في مضافته ببلدة قنوات في محافظة السويداء، وقف الشيخ حكمت الهجري محاطًا بجمعٍ من شيوخ الدروز، متحدثًا بصوت يتجاوز الدور الديني التقليدي، وقد التف حوله الحضور، معتبرينه رمزًا للطائفة بأكملها، وحارسًا لذاكرتها وخط دفاعها وفق تعبير أحد المشاركين.
بينما استهل الهجري حديثه بصوتٍ هادئ ومتزن، سرعان ما تصاعد تدريجيًا، محملًا بانتقاءٍ للتاريخ وسردية المظلومية التي ترسم حدود “نحن” في مقابل “هم”، حتى غدت كلماته وكأنها تشيد عالمًا كاملًا متخيلًا، يحدد من ينتمي إليه ومن يُقصى خارجه.
تكشف تجربة حكمت الهجري كيف تتحول الطائفة من إطار أهلي محدودة إلى جماعة متخيلة يُعاد تشكيلها وتوظيفها في الصراع على الدولة والمستقبل. وانطلاقًا من هذا النموذج، يقدم هذا التقرير قراءة تحليلية لأطروحات عزمي بشارة في كتابه “الطائفة، الطائفية، الطوائف المتخيلة”، بوصفه من أعمق المقاربات لفهم الطائفية وآليات تشكلها.
الطائفة والطائفية: من الأطر الاجتماعية إلى الظاهرة الحديثة
تقتضي مقاربة الطائفية في سياقها المعاصر تحرير المفهوم من الاختزالات الشائعة التي تُحمله طابعًا دينيًا محضًا، إذ إن الطائفة بوصفها وجودًا اجتماعيًا لا تُنتج بالضرورة طائفية. وقد أسهم الخلط بين المفهومين في طمس التمييز الضروري بين الطائفة ككيان اجتماعي تاريخي تشكل ضمن سياقات دينية وثقافية متعددة، وبين الطائفية بوصفها سياسة أيديولوجية حديثة جرى إنتاجها وتوظيفها في صراعات السلطة داخليًا وخارجيًا.
من الناحية اللغوية، ظهر لفظ “الطائفة” في اللغة العربية منذ القدم، وحمل دلالة محايدة تشير إلى فئة أو جماعة دون ارتباط صريح بالدين أو المذهب، وما يميزه عن لفظ الجماعة هو أن الطائفة تشير إلى جزء من كل، سواء كان هذا الكل أشياءً أو أشخاصًا أو أقوامًا، فهي كما يشير بشارة مصطلح وصفي يعبر عن التجميع ضمن كل أكبر، وليس مفهومًا معياريًا أو تقويميًا أخلاقيًا وعقديًا.
ومع تطور المجتمع الإسلامي، اتسعت دلالة الطائفة في العصر الوسيط لتشمل الحرف والمهن، حيث تشكلت الطوائف الحرفية بوصفها أطرًا اجتماعية واقتصادية منظمة، أدارت شؤون أعضائها، وقدمت لهم الحماية والتكافل، وأرست منظومة قيم وسلوكيات مهنية.
وقد استمر هذا النظام لقرون طويلة، وبلغ ذروته في العهد العثماني بوصفه أداة تنظيم إداري واجتماعي، قبل أن يُلغى رسميًا في أواخر القرن التاسع عشر مع نشوء مؤسسات الدولة الحديثة، ولا سيما بعد تأسيس المحاكم الأهلية عامي 1882–1883.
في السياق نفسه، تبنت بعض الطرق الصوفية مصطلح الطائفة للدلالة على الطرق المنتسبة إليها، فاستخدمه الجنيد الذي عُرف بلقب “سيد الطائفة”، كما وظفه ابن عربي في كتابه “الفتوحات المكية” للإشارة إلى الجماعات الصوفية، دون أن يحمل المصطلح حينها أي حمولة صراعية.
أما في المجال السياسي والاجتماعي، فقد ترسخ في التراث الإسلامي تصور يرى الأمة كيان جامع يتجاوز الطوائف، بينما ارتبط مصطلح الطوائف في بعض الاستخدامات بمعاني الفرقة والانقسام. ويظهر ذلك بوضوح في استخدام المسعودي لمصطلح “الطوائف” لوصف الكيانات السياسية التي نشأت في الأندلس بعد تفكك الدولة المركزية، حيث مثلت الطوائف آنذاك حالة من التمزق والضعف.
إلى جانب ذلك، يوضح بشارة أن مفهوم الطائفة يختلف عن التمذهب، فالتمذهب يعني تبني عقيدة دينية أو الانتماء إلى مدرسة فقهية تنظم شؤون العبادات والمعاملات، وهو مسار عرفته جميع الأديان بعد مراحل من نشأتها، دون أن يستلزم بالضرورة تعصبًا جماعيًا أو صراعًا سياسيًا.
وبالتالي عند دراسة تطور الطائفة في المجتمعات العربية، ينبغي التمييز بين الطائفة بوصفها كيانًا اجتماعيًا أهليًا محليًا، والطائفية المعاصرة بوصفها ظاهرة مختلفة نوعيًا، فالتعصب لجماعة بشرية محددة، واعتبار الانتماء إليها محددًا للهوية والموقف من الآخرين، هو ما بات يعرف اليوم بالطائفية.
وبهذا المعنى، لا تمثل الطائفية الحديثة امتدادًا طبيعيًا لنظام الطوائف التقليدية، ولا هي مجرد تعبير ديني أو مذهبي، بل هي ظاهرة اجتماعية وسياسية تتمحور حول ولاء جماعي مغلق، يتجاوز الدين والمذهب، ويعيد إنتاج الهوية على أساس الانقسام والصراع.
وكما يوضح بشارة، ففي الطائفية يتغلب التعصب للجماعة على التعصب للدين، بينما في التدين أو المذهبية يغلب الانتماء العقدي أو الفقهي على الانتماء الجماعي، لذلك، فإن الطائفية ليست نتيجة لتعدد الأديان أو المذاهب أو الطوائف التاريخية، بل نتاج توظيف حديث في سياق الصراع على السلطة والنفوذ. كتب بشارة:
“ثمة فرق بين تعددية الطوائف في بلد من البلدان، والطائفية السياسية بغض النظر عن نوعها، فتعددية الطوائف لا تنتج طائفية بالضرورة”. صـ 484.
بدايات الطائفية: (القرن الثامن عشر – القرن التاسع عشر)
حسب ما يسرد بشارة، فقد بدأت ملامح الطائفية في جبل لبنان بشكل محدود منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، نتيجة صراعات المصالح بين الأعيان المحليين، لا سيما تحالف الشهابيين والكنيسة المارونية من جهة، والزعامات الدرزية من جهة أخرى، وهي صراعات كانت تدور أساسًا حول النفوذ والسلطة أكثر مما كانت تعبيرًا عن انقسام طائفي راسخ.
غير أن هذه التوترات أخذت بعدًا أعمق مع سيطرة إبراهيم باشا على بلاد الشام في ثلاثينيات القرن التاسع عشر، إذ أدخل إصلاحات إدارية وعسكرية واسعة، شملت تأسيس مجالس مدنية وعسكرية ضمت ممثلين من مختلف الطوائف، لكنه في المقابل أقصى بعض الأعيان المحليين.
ومع طرد الجيش المصري عام 1840، انفجرت مشاعر النقمة تجاه الامتيازات التي حصل عليها المسيحيون خلال فترة الحكم المصري، فقد أثار اعتماد الإدارة المصرية على المسيحيين في بعض الخدمات العسكرية، ومصادرة أملاك أعيان دروز معارضين، حالة من الاحتقان في جبل لبنان ودمشق، ما أسهم في تطييف الخلافات السياسية والاجتماعية.
في هذه المرحلة، تصاعد التدخل الأوروبي في الشام بصورة مباشرة، إذ تولت فرنسا رعاية الموارنة والكاثوليك، ودعمت بريطانيا الزعامات الدرزية، فيما دعمت روسيا الأرثوذكس. وكما يروي بشارة، فقد تزامن هذا التدخل مع توسع صناعة الحرير واندماج جبل لبنان وبيروت في الأسواق الأوروبية، ما عمق الفوارق الاقتصادية والاجتماعية، وربط الانتماء الطائفي بشبكات المصالح الخارجية.
ومع تراكم هذه العوامل، انتقلت الطائفية من مستوى التنافس الاجتماعي والاقتصادي إلى مستوى التنظيم السياسي، وهو ما تجلى بوضوح عام 1843 حين فرضت الدول الكبرى، رغم اتفاق أعيان الدروز والموارنة على إعادة الإمارة الشهابية، تقسيم جبل لبنان إلى قائمقاميتين طائفيتين، درزية في الجنوب ومارونية في الشمال تحت السيادة العثمانية.
أسهم هذا التقسيم في تكريس الانقسام الطائفي مؤسسيًا، وأطلق سلسلة من الصراعات المتكررة، ولا سيما مع مطالبة الموارنة بفصل المناطق ذات الغالبية المسيحية عن القائمقامية الدرزية بدعم فرنسي مباشر وتفاعل من البطريركية المارونية مع التحريض الفرنسي.
وبينما كان جبل لبنان ومحيط بيروت يشهدان بين عامي 1840 و1860، ازدهارًا في صناعة الحرير عزز ارتباط المسيحيين بالتجارة الأوروبية تحت مظلة الحماية الفرنسية، كانت اختلالات التوازن الاجتماعي والطائفي تتعمق في ظل تراجع قدرة الدولة العثمانية واتساع نفوذ الحماية الأجنبية.
وجاء ذلك في لحظة تاريخية تزامنت مع إطلاق إصلاحات التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر، التي سعت إلى ترسيخ مفهوم “الأمة العثمانية” القائمة على المواطنة المتساوية.
إلا أن هذه الإصلاحات، رغم إلغائها نظام الذمة ومنحها حقوقًا قانونية للمواطنين، اقترنت بامتيازات خاصة للأقليات، شملت الحماية القنصلية والإعفاءات الضريبية والانخراط الواسع في التجارة الأوروبية، ما أدخل البعد الدولي إلى صلب النزاعات المحلية وعزز شعور بعض الطوائف بالاستقلالية والتميز، بدل ترسيخ الانتماء إلى إطار جامع.
وبالتوازي تصاعد النفوذ الأوروبي داخل السلطنة عبر التجارة، والامتيازات الاقتصادية، وحماية الأقليات، والتدخل السياسي المباشر، ما أدى إلى تحويل “الطوائف” العثمانية من أطر دينية–إدارية داخل الدولة إلى كيانات تتعامل معها القوى الغربية مباشرة على مستوى الإمبراطورية. وفي مقابل هذا المسار، برزت ردود فعل محافظة داخل المجتمع والدولة، رافضة للإصلاحات وللتغلغل الغربي.
وقد تزامنت هذه التحولات مع احتقانات اجتماعية متزايدة، تجلت في عصيان أهالي حلب ضد التجنيد عام 1850، وتمرد فلاحي كسروان عام 1858، ورفض الدروز أداء الخدمة العسكرية. ومع تداخل المطالب الاجتماعية بالانقسامات الطائفية، تراكمت عوامل الانفجار، وصولًا إلى ذروتها في أحداث عام 1860.
من القائمقاميتين إلى المتصرفية: أول نظام سياسي طائفي
أدى قيام نظام القائمقاميتين في جبل لبنان إلى فتح مسار طويل من الصراعات بين الموارنة والدروز منذ عام 1845، تصاعدت تدريجيًا حتى بلغت ذروتها في أحداث عام 1860، حين اندلعت مجازر واسعة في مناطق الشوف ودير القمر وراشيا وحاصبيا وزحلة، قبل أن تمتد إلى دمشق.
في أعقاب هذه الأحداث، طرحت فرنسا مشروعًا لإعادة نظام مركزي في جبل لبنان بقيادة مارونية، على غرار عهد الأمراء الشهابيين، في المقابل، عارضت بريطانيا هذا التوجه خشية تهميش الدروز، واقترحت بدلًا من ذلك توسيع نظام القائمقاميتين عبر استحداث قائمقامية أرثوذكسية، بما يوازن النفوذ الطائفي ويحد من الهيمنة الفرنسية.
وفي النهاية، انتهت هذه التجاذبات إلى تسوية دولية–عثمانية أسفرت عن إنشاء نظام متصرفية جبل لبنان عام 1861، وهو أول كيان سياسي في المنطقة يقوم صراحة على تمثيل الطوائف الدينية داخل الإدارة.
فقد أصبح لكل طائفة ممثلون معترف بهم في مؤسسات الحكم، من الجيش والإدارة إلى المجالس التمثيلية، ما كرس الانقسام الطائفي في البنية السياسية، ومثّل انتقالًا تاريخيًا من التجمعات العشائرية التقليدية إلى تنظيم سياسي قائم على الطائفية.
وكما يروي بشارة، فابتداءً من النصف الأول للقرن التاسع عشر، بات الزعيم المحلي يُعرف بصفته الطائفية والطبقية في آن واحد، ممثلًا لطائفته داخل مؤسسات الدولة، فظهر المقاطعجي الدرزي والمقاطعجي الماروني، والتاجر الماروني أو السني، وتوزعت مواقع النفوذ بين البرلمان والوزارة والجيش والإدارة وفق الانتماء الطائفي.
لم تُنهِ أحداث 1860 الطائفية، بل أعادت القوى الأوروبية ولا سيما فرنسا، استدعاء تلك الأحداث لتعزيز خطاب حماية الأقليات وتثبيت نفوذها. ورغم نشوء تيارات وطنية وأحزاب معادية للطائفية، فقد تشكلت قواعد اجتماعية جديدة للطائفية حافظت على الندوب وأحيتها، كما أسهمت علاقات الطوائف بالقوى الأوروبية في ترسيخ الهويات الطائفية وتهيئة الأرضية لطائفية سياسية في لبنان وسوريا.
استمر نظام المتصرفية حتى اندلاع الحرب العالمية الأولى حين ألغاه الاتحاديون العثمانيون، بعد أن كان قد أرسى لجبل لبنان كيانًا سياسيًا ذا طابع طائفي، ويرى بشارة أن هذا النظام شكل نقطة الانطلاق التاريخية للطائفية السياسية في المشرق.
الطائفية بعد الاستقلال: (القرن العشرين – الحاضر)
أدت الحرب العالمية الأولى وانهيار السلطنة العثمانية إلى تسريع تشكل دولة تركية، في حين لم يشهد العالم العربي مسارًا مماثلًا، فقد حلت الانتدابات الاستعمارية الأوروبية محل السلطنة، وأنتجت دولًا وطنية ما بعد استعمارية.
ومع إخفاق هذه الدول في تحقيق برامجها الأساسية، كالوحدة الوطنية والتنمية والعدالة الاجتماعية، وفي ظل غياب الشرعية التمثيلية، تحولت النخب الحاكمة إلى شبكات مصالح، واضطرت الأنظمة إلى الاتكاء على قواعد اجتماعية قائمة على الولاءات الطائفية.
وفي هذا السياق، أعادت النخب الحاكمة، وبالتوازي مع قوى إقليمية ودولية، استدعاء الانقسام الطائفي، إما للدفاع عن النظام أو للتحشيد ضده، ما أسهم في إحياء سياسات الهوية الطائفية وإعادة إنتاج خطاب المظلومية الاجتماعية والسياسية، حتى في دول تعلن علمانيتها أو تحاول فرض نموذج المواطنة.
زاد من تعقيد هذا المسار أن الدول العربية الحديثة نشأت ضمن حدود سياسية لم تطابق البنى الديموغرافية والاجتماعية القائمة. ومع تراجع الثقة بالدولة، واحتماء الأفراد بالتجمعات الطائفية، ولا سيما في المدن التي شهدت تفكك الروابط التقليدية بفعل التحولات الاقتصادية، برزت كيانات طائفية جديدة ذات طابع سياسي استثمرتها السلطة وأدرجتها في معادلات الحكم والصراع.
في هذا السياق، برزت الطائفية السياسية بوصفها نقيضًا لمفهوم المواطنة وفكرة الأمة ذات السيادة، فهي لا تسعى إلى تحقيق المصلحة العامة كما يوضح بشارة، بل تعيد إنتاج الطائفة ككيان سياسي مستقل، يطور مصالح منفصلة عن بقية المجتمع، وينافس الدولة على ولاء الفرد حتى وإن رفعت شعارات وطنية في الظاهر، وبذلك، تُسهم الطائفية السياسية في تفتيت السيادة الوطنية عبر نسج علاقات مع قوى أو دول خارجية، أحيانًا على حساب بقية المكونات الداخلية.
يشير بشارة إلى أن الطائفية السياسية تبدو في ظاهرها كنوع من التعددية، لكنها في الحقيقة تمثل مصالح الطائفة وحدها، دون تعددية حقيقية في البرامج أو الأفكار، فالفرد قد يشعر بحرية داخل جماعته الطائفية، لكنه لا يسعى إلى مأسسة هذه الحرية أو ترسيخها ضمن إطار مجتمعي شامل.
وبالتالي الطائفية لا تنطلق من وحدة سياسية اسمها الدولة، بل تنطلق من عدم وجود وحدة، وتنظر إلى الدولة كمساحة لتوازن المصالح بين الطوائف، وساحة لتقاسم الحصص دون الاكتراث لتحقيق المصلحة العامة، فالطائفية السياسية تقدم مصالحها الخاصة فقط، وتطالب بحصتها من السلطة، متجاهلة أي رؤية شاملة لمصلحة المجتمع ككل.
وقد تجلت هذه الديناميات بوضوح في لبنان، الذي شهد حربًا أهلية طويلة (1975–1990) اتخذت أشكالًا طائفية عنيفة، ورغم أن الحرب انتهت باتفاق الطائف عام 1989، فإن الاتفاق أسس لمأسسة الطائفية السياسية، وجعل الطوائف الفاعل السياسي الحصري، دون تحقيق الهدف المعلن بإلغاء الطائفية، ومن هنا، يخلص بشارة إلى أن الدولة التي توزع السلطة على أساس طائفي تُكرس الطائفية نفسها.
لم تعد الطائفية محصورة في لبنان، فقد شهد العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 تصاعدًا حادًا في الصراعات الطائفية، خاصة بين عامي 2006 و2007. ويعد الصراع بين السنة والشيعة مثالًا بارزًا على العلاقة بين الطائفة والطائفية، إذ رغم حضور الهويتين السنية والشيعية تاريخيًا، تجسدت الطائفية السياسية بشكل واضح بعد الاحتلال.
لم يكن المجتمع العراقي متصدعًا طائفيًا في السابق، إلا أن الطائفية السياسية الشيعية واستشراء الميليشيات أعاد تشكيله طائفيًا، مصحوبًا بتغييرات ديموغرافية، وبدعم إيراني وأحيانًا أميركي. كتب بشارة:
“لقد بنت الأحزاب الطائفية الشيعية في العراق خطابها على فكرة الأكثرية المظلومة، ولكنها لم تجد غضاضة في التضامن مع من يرى بموجب خطابها نفسه حكم أقلية ظالمة ضد أكثرية مظلومة في سورية بعد ثورة عام 2011، وهذا ما نعنيه باحتكار دور الضحية، وهو ما خبره الفلسطينيون في خطاب الصهيونية التي تستخدم خطاب الضحية وهي تحتل فلسطين”. صـ732.
من الحماية إلى التفكيك: الطائفية والتدخل الغربي
لا يمكن فهم تشكل الطائفية في المشرق العربي من دون التوقف عند الدور الحاسم للتدخلات الأوروبية منذ منتصف القرن التاسع عشر. يبين بشارة أن القوى الغربية ومفكريها المستشرقين أسهموا في تأسيس هذا المسار حين رفضوا الاعتراف بوجود دول أو أمم في الشرق، وركزوا بدلًا من ذلك على الانقسامات الدينية والطائفية والقبلية، بل تحولت الطائفية إلى إحدى الأدوات المركزية لتجزئة المشرق وإعادة تنظيمه بما يخدم المصالح الاستعمارية.
فمنذ منتصف القرن التاسع عشر، أصبحت التدخلات الأوروبية التي ربطت مصالحها بحقوق الطوائف وحمايتها عنصرًا مركزيًا في الصراعات الطائفية، فرنسا دعمت الموارنة، وبريطانيا الدروز، وروسيا الأرثوذكس، والنمسا الكاثوليك، فتحولت الطوائف المحلية إلى أدوات في الصراع على النفوذ الأوروبي.
القوى الخارجية وتأثيرها على الطوائف
| الدولة | المنطقة / الطائفة | نوع التدخل | الهدف / الأثر |
| فرنسا | لبنان / الموارنة | حماية، دعم سياسي وعسكري | تعزيز نفوذ الموارنة، ترسيخ الطائفية |
| بريطانيا | جبل لبنان / الدروز | تحالف وحماية | مواجهة النفوذ الفرنسي، دعم مصالح الدروز |
| روسيا | الأرثوذكس في المشرق | حماية الطائفة | توسيع النفوذ الروسي، تقييد فرنسا |
| الولايات المتحدة | الأقليات العربية والكرد | دعم سياسي واستراتيجي | تأجيج النزاعات الطائفية |
| إسرائيل | الأقليات | دعم تحالفات استراتيجية | تأسيس قاعدة نفوذ، تعزيز الانقسام الطائفي |
وفي القرن العشرين، عمقت الدول الغربية هذا المسار عبر إعلاء شأن التجانس الثقافي، وطبقت هذا النموذج عبر دعم الأقليات، تعاملت فرنسا مع سوريا ولبنان على أساس طائفي ودعمت طوائف بعينها، بينما اعتمدت بريطانيا في العراق وفلسطين سياسات تقسيم السكان إلى طوائف وعشائر، مع اعتبار اليهود قومية مستقلة تمهيدًا لإقامة وطن قومي لهم. كتب بشارة:
“الطائفية السياسية في الوطن العربي ظاهرة حديثة.. وساهم اللقاء مع الاستعمار في تأجيجها”. صـ 509.
وفي العقود الأخيرة من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين، تصاعد توظيف الطائفية في السياسات الدولية، ولا سيما مع بروز الدور الأميركي في قيادة خطاب “حماية الأقليات”، بتأثير أوساط صهيونية تراهن استراتيجيًا على التحالف مع الأقليات وصناعة الهويات الطائفية والإثنية في المنطقة، وحسب بشارة يسعى الصهاينة إلى تعميم نموذج الدولة القائمة على أساس ديني أو إثني، بحيث تصبح إسرائيل القاعدة لا الاستثناء.
في السياق نفسه، سعت روسيا إلى استثمار الروابط الدينية مع طائفة الروم الأرثوذكس، واستخدمت ولا سيما في عهد فلاديمير بوتين، خطاب حماية الأقليات بصورة صريحة، تجلت بوضوح بعد تدخلها العسكري المباشر في سورية عام 2015. وبالموازاة، عملت إيران على تعزيز نفوذها في سوريا بعد عام 2011، من خلال التشيع واستثمار المقامات الدينية لبناء هوية طائفية سياسية تخدم مصالحها.
وبذلك، أصبحت الطائفية خلال القرنين العشرين والحادي والعشرين أداة لتفكيك المجتمعات العربية، نتيجة تفاعل بين التدخلات الدولية، واستغلال الهويات الجماعية من قبل السلطة كأدوات للتحشيد وإدارة الصراع.
محطات تاريخية في تطور الطائفية السياسية في المشرق العربي
| الفترة | الحدث | الجهة الفاعلة | الأثر الاجتماعي / الطائفي |
| منتصف القرن 18 | صراعات بين الشهابيين والموارنة والدروز | الأعيان المحليون | بداية التمييز الطائفي المحدود |
| 1831-1840 | إصلاحات إبراهيم باشا في بلاد الشام | إبراهيم باشا | فتح المدارس، مجالس مدنية، فرض الأمن، مواجهة الأعيان والقبائل |
| 1840 | عودة الحكم العثماني بعد طرد المصريين | السلطنة العثمانية | توترات بسبب امتيازات المسيحيين وحماية الأوروبيين |
| 1843 | اتفاق على عودة الإمارة بشهاب | الموارنة والدروز | تقسيم الجبل بين قائمقاميتين طائفيتين |
| 1856 | الخط الهمايوني | السلطنة العثمانية / أوروبا | مساواة غير المسلمين قانونيًا، إثارة ردود فعل من المسلمين |
| 1860 | أحداث المجازر في جبل لبنان | الموارنة والدروز / فرنسا | تدخل فرنسي، تأسيس المتصرفية |
| 1861-1864 | نظام المتصرفية | السلطنة العثمانية / الطوائف | أول نظام سياسي طائفي رسمي في لبنان، مساواة قانونية، إلغاء الامتيازات الإقطاعية |
| أوائل القرن 20 | سقوط السلطنة العثمانية | الدولة العثمانية / الدول الأوروبية | تدخل القوى الغربية في المشرق العربي على أساس الطوائف |
| 1920 | الانتداب الفرنسي | فرنسا | دعم الطوائف المسيحية في لبنان، إقامة كيانات علوية ودروزية وسنية في سوريا |
| القرن 20-21 | بعد الاستقلال والتدخلات الأمريكية والروسية | الحكومات العربية / القوى الدولية | تعزيز سياسات المظلومية الطائفية، استثمار الأقليات لأغراض استراتيجية |
من البنية الأهلية إلى الطوائف المتخيلة
يشير بشارة إلى أن الطائفة الدينية لم تكن دومًا الإطار الرئيس لهوية الفرد، حتى في ظل هيمنة الثقافة الدينية، إذ لعبت بنى اجتماعية أخرى مثل القبيلة والعشيرة والعائلة دورًا أكبر في تحديد السلوك والهوية. وتوجد دلائل تاريخية على أن العشائر العربية والكردية كانت متعددة المذاهب والدين، وتعايشت المذاهب ضمن العشيرة نفسها، دون أن تتحول إلى طوائف بالمعنى الحديث.
أحد أهم مفاهيم بشارة هو “الطوائف المتخيلة”، الذي يرى أن الطائفة الحديثة ليست مجرد واقع اجتماعي أو ديني، بل هي بناء متخيل يشكله سرد حول الذات والآخر، يتغذى على المظلومية والذاكرة الجماعية والمخاوف، ويُعرف الأفراد أنفسهم والآخرين عبر الانتماء الطائفي.
وتتجسد الطوائف المتخيلة في هيئة جماعات دينية أو مذهبية يُتصور وجودها ككيان اجتماعي متماسك، رغم أن أفرادها لم يشكلوا مجتمعًا قائمًا بذاته في الماضي. تتحول بذلك الانتماءات الدينية أو المذهبية إلى هوية جماعية متخيلة تجمع أفرادًا لم يلتقوا سابقًا، لكنهم يشتركون في تاريخ رمزي، مظلوميات، شهداء، وأماكن مقدسة، ما يعزز ذاكرة جماعية مستقلة عن الواقع التاريخي. كتب بشارة:
“الطائفة في عصرنا جماعة متخيلة مؤلفة من أتباع دين أو مذهب، وقد أعادت بناء منشئها وأصولها ونصوصها وسلسلة مؤسسيها وموروثها الشفهي والروحي بما يسبغ عليها بواسطة التخيل سمات التماسك والوحدة.. إنهم يتخيلون أنفسهم كأنهم جماعة، مع أنهم ليسوا كذلك، ولذلك نقول طائفة متخيلة”. صـ 217.
تاريخيًا، تداخلت الهويات في المجتمعات العربية، فتجاورت وتنافست وتكاملت أحيانًا، رغم هيمنة هوية في مراحل معينة. فعلى سبيل المثال، شكلت العروبة ثقافة وهوية مشتركة حتى بين مجتمعات متعددة الإثنيات مثل الأكراد في المشرق العربي أو الأمازيغ في المغرب، بالمقابل، أنتجت الطائفية السياسية هوية متخيلة بديلة، كما في لبنان والعراق، فخلقت وطنيات متنافسة ومتناقضة مع الانتماءات الأخرى.
وكما يوضح بشارة، فقد استُخدمت الطوائف المتخيلة في لبنان والعراق لإعادة إنتاج الانتماء الطائفي السياسي، بحيث يُنظر إلى كل طائفة ككيان مستقل يتمتع بمظلوميته ورموزه وتاريخه الخاث، وتعتمد الطائفية على سرديات متخيلة تُعاد صياغتها باستمرار لتعزيز المظلومية الجماعية.
ففي العراق بعد عام 2003، تبنى الشيعة دور الضحية لتبرير السيطرة واتهام الآخر، وغالبًا ما يُصوَّر الصراع بين الطوائف على أنه سياسي، بينما هو في جوهره صراع على المحاصصة والسلطة ومن يملك رواية الماضي التي تبرر السيطرة في الحاضر.
وكما يوضح بشارة، تختلف الطائفية عن الدين، فهي لا تهدف إلى نشر المعتقدات، بل تثبيت حدودها اجتماعيًا، ففي الطوائف المغلقة مثل العلوية أو الدرزية، يمكن الانتماء إلى الطائفة دون معرفة الدين أو المذهب، ما يجعل الطائفية هي الدين بحد ذاتها، ويصبح إيمان الفرد بالطائفة هو الأساس.
ويميز بشارة الطائفية عن القومية، فرغم أن كلاهما جماعة متخيلة، لكن القومية تعمل على توحيد مجتمع متعدد الطوائف في هوية أفقية واحدة، بينما الطائفية تفكك العلاقات وتكرس الاختلاف وتجعله أساسًا للسياسات، مستندةً إلى المظلومية والتاريخ المختار.
باختصار، الطائفية الحديثة ليست امتدادًا للتقاليد الدينية المحلية، بل هي إنتاج جماعات متخيلة قائمة على سرديات عن التاريخ والمظلومية تُستخدم لتحشيد الولاءات والسيطرة السياسية، وتحويل الانتماء الديني إلى أداة تنظيمية واجتماعية وسياسية.
المظلومية: آلية تشكل الطوائف المتخيلة
“إن مشكلة ما يسمى الأقليات في العالم العربي وفي كل مكان هي مشكلة الأكثرية، ولا يوجد للأقليات حل منعزل عن حل مشكلات الأغلبية”. صـ 495.
مع قيام الدولة الحديثة، تحولت الطائفة إلى جماعة متخيلة تتخيل مصلحة واحدة وتاريخًا يشمل مظلوميات وشهداء وأبطال، تُبنى هذه الطوائف على سرديات متخيلة عن الذات والآخر، متغذية من الأساطير والمظلومية، لمنح الفرد شعورًا بالهوية الجماعية وتحديد حدود واضحة مع “الآخر”، سواء كان طائفة أخرى أو الدولة نفسها.
يشير بشارة إلى أن الطائفية السياسية تقوم على استدعاء الماضي وتأويله لربطه بالحاضر، بهدف خلق شعور جماعي مستمر بالمظلومية، في هذا الإطار، يقوم ناطقو الطائفة من قيادات دينية وسياسية بصياغة تاريخ متخيل يجمع بين البطولات والمآسي والمظلومية، ويُقدم بلغة التحدي والغضب، لتصبح تجربة الظلم المتخيلة جزءًا أساسيًا من الهوية الطائفية.
ولا تهدف هذه السرديات إلى تقديم دراسة دقيقة لأحداث والواقع، بل إلى تحويل التاريخ إلى رأس مال رمزي يمنح الطائفة شعورًا بالاستمرارية ويضع الآخرين في موقف دفاع دائم، وفي هذا السياق، يصبح انتماء الفرد إلى الطائفة والمصالح التي تمثلها الطريقة الأكثر أمانًا لضمان بقائه ومكانته داخل المجتمع.
فكما يوضح بشارة، تلعب سردية المظلومية دورًا مركزيًا في تكريس السلطة الرمزية للطائفة، إذ يُستثمر شعور الطائفة بالظلم التاريخي أو المزعوم لتوجيه الأفراد سياسيًا، واستثمارهم في الصراع على الدولة والسلطة، وفي بعض الأحيان لإقصاء الآخرين. كتب بشارة:
“دخلت الهوية الطائفية إلى التعليم الرسمي في عراق ما بعد عام 2003، وتغيرت مناهج التعليم.. وأخذت وسائل الإعلام العراقية تكثر استخدام الرموز الطائفية الدينية وتعتمد السردية الشيعية للتاريخ، فضلا عن بث القصائد والأناشيد التي تعلي شأن الشيعة، وفي بعض الحالات تحط صراحة من شأن السنة”. صـ734.
ووفقًا لبشارة، في المجتمعات الطائفية تُعتبر جميع الطوائف نفسها ضحايا للقهر والمذابح، وتمتلك شهداء وذكريات عن القتل والاعتداء على النساء والأطفال، ما يولد ما يسميه بشارة بـ”المزاج الأقلياتي”، إذا تُعاد إنتاج مظلومية الطائفة باستمرار، أو يُتصور ظلم محتمل في الحاضر حتى عندما تتبوأ الطائفة السلطة.
ختامًا، يُعد كتاب بشارة إسهامًا فكريًا في دراسة الطائفية، إذ ينقلها من حقل التفسير الضيق إلى أفق أوسع يرى فيها ظاهرة سياسية تتشكل داخل بنى الدولة الحديثة. يقدم بشارة إطارًا تحليليًا متماسكًا وأدوات مفاهيمية تساعد على تفكيك الظواهر الطائفية في سياقات مختلفة، من خلال مقاربة منهجية تتيح فهم الصراع الطائفي بوصفه جزءًا من الصراع على الدولة، وعلى التاريخ والذاكرة الجماعية.
مع ذلك، لا يخلو الكتاب من إشكاليات، ففي بعض الأحيان، يميل التحليل إلى المبالغة في دور الحكومات العربية والخطاب الديني السياسي للحركات الإسلامية في إنتاج الطائفية، على حساب دور الفاعلين الاجتماعيين الآخرين مثل رجال الطوائف، والنخب الثقافية، ووسائل الإعلام. كما أن الديناميات الشعبية وحركية القواعد الاجتماعية لا تحظى بالتحليل الكافي، ما قد يعطي انطباعًا بأن الفعل الطائفي انعكاس شبه حصري لإرادة السلطة.
إضافة إلى ذلك، قد يشكل الطابع النظري العالي للكتاب ومستوى التجريد اللغوي والمفاهيمي تحديًا للقارئ غير المتخصص، لكنه في الوقت ذاته يعكس عمق الإطار المفاهيمي الذي يقدمه بشارة.
ويبقى كتاب بشارة مرجعًا لا غنى عنه لكل من يسعى إلى فهم الطائفية كظاهرة حديثة، خارج منطق التبرير أو الاختزال، وضمن أفق نقدي عقلاني يربطها بأسئلة الدولة والمواطنة والسلطة والتاريخ.