روايته التقليدية قادرة على احتواء صور القتل والتجويع والحصار المنتشرة بلا وسيط على المنصات ذاتها التي يسعى نتنياهو للهيمنة عليها، والتي أضعفت قدرة “إسرائيل” على تقديم نفسها بوصفها الضحية الدائمة.
التحول العميق في المزاج العام الأمريكي
منذ اندلاع الحرب على غزة، صنعت الصورة التي وصلت إلى الوعي الأمريكي خلال الحرب شرخًا عميقًا بين الرواية الرسمية لـ”إسرائيل” وتوقعات الجمهور الأمريكي، وتدهور الدعم الشعبي لـ”إسرائيل” داخل أمريكا وأوروبا بشكل غير مسبوق في التاريخ الحديث، ما يشير إلى انقلاب في المزاج العام الأمريكي تجاه الاحتلال وروايته الرسمية.
هذا التحول السلبي لم يكن يُقاس بالأرقام فحسب، بل برفض متزايد لفكرة الدعم غير المشروط، ليس فقط بين الديمقراطيين المعتادين على النقد، بل حتى داخل فئات من الجمهوريين، بما في ذلك الشباب من أنصار حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا” (ماغا) المرتبطة بالرئيس دونالد ترامب، والتي كانت تعد أكثر البيئات أمانًا لـ”إسرائيل”.
استطلاعات عدة أُجريت بين عامي 2024 و2025 كشفت عن تآكل الدعم الأمريكي التقليدي لـ”إسرائيل”، ففي سبتمبر/ أيلول 2025، أظهر مسح أجراه مركز “بيو” للأبحاث، أن أكثر من 53% من الأمريكيين يعبِّرون عن نظرة سلبية تجاه “إسرائيل”، بارتفاع كبير عن 42% في عام 2022 قبل الحرب.
وفي استطلاع منفصل أجرته مؤسسة “غالوب” الدولية في يوليو/ تموز 2025، أظهرت النتائج أن ما يقرب من 60% من الأمريكيين يعارضون العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة، بينما يشير 32% فقط إلى تأييدهم لها، وهي نسبة منخفضة بالنسبة لمعايير الدعم التاريخية.
استطلاع رأي في الولايات المتحدة يشير إلى تحول غير مسبوق في التعاطف نحو الفلسطينيين مقابل الإسرائيليين. pic.twitter.com/VN79zp6fkA
— نون بوست (@NoonPost) October 12, 2025
هذه التحولات لا تقتصر فقط على نسب التأييد أو الرفض العسكري، بل تشمل أيضًا تعاطف الناخبين، ففي استطلاع أجرته جامعة كوينيبياك الأمريكية، رأى 47% فقط من الأمريكيين أن دعم “إسرائيل” يخدم المصلحة الوطنية، مقابل 41% يرون العكس، ما يُظهر انقلابًا حادًا في وجهات النظر مقارنة بالاستطلاع ذاته في ديسمبر/ كانون الأول 2023، الذي أظهر تأييدًا بنسبة 69% لدعم الاحتلال.
إلى جانب تصاعد المعارضة العامة، ظهرت كذلك تغييرات في مواقف الجمهور تجاه كيفية إدارة الحرب ومسؤولية “إسرائيل”، فقد أكّد استطلاع أجرته وكالة “أسوشيتد برس” بالتعاون مع مركز “نورك” أن قرابة نصف الأمريكيين يرون أن الرد العسكري الإسرائيلي تجاوز الحدود المقبولة، وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالمقاييس السابقة.
التحولات في المزاج الأمريكي ليست قاصرة على التقسيم الحزبي التقليدي بين الجمهوريين والديمقراطيين، فوفق إحصاءات استطلاع مركز “بيو”، لم يقتصر التراجع الحاد في النظرة الإيجابية لـ”إسرائيل” على الديمقراطيين، بل أصبح الجمهوريون تحت سن الخمسين تقريبًا متساوين في الرأي بين التأييد والرفض تجاه “إسرائيل” منذ اندلاع الحرب، بعد أن كانوا في السابق أكثر ميولاً للتأييد.
وتدعم استطلاعات الرأي التي أجراها أستاذ العلوم السياسية في جامعة ميريلاند شيبلي تلحمي، هذا التقييم، فقد أظهر مسح بين يوليو/ تموز وأغسطس/آب الماضي، أن دعم الفلسطينيين اتسع ليشمل مختلف أطياف الحزب الديمقراطي، بعد أن كان محصورًا بالتيارات التقدمية الشبابية، وكشف عن فجوة متزايدة بين الجمهوريين الأكبر سنًا والأصغر سنًا بشأن دعم حزبهم لـ”إسرائيل”.
من الدعاية التقليدية إلى الحرب الرقمية
لا يمكن اعتبار التحول في المزاج العام الأمريكي مجرد تراجع في الأرقام، بل هو مؤشر على تآكل عميق في التحالف الأخلاقي بين الأمريكيين ورواية “إسرائيل” الرسمية التقليدية التي طالما قُدِّمت كحقائق بديهية، لكنها تواجه اليوم معضلة وجودية، حتى بدا واضحًا أن أساليب وأدوات “الهاسبارا” التقليدية التي اعتمدت عليها لعقود لإدارة روايتها في الخارج، لم تعد تكفي.
استجابة لهذا الواقع، انطلقت “إسرائيل” في خطة واسعة لإعادة هندسة الخطاب العام داخل أمريكا عبر حملات دعائية يمكن وصفها بـ”التحول الرقمي للدعاية السياسية”، بالاعتماد على النفوذ السياسي والإعلام الرقمي وقوة الذكاء الاصطناعي التوليدي وشبكات المؤثرين، والاستعانة بخبراء وشركات ذات صلات وثيقة بالحزبين الجمهوري والديمقراطي والدوائر الإنجيلية المحافظة، في محاولة لإعادة ضبط الخطاب واستعادة النفوذ المفقود.
🔴انتقد الحزب الجمهوري تطبيق “تيك توك”، مدعياً أنه يروج عمداً للمحتوى الداعم لفلسطين منذ بدء العدوان الإسرائيلي على غزة، بهدف “غسل عقول الشباب لدعم حمـ..ـاس”، داعياً إلى حظر التطبيق الذي يسيطر عليه الحزب الشيوعي الصيني.
📌 ردًا على ذلك، نشر التطبيق بيان ذكر فيه أن انتشار المحتوى… pic.twitter.com/hl0hwbuU7V
— نون بوست (@NoonPost) November 17, 2023
الخطوة الأولى في هذا السباق كانت التعاقدات مع شركات علاقات عامة أمريكية وأوروبية كبرى، كان أبرزها العقد الذي وقعته حكومة الاحتلال مع شركة “كلوك تاور إكس” (Clock Tower X)، التي يقودها براد بارسكال، المدير السابق للحملة الرقمية لترامب في انتخابات 2016 و2020، ويشغل في الوقت ذاته منصب كبير مسؤولي الإستراتيجية في شبكة “سالم ميديا” (Salem Media)، وهي شبكة إعلامية مسيحية محافظة تدير أكثر من 200 منصة.
بموجب العقد الذي تم تسجيله لدى وزارة العدل الأمريكية بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA)، التزمت الشركة بتقديم خدمات “الاتصالات الاستراتيجية” مع تركيز كبير على استهداف جمهور الشباب عبر منصات رقمية مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب والبودكاست، بهدف الوصول إلى ما لا يقل عن 50 مليون ظهور شهريًا بمحتوى يعكس سردية مؤيدة لـ”إسرائيل”، وهو رقم مرتفع قياسًا بمعايير الحملات الرقمية التقليدية.
ووفق وثائق التسجيل، جرى التعاقد مع الشركة مقابل نحو 6 ملايين دولار لمدة 4 أشهر، لتنفيذ حملة واسعة تحت عنوان “مكافحة معاداة السامية” في أمريكا، دعمًا لدور “شبكة هافاس الإعلامية” (Havas Media Network) العالمية للإعلان والعلاقات العامة، التي تلعب دور الوسيط الرئيسي بين “إسرائيل” وشركات أميركية متعددة، حيث توقِّع العقود مع الشركات الأمريكية التي تنفذ الحملات الإسرائيلية نيابة عن حكومة الاحتلال.
وتظهر الوثائق أن “هافاس” تلقت أكثر من 100 مليون دولار منذ عام 2018 لإدارة حملات مرتبطة بالترويج للسياحة الإسرائيلية داخل السوق. وقد أتاح دورها الوسيط لـ”إسرائيل” بناء شبكة تعاقدات واسعة دون الظهور المباشر في واجهة التنفيذ، وعكس انتقالها من الاعتماد على شركات ضغط سياسية فقط، إلى توظيف منظومات إعلامية قادرة على العمل على مستوى عالمي، بما في ذلك تحليل البيانات، واستهداف الجمهور، وقياس الأثر الخوارزمي للمحتوى.
هذه الحملة التي تأتي بعد قرار وزارة الخارجية الإسرائيلية إنهاء عقد مع شركة العلاقات العامة الأمريكية “إس كي دي كي نيكر بوكر” (SKDKnickerbocker)، المعروفة بقربها من الحزب الديمقراطي، والتي شاركت في تأسيسها مسؤولة الاتصالات في البيت الأبيض أنيتا دان، بعد تورط اسمها في عقود تهدف إلى “إدارة السردية الرقمية” المتعلقة بـ”إسرائيل”.
كانت الشركة قد أبرمت عقدًا بقيمة 600 ألف دولار مع وزارة الخارجية الإسرائيلية في أبريل/ نيسان الماضي، لتطوير برنامج يعتمد على الروبوتات، لتجنيد متحدثين مدنيين للظهور في وسائل الإعلام الدولية الكبرى، والترويج لروايات مؤيدة لـ”إسرائيل” على الإنترنت، من بينها محتوى مرتبط بعائلة بيباس الإسرائيلية التي قتلها جيش الاحتلال بقطاع غزة، وسلمت حركة حماس جثامينها.
وبخلاف التركيز على قصص الرهائن وسردية “معاناة الإسرائيليين”، في محاولة لمعادلة المعاناة بدل مناقشة سياق الاحتلال والحصار، ارتكزت محاولات “إسرائيل” لغسل سمعتها على عدة محاور أساسية، أهمها إعادة تأطير ما جرى في غزة ضمن سردية “الحرب على الإرهاب” مع استحضار دائم لصدمة 7 أكتوبر، وتلميع صورة “إسرائيل” كدولة ديمقراطية متقدمة تكنولوجيُا، واستخدام تهمة معاداة السامية كدرع سياسي وأخلاقي لإسكات أي نقد جذري.
لكن الجهد الإسرائيلي لم يقتصر لتحقيق ذلك على الشركات فحسب، بل شمل أيضًا ابتكارًا في استقطاب المؤثرين والمشاهير والشخصيات الرقمية عبر ما عُرِف باسم “مشروع إستر” (Esther Project)، الذي يمثل وجهًا آخر للخطط الإسرائيلية، حيث يركّز على تجنيد وإدارة عشرات المؤثرين الأمريكيين لنشر محتوى مؤيد لـ”إسرائيل” على مدار أشهر، بميزانية قاربت مليون دولار.

وفي سياق موازٍ لا يقل دلالة، تكشف العقود الدعائية عن محاولة إسرائيلية لاستعادة التسويق لقطاع السياحة الأكثر تضررًا منذ السابع من أكتوبر، حيث أوكلت وزارة السياحة إلى شركة “تارغِتد كوميونيكيشنز غلوبال” (Targeted Communications Global) تنفيذ حملة بقيمة 1.2 مليون دولار، تعتمد على توظيف مؤثرين ومحتوى تجاري موجّه للترويج للسفر إلى “إسرائيل”.
الذكاء الاصطناعي كساحة جديدة للصراع
الأمر لم يقف عند حدود الشركات والمؤثرين، بل طال محاولة التأثير على أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي نفسها، فقد كان جزء من استراتيجية “كلوك تاور إكس” يهدف إلى التأثير في نتائج محركات البحث وغرف دردشة الذكاء الاصطناعي، بما يشمل أنظمة مثل “شات جي بي تي”، بحيث تظهر الإجابات والمحتوى الداعم لـ”إسرائيل” في أولويات المحتوى عند المستخدمين الأمريكيين.
هذا التوجه ترافق مع إنفاق ضخم على الإعلانات الرقمية المباشرة، حيث أنفقت “إسرائيل” عشرات الملايين من الدولارات على حملات إعلانية عبر غوغل ويوتيوب ومنصة “إكس” وشبكة “أوتبرين”، صُممت لضمان انتشار واسع لمحتوى بعناوين وصياغات محسوبة بعناية تبدو مستقلة لكنها تتبنى مفردات بعينها مثل “الدفاع عن النفس” و”محاربة الإرهاب” و”الدروع البشرية” و”المساعدات الإنسانية”، وهي مفردات يُراد لها أن تصبح جزءًا من القاموس الذي تستحضره الخوارزميات عند معالجة الأسئلة المتعلقة بغزة.
ولعل ما يجعل هذه الحملات أكثر إثارة للجدل هو السرعة والقيمة المالية الهائلة التي رُصدت لها، ففي عام 2025 وحده، خصصت حكومة الاحتلال ميزانية ضخمة لعمليات الدعاية الرقمية، تجاوزت 545 مليون شيكل (145 مليون دولار) ضمن ما يُعرف بـ”مشروع 545” (Project 545)، وهو مشروع شامل يقوده رئيس طاقم الاتصالات الإستراتيجية في وزارة خارجية الاحتلال الإسرائيلية إران شيوفيتس.
يهدف المشروع إلى دعم نشاطات الدبلوماسية الإسرائيلية في مواجهة تراجع التأييد الدولي، خاصة في أمريكا، لكن حجم الاستثمارات واتساع الأدوات المستخدمة يعكسان عمق الأزمة التي تواجهها “إسرائيل” على صعيد الشرعية والرأي العام، في معركة لم تعد تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالسيطرة على الرواية ذاتها.
جيل “زد” في مرمى الحملات الإسرائيلية
تُظهر معالم الحملات الإسرائيلية تركيزًا واضحًا على جيل “زد”، بوصفه الأكثر حضورًا على منصات الفيديو القصير، والأكثر انفتاحًا على الخطاب المناهض لـ”إسرائيل”، والأشد تعاطفًا مع الفلسطينيين. من هذا المنطلق، ترى “إسرائيل” أن المعركة الحقيقية بعيدة المدى هي معركة على وعي هذا الجيل، الذي سيكون ناخبًا وصانع قرار وأكاديميًا في المستقبل.
في هذا السياق، برزت حملات رقمية مصممة خصيصًا لمنصات يستخدمها جيل “زد” بكثافة، مثل تيك توك وإنستغرام ويوتيوب، حيث جرى الاستثمار في إنتاج محتوى سريع وخفيف، عبر مؤثرين أفراد، لا عبر حسابات حكومية مباشرة، ويعتمد على السرد الشخصي والموسيقى والمؤثرات البصرية، بهدف خلق تعاطف وجداني يسبق أي تحليل سياسي.
إلى جانب الحملات الرقمية، اتجهت “إسرائيل” إلى الاستثمار في مشاريع تفاعلية ميدانية تستهدف الشباب بشكل مباشر، ومن أبرزها تجربة الواقع الافتراضي المتنقلة التي تحمل عنوان “تجربة 7 أكتوبر”، وتجوب الجامعات والكنائس والفعاليات المسيحية، لتقديم ما يشبه “محاكاة حسية” للهجوم، باستخدام تقنيات صوتية وبصرية تهدف إلى وضع الزائر في موقع “الضحية الإسرائيلية”.
لأول مرة.. استطلاع جامعة كوينيبياك يظهر أن 60٪ من الأمريكيين يرفضون إرسال المزيد من الدعم العسكري لـ “إسرائيل”. pic.twitter.com/R9iUobsUcU
— نون بوست (@NoonPost) August 29, 2025
ولعبت التعاقدات مع شركات علاقات عامة وتسويق سياسي دورًا محوريًا في هذا التوجه، فقد أظهرت وثائق رسمية أمريكية أن حكومة الاحتلال وجّهت جزءًا معتبرًا من ميزانياتها الدعائية لشركات متخصصة في التواصل مع الشباب، وتحليل سلوكهم الرقمي، وصياغة رسائل تتناسب مع أنماط استهلاكهم للمحتوى.
تأتي هذه الحملة في سياق تراجع ملموس للدعم الشعبي لـ”إسرائيل” بين الشباب الأمريكي، فقد أظهرت البيانات أن الأجيال الأصغر سنًا تظهر معدلات أقل من الدعم التقليدي لـ”إسرائيل” مقارنةً بالأجيال الأكبر سنًا، وهو ما يؤكده استطلاع مؤسسة “غالوب” الذي أشار إلى تراجع التأييد للعمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة بين الشريحة العمرية ما بين 18 و34 عامًا إلى ما دون 10%، ما يعكس انزياحًا واضحًا في عواطف الجيل الشاب مقارنةً بالأجيال الأكبر عمرًا.
الكنائس والمسيحيين الإنجيليين.. بوابة النفوذ التقليدي
إلى جانب استهداف هذا الجيل الشاب، تبرز فئة اجتماعية جديدة تسعى “إسرائيل” إلى تحصينها باعتبارها خط الدفاع الأخير للرواية التقليدية، وهي فئة المسيحيين الإنجيليين، التي لا تزال تشكل قاعدة دعم قوية، لكنها بدورها تواجه تغيرات داخلية وضغوطًا جيلية متزايدة، ما جعل التحركات الإسرائيلية تمتد إلى الكنائس الإنجيلية، في محاولة لاحتواء تراجع التأييد داخل هذه القاعدة المسيحية المؤثرة.
والأكثر إثارة لقلق صانعي القرار في “إسرائيل” ما تظهره استطلاعات الرأي حول امتداد التراجع في تأييد “إسرائيل” إلى داخل القاعدة الإنجيلية نفسها، حيث اتسعت دائرة التعاطف مع الفلسطينيين بين الشباب الإنجيليين، وتنامت المعارضة للحرب على غزة حتى في أوساط كانت تُعدّ تقليديًا من أكثر قواعد “إسرائيل” صلابة. ولهذا، اندفعت “إسرائيل” نحو ما يمكن وصفه بمحاولة “إعادة احتلال” المجال الديني الإنجيلي، لكن هذه المرة بأدوات أكثر تطورًا وجرأة.
ووفق الإفصاحات المقدمة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب، أُبرمت عقود بملايين الدولارات مع شركات تسويق مسيحية متخصصة، أبرزها شركة “Faith Through Works” حديثة التأسيس، لتنفيذ حملة رقمية بقيمة 3.2 مليون دولار، تستهدف – نيابة عن حكومة الاحتلال – الكنائس الإنجيلية والجامعات المسيحية مباشرة، عبر رسائل وسرديات أخلاقية تُعيد تصوير “إسرائيل” كضحية أبدية، وتربط الفلسطينيين بالتطرف والإرهاب.
أخطر ما تكشفه هذه العقود هو اعتمادها على تقنيات “التسييج الجغرافي” (Geo-Fencing)، في ما وُصف رسميًا بأنه “أكبر حملة تحديد مواقع جغرافية في تاريخ أمريكا”. تقوم هذه التقنية على رسم حدود رقمية حول الكنائس والجامعات المسيحية، وتتبع الهواتف الذكية للموجودين داخلها خلال أوقات العبادة أو الفعاليات الدينية، ثم استهدافهم لاحقًا بإعلانات ورسائل مصممة خصيصًا لهم.

وفي إطار إستراتيجية أعمق وأكثر استقرارًا، لم يقتصر الاستهداف على جمهور الكنائس فقط، بل شمل رجال الدين والقساوسة أنفسهم، بوصفهم الوسطاء الأكثر تأثيرًا في تشكيل الوعي الجمعي للمصلين، حيث تشير الوثائق إلى تمويل رحلات خاصة لمؤثرين وشخصيات مسيحية، بينهم قساوسة وقيادات دينية، إلى تل أبيب والمستوطنات، وتنظيم جولات ميدانية مصممة بعناية، تُخفي واقع الاحتلال، وتُبرز سردية “إسرائيل الديمقراطية المحاصَرة.
والأكثر دلالة هو نقل أكثر من ألف قسّ أمريكي إلى “إسرائيل” ضمن برامج تدريبية وإرشادية، هدفها تزويدهم بخطاب دعائي جاهز، يُعاد إنتاجه لاحقًا داخل الكنائس الأمريكية، في عظات دينية تتخفى في ثوب الوعظ الروحي بينما تحمل مضمونًا سياسيًا صريحًا.
بهذا المعنى، لا تسعى “إسرائيل” فقط إلى كسب تعاطف الإنجيليين الذين يشكلون قاعدة انتخابية ضخمة في أمريكا، ويستند دعمهم لـ”إسرائيل” إلى قناعات لاهوتية بقدر ما هو سياسي، بل إلى تحويل الكنيسة نفسها إلى منصة دعاية سياسية، والقساوسة إلى “وكلاء سردية” يعملون داخل نسيج اجتماعي مغلق نسبيًا، يصعب اختراقه من قبل الروايات البديلة.
هل يكفي كل هذا لغسل سمعة “إسرائيل”؟
رغم ضخامتها، وتعدد أدواتها، واتساع نطاقها، تطرح الحملات الإسرائيلية في أمريكا سؤالاً جوهريًا حول مدى نجاعة ملايين الدولارات فعلاً لغسيل سمعة “إسرائيل” بعد حربها على غزة التي شكّلت نقطة انعطاف حادّة في صورة الاحتلال عالميًا، ليس فقط بسبب حجم الدمار وعدد الضحايا، بل لأن الرواية الإسرائيلية فقدت قدرتها على احتكار المعنى.
تعتمد هذه الحملات على فرضية مركزية مفادها أن ما جرى في غزة يمكن إعادة تأطيره لغويًا وأخلاقيًا عبر ضخ روايات بديلة غير أن هذه الفرضية تصطدم بحقيقة أن حرب غزة لم تُنقل عبر بيانات رسمية أو تقارير إعلامية فقط، بل عُرضت لحظة بلحظة على شاشات الهواتف، في الزمن الحقيقي، وبصور لا تحتاج إلى تفسير.

وفي حين تراهن “إسرائيل” ليس على الحكومات الغربية التي ما زالت توفر لها غطاءً سياسيًا وعسكريًا، بل على الشعوب، وعلى المدى البعيد، تبقى هذه الحملات محكومة بسقف الواقع، فأنظمة الذكاء الاصطناعي، مهما تأثرت بكثافة المحتوى، لا تعمل في فراغ، بل تتغذى أيضًا على تقارير أممية وحقوقية وشهادات موثقة يصعب محوها، وهو ما يجعل معركة السيطرة على المعرفة الرقمية معركة غير مضمونة النتائج، وقد تنقلب في لحظة ما ضد من يحاول توظيفها.
حتى الاستهداف المكثف لجيل “زد” لم يمر دون مقاومة، فالشباب الذين يشكّلون هدف هذه الحملات هم أنفسهم الأكثر قدرة على تفكيكها، وكشف تناقضاتها، ومساءلة دوافعها، فقد واجهت كثير من الحملات الإسرائيلية ردود فعل عكسية، حيث تعرّض مؤثرون لانتقادات حادة بعد انكشاف تعاونهم مع جهات مرتبطة بحكومة الاحتلال، واضطر بعضهم إلى حذف محتوى أو تقديم اعتذارات علنية.
كما يكشف كل هذا الجهد المكثف في جوهره عن مأزق عميق، فـ”إسرائيل” التي كانت تعتمد لعقود على دعم إنجيلي تلقائي، باتت اليوم مضطرة لإنفاق ملايين الدولارات لإقناع جمهور كان يُفترض أنه “مضمون”، وهذا التحول لا يعكس قوة نفوذ، بل خوفًا من فقدان أحد أعمدة الحماية السياسية داخل النظام الأمريكي.
بهذا المعنى، لا تغسل هذه الحملات سمعة “إسرائيل” بقدر ما تكشف هشاشتها، فهي تعكس دولة تخوض معركة بقاء سردي، وتحاول تعويض فقدان الشرعية الأخلاقية بتكثيف الأدوات التقنية والمالية. لكن الشرعية، حين تُفقد، لا تُشترى بالإعلانات، ولا تُستعاد عبر المؤثرين، ولا تُرمم بالذكاء الاصطناعي.
