في خطوة غير مسبوقة، صنّفت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جماعة الإخوان المسلمين وفروعها في مصر والأردن ولبنان ضمن قائمة “المنظمات الإرهابية” بزعم دعمها حركة حماس وتنفيذ أنشطة تدعي واشنطن أنها تهدد مصالحها وحلفائها.
أثار هذا التصنيف تساؤلات بشأن توقيته ودوافعه، والأطراف التي دفعت الإدارة الأمريكية إلى اتخاذه، كما يطرح القرار تداعيات قانونية وسياسية مهمة داخليًا وخارجيًا، بما في ذلك تأثيره على أفراد أو هيئات مرتبطة بالإخوان في الولايات المتحدة.
التوقيت والذرائع
القرار يعني فرض عقوبات اقتصادية وحظر أي دعم مالي أو لوجستي للفروع المصنفة.
- أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية إدراج فروع مصر والأردن على قائمة الإرهابيين الدوليين المحددين (SDGT).
- صنّفت وزارة الخارجية الفرع اللبناني منظمة إرهابية أجنبية (FTO).
ترى العديد من التحليلات أن توقيت القرار مرتبط بعدة عوامل:
- جاء استكمالًا لأمر تنفيذي وقّعه ترامب في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، لبدء عملية التصنيف.
- القرار تسارع في سياق العدوان الإسرائيلي على غزة بعد ادعاء وثائق رسمية تورط جناح تابع للإخوان في لبنان بإطلاق صواريخ على “إسرائيل” بعد هجوم 7 أكتوبر 2023.
- بالتالي، استندت إدارة ترامب إلى اتهامات بأن الفروع المستهدفة دعمت حماس وشنت “حملات تزعزع الاستقرار” ضد حلفاء واشنطن.
- كذلك سعى ترامب لتحقيق وعد قديم لطالما نادت به الأوساط اليمينية في أمريكا، حيث ضغط جمهوريون وشخصيات محافظة منذ سنوات لتبني موقف أكثر صرامة تجاه الإخوان.
وقد حاول ترامب اتخاذ الخطوة خلال ولايته الأولى عام 2019 بعد إلحاح من حلفاء عرب، لكنها تأجّلت آنذاك. الآن، مع ولايته الثانية، وجد البيئة السياسية مناسبة للمضي قدمًا في هذا التعهد الذي يعتبره جزءًا من حملة أوسع ضد ما يدعي أنه “الإسلام السياسي المتشدد”.
من دفع واشنطن نحو التصنيف؟
تقاطعت ضغوط داخلية وخارجية لدفع واشنطن نحو اتخاذ هذه الخطوة.. فيما يلي أبرز الأطراف التي رحبت أو شجّعت على التصنيف:
مصر: لعبت الدور الأبرز في التحريض على هذا التحرك، فمنذ الانقلاب العسكري عام 2013 وتصنيف الإخوان “جماعة إرهابية” محليًا، دأب نظام عبد الفتاح السيسي على حثّ واشنطن لتبنّي النهج نفسه، وطلب صراحةً من ترامب خلال زيارته للبيت الأبيض في 2019 إدراجهم على “قائمة الإرهاب الأمريكية”. واليوم، رحبت القاهرة بحرارة بالقرار ووصفته بأنه “خطوة حاسمة” تعكس “خطورة الجماعة”، وفق زعمها.
الإمارات: تبنّت موقفًا معاديًا للإخوان منذ عام 2011، وسبق أن صنّفتها “جماعة إرهابية” عام 2014 أسوةً بالسعودية ومصر، وقد رحبت فورًا بخطوة واشنطن، واعتبرتها برهانًا على “الجهود المتواصلة والمنهجية” التي تبذلها إدارة ترامب للتصدي لما أسمته “عنف فروع الإخوان وأنشطتها المزعزعة للاستقرار”، وفق وصفها.
السعودية: تُصنّف الإخوان “جماعة إرهابية” منذ 2014 وتدعي أن “فكرها هدام لوحدة المجتمعات”، وقد أشادت بخطوة واشنطن، مؤكدة “إدانتها للتطرف والإرهاب ودعمها لكل ما يحقق أمن الدول العربية واستقرارها”، وفق تعبيرها.
“إسرائيل”: رغم عدم صدور تصريح رسمي إسرائيلي بشأن القرار، فإن محللين يرون تل أبيب أكبر المستفيدين ضمنيًا منه، فالإخوان وحلفاؤها – وعلى رأسهم حماس – يمثلون ألد خصوم “تل أبيب” إقليميًا، وقد قال قادة في الجماعة إن خطوة ترامب جاءت بضغط خارجي من الاحتلال والإمارات لتحقيق أهداف سياسية لا صلة لها بمصالح الولايات المتحدة المباشرة.
جهات أمريكية داخلية: لم يأتِ قرار ترامب بمعزل عن تيار داخلي كان يدفع بهذا الاتجاه، فلطالما اعتبر الجناح اليميني الجمهوري الجماعة تهديدًا، ووجهت شخصيات معروفة من مؤيدي الرئيس (مثل الناشطة لورا لومر وغيرهم) دعوات لتبني موقف متشدد حيالها. وبالفعل أدارت ولايات محافظة مثل تكساس وفلوريدا حملات خاصة بها عام 2025 وصنّفت الإخوان “منظمة إرهابية” محليا. كما أصدر حاكم فلوريدا رون دي سانتيس أمرًا تنفيذيًا يدرج مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية CAIR على قوائم “الإرهاب” بزعم صلاتها بالإخوان.

التداعيات والتأثيرات المتوقعة
يحمل هذا القرار جملة من التبعات القانونية والسياسية على المدى القريب والبعيد، سواء داخل الولايات المتحدة أو بالشرق الأوسط:
1- تداعيات قانونية وأمنية في الولايات المتحدة
بعد اتخاذ هذه الخطوة، يصبح أي تواصل مالي أو دعم للجماعة وفروعها جريمة فيدرالية بموجب “قوانين دعم المنظمات الإرهابية”. وعمليًا، لا يوجد تنظيم باسم الإخوان داخل أمريكا، لكن قد تطال الآثار أشخاصًا أو كيانات يُثبت ارتباطها المباشر بتلك الفروع في مصر أو الأردن أو لبنان.
فعلى سبيل المثال، أي عضو معروف في تلك الفروع يسعى لدخول الولايات المتحدة سيمنع فورًا بموجب حظر دخول أعضاء “المنظمات الإرهابية الأجنبية (FTO)”.
وإن كان هناك أفراد مقيمون في أمريكا على صلة تنظيمية (ولو تاريخية) بتلك الفروع، فقد يواجهون إجراءات قانونية تشمل الترحيل أو تجميد الحسابات حال ثبوت تقديمهم أي دعم.
كذلك، يشير خبراء إلى أن القرار سيؤثر على طلبات اللجوء والتأشيرات الممنوحة لأي شخص بخلفية إخوانية، وربما يجعل المحاكم أقل ميلاً لمنح اللجوء لأعضاء أو مؤيدي الإخوان. وقد يمتد التشدد ليشمل دول غربية حليفة لأمريكا قد تحذو حذوها، مما يصعّب تنقل وإقامة تلك الكوادر دوليًا.
في المجمل، توفر هذه الخطوة غطاء قانونيًا أمتن للأجهزة الأمنية الأمريكية لاستهداف شبكات تمويل أو نشاطات مرتبطة بالإخوان (كالجمعيات الخيرية التي يُزعم أنها واجهة لهم).
2- انعكاسات على المشهد بالشرق الأوسط
من المتوقع أن يستغل خصوم الإخوان الإقليميون هذا التصنيف لتشديد الخناق عليهم داخليًا، فمصر قد تستخدمه لمطالبة دول أخرى بتسليم مطاردين من قيادات الجماعة الموجودين على أراضيها.
الأردن ربما يصعّد تحقيقاته ضد استثمارات أو جمعيات يشتبه بصلتها بالجماعة، مستندًا إلى الموقف الأمريكي الجديد، وعلى صعيد أوسع، قد يتأثر مناخ الإسلام السياسي عامةً في المنطقة.
إذ يُخشى أن يُضعف القرار التيارات الإسلامية التي شاركت بالعملية الديمقراطية (مثل أحزاب النهضة بتونس أو العدالة والتنمية بالمغرب سابقًا)، عبر وضعها كلها في سلة واحدة، مما يهمّشها سياسيًا ويزيد استقطاب المجتمعات.
في المحصلة، يمثل قرار واشنطن منعطفًا لافتًا في سياساتها تجاه الشرق الأوسط. لم يكن هذا القرار وليد اللحظة، بل تقاطع فيه إصرار حلفاء عرب ونفوذ تيار أمريكي يميني مع ظرف إقليمي ملتهب بعد حرب غزة.
الأيام القادمة كفيلة بكشف كيف ستُوظّف هذه الخطوة أمريكيًا، ومدى فعاليتها في إضعاف جماعة عمرها قرابة قرن وما إذا كانت ستؤدي لاستقرارٍ أكبر – كما يروّج داعموها – أم لمزيد من الاستقطاب والتوتر كما يخشى منتقدوها.