في منتصف القرن العشرين زار الكاتب الألماني إلياس كانيتي مدينة مراكش، وسجل ملاحظاته حول الحياة اليومية فيها في مذكراته “أصوات مراكش” الصادرة عام 1968، لتشكل هذه الملاحظات وثيقة ثمينة لفهم المدينة بكل تفاصيلها الاجتماعية والثقافية والفوارق بين السكان المحليين والزوار الأوروبيين خلال مرحلة الاستعمار الفرنسي.
قبل ذلك، أقام الكاتب البريطاني جورج أورويل في المدينة لفترة قصيرة بين أواخر 1938 وأوائل 1939 بغرض الاستشفاء، حيث انتقل خلالها بين عدة مساكن وفنادق، وأمضى مع زوجته الأولى تلك الفترة التي احتك فيها عن قرب بالسكان المحليين، ولاحظ أسواقهم الصاخبة وأزقتهم العتيقة وساحات المدينة، وتأثير الاستعمار على حياتهم اليومية. وقد صاغ هذه الملاحظات في مقالة تحت عنوان “مراكش” نُشرت سنة 1939 في المجلة الأدبية “كتابات جديدة” الصادرة في لندن.
أما الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو فقد اختار جعل من هذه المدينة مكان استقرار وكان بمثابة الابن البار لها.
علاقة غويتيسولو بمراكش، وكتابات كانيتي وأورويل، الحاصلَين على جائزة نوبل للآداب، والتي يقدمان فيها قراءة حسية وفلسفية للمدينة وسكانها، حيث تتجلى الفوارق بين الطبقات الاجتماعية، وتتضح مظاهر القهر اليومي والغياب شبه الكامل للكرامة الإنسانية عند الفقراء والمستضعفين، تفتح المجال لاكتشاف هذه المدينة بعيون الأدباء الغربيين.
“أصوات مراكش” كما يرويها كانيتي
في منتصف خمسينيات القرن الماضي، وجد إلياس كانيتي نفسه ضمن بعثة سينمائية بريطانية توجهت إلى مراكش في رحلة قصيرة امتدت لأسابيع قليلة، جاءت بدعوة من أحد منتجي السينما الإنجليز، وتحت إشراف مخرج شاب آنذاك.
ارتبطت هذه الرحلة بتصوير عمل سينمائي شارك فيه طاقم تقني وفني معروف في تلك المرحلة، غير أن هذا الفيلم ظل لسنوات طويلة خارج التداول، قبل أن يعاد اكتشافه وترميمه وإتاحته للجمهور في مطلع القرن الحادي والعشرين.
تزامنت فترة التصوير مع لحظة سياسية مضطربة في المغرب، اتسمت بالتوتر والاضطراب عقب نفي السلطان محمد الخامس، وشهدت محاولة اغتيال السلطان “محمد بن عرفة” المعيّن من قبل سلطات الحماية.

أما كتاب “أصوات مراكش” نفسه، فلم يُنجز في أعقاب الرحلة مباشرة، وإنما كُتب بعد مرور أربعة عشر عاما، اعتماداً على الذاكرة والتأمل اللاحق في التجربة، إذ لم يكن الكاتب يحتفظ سوى ببضع ملاحظات مقتضبة دوّنها أثناء إقامته، وهو ما يفسر الطابع التأملي للنص، الذي لا يقدّم وقائع زمنية دقيقة بقدر ما يستعيد التجربة بوصفها مادة إنسانية وثقافية أعيد تشكيلها عبر الذاكرة واللغة.
قدَّم إلياس كانيتي في هذا الكتاب مراكش كمدينة نابضة بالحياة، تتكشف أمام الزائر من خلال أصواتها وحركات سُكانها اليومية أكثر من مناظرها المادية، وذلك من خلال ملاحظاته للأسواق والأزقة وأبواب المنازل، وأصوات البائعين.
في هذا الكتاب الذي تُرجم إلى اللغة العربية ثلاث مرات، أولها عن النسخة الفرنسية بواسطة حسونة المصباحي سنة 1988، والثانية عن النسخة الإنجليزية على يد كامل يوسف حسين سنة 1996، والثالثة عن النص الألماني الأصلي من قبل صلاح هلال سنة 2020، لم يركز إلياس كانيتي على المعمار أو المظاهر السياحية فحسب، وإنما ركز أيضا على التفاعل اليومي بين الناس والمكان، حيث تفصح الأصوات والزخم البشري عن طابع المدينة ومعدن سكانها، وتبرز الفوارق الاجتماعية والاقتصادية بشكل طبيعي ودقيق.
كما يسلط الضوء على الفقر والهشاشة الإنسانية، وذلك من خلال تفاصيل دقيقة تتعلق بالمشاهد اليومية للفلاحين والنساء المسنات والعُمال في الأسواق، وكذلك الأطفال الذين يشاركون منذ سن مبكرة في الحياة المهنية.
كما يضفي كانيتي على مراكش بُعداً فلسفياً وتأملياً، حيث تُصبح المدينة مرآة للعلاقات بين الإنسان ومحيطه، إذ يتأمل السكان المحليين، بألوان بشرتهم، وسلوكياتهم اليومية، وأصواتهم المميزة، وهم يتّحدون في تشكيل هوية المدينة.
وتتوسع النصوص في تصوير الأسواق والحرف اليَدوية والمهن التقليدية كمواقع للكشف عن الهياكل الاقتصادية والاجتماعية في مراكش، فيصف كانيتي السوق اليهودي في الملّاح، حيث تعمل العائلات داخل دكاكين مظلمة وتستمر في العمل لساعات طويلة دون راحة، بينما الأطفال والمسنون يشاركون في أعمال شاقة منذ سن مبكرة، ويقدم صورة للطبقة العاملة والمهنية في المدينة، بعيداً عن أي أوهام رومانسية عن الحياة اليومية في مراكش.
من جهة أخرى، يتأمل حياة الفلاحين الذين يعملون في ظروف قاسية، ويحرثون الأرض بالمعاول والمحاريث اليدوية، بينما النساء يقمن بمهام شاقة، الأمر الذي يظهر هشاشة البنية الاقتصادية وتغول السلطات الاستعمارية.
مراكش في عين جورج أورويل
أما جورج أورويل، في مقالته عن مراكش، فيرسم صورة قاتمة عن المدينة التي قضى فيها رحلة استشفائية دامت ستة أشهر بين أواخر 1938 وأوائل 1939، بداية من الموت بوصفه حدثاً يومياً عابراً في المدينة، بحيث لا يثير إلا انتباهاً عابراً من الذباب أكثر مما يثيره من البشر، ذلك أن مرور جنازة صغيرة في السوق، “ملفوفة في خرقة ومحمولة على نعش خشبي خشن”، لا يوقف إيقاع الحياة ولا يخلّف أثراً دائماً، إذ يُوارى الجسد في حفرة ضحلة بلا اسم ولا علامة، ثم “بعد شهر أو شهرين يتعذر على المرء التعرف بيقين على المكان الذي دُفن فيه قريبه”.
بالإضافة إلى ذلك يرصد أورويل مفارقة يبدو أنها ما زالت تحافظ على حضورها في طريقة تعامل الغرب مع غيرهم، والمتمثلة في العمى البصري تجاه الإنسان، والتعاطف الانتقائي مع الحيوان. فالحمير المنهكة تثير الغضب، بينما النساء المسنات “الرازحات تحت حمولات الحطب” لا تُرى إلا كـ”كوم من العيدان”.
وينسحب هذا المنطق أيضا على الجنود السنغاليين الذين يسيرون في صفوف صامتة تحت شمس حارقة، ينظر أحدهم إلى الرجل الأبيض “نظرة احترام عميق”، بعد أن لُقّن أن البيض أسياده.
وسط كل هذا العنف الاستعماري، يطرح أورويل سؤاله القلق: “إلى متى يمكننا الاستمرار في الضحك على ذقون هؤلاء الناس؟، فعندما ترى كيف يعيشون، بل أكثر من ذلك كيف بسهولة يموتون، يصعب عليك مرارا التصديق بأنك تتمشى بين كائنات بشرية. جميع الإمبراطوريات الاستعمارية تأسست في الواقع على هذه الحقيقة.”
كتابات أورويل أثارت نقاشا كبيرا في الأوساط المغربية والعالمية. وتُعد عالمة الاجتماع المغربية، فاطمة المرنيسي، من أوائل الباحثين الذين توقفوا عند حضور الكاتب البريطاني في المغرب، إذ أعادت قراءة هذه الزيارة وخلصت إلى أن نظرته لا يمكن اختزالها في توصيف عنصري مباشر، لأنه كان نتاجاً لسياق استعماري قيّد نظرته وشوّه فهمه للمجتمع المغربي.
فبحسب تحليلها، اعتمد أورويل أساساً على مصادر فرنسية ولم ينخرط فعلياً في الاحتكاك المباشر بالمغاربة، رغم أن ذلك كان ممكناً. وتوضح أن ظروف الثلاثينيات جعلت استقلالية المثقف الأجنبي أمراً بالغ الصعوبة، غير أن هذا لا يبرر، في نظرها، محدودية تجربة أورويل، خاصة أن كتّاباً آخرين استطاعوا تجاوز النظرة الاستعمارية السائدة. كما تنتقد بقاءه أسير الفضاء الأوروبي ورؤيته التي أعادت إنتاج خطاب المستعمِر، معتبرة أن هذه العزلة لم تكن خياراً ذاتياً بقدر ما كانت نتيجة رقابة غير معلنة.
خوان غويتيسولو.. ابن مراكش البار
اختار الكاتب الإسباني خوان غويتيسولو أن يجعل من المدينة العتيقة لمراكش موطناً روحياً قبل أن تكون مجرد مكان إقامة، فاستقر غير بعيد عن ساحة جامع الفنا الشهيرة، داخل نسيج اجتماعي شعبي سرعان ما احتواه وجعله جزءا منه، فمع مرور السنوات، لم يعد الكاتب الإسباني غريباً عن الحي أو عن أهله، إذ صار جزءاً من يومياتهم يشاركهم تفاصيل الحياة البسيطة.
منذ سبعينيات القرن الماضي، ظل يعود إلى مراكش باستمرار، إلى أن استقر فيها نهائياً بعد فقدانه زوجته، ليكرس أيامه للقراءة والكتابة، مستلهماً من إيقاع المدينة وسكينتها، ومن فضاءاتها. وقد كان اختياره لهذا المكان نابعاً من انجذابه العميق إلى جامع الفنا، باعتبارها بؤرة للخيال والتأمل، ومسرحاً مفتوحاً يغذي الكتابة ويمنحها بعداً إنسانياً مُتجدداً.
تماهى خوان مع المدينة إلى حد اعتبار نفسه واحداً من أبنائها، فقد تعلم الدارجة المغربية، واتخذها وسيلة للتواصل اليومي، ونسج شبكة واسعة من الصداقات التي تحولت إلى ما يشبه العائلة الممتدة.
يقول غويتيسولو: “في هذه المدينة، تعلمت الدارجة (العامية المغربية)، وكونت عائلتي الكبيرة: أصدقاء يكونون برفقتي دائما. بدأت قرابتي بمراكش ببعدها الجمالي -مراكش أجمل مدينة عرفت- ثم تطورت هذه القرابة، وانتقلت إلى ناس المدينة ولغاتها ونكاتها وثقافتها”. ويضيف: “لهذا، أعتبر، الآن، نفسي مراكشيا. ومن ثمة، أهديت مخطوطة روايتي “مقبرة”- التي استلهمت، في جزء كبير منها، فضاء المدينة- إلى مدينة مراكش”، وهذا السبب ذاته ما جعله يهدي جائزة “نيلي ساكس” التي نالها في ألمانيا عن روايته إلى هذه المدينة.
هذا التفاعل الحي مع الناس وثقافتهم ونكاتهم وأساليب عيشهم جعله ينقل اهتمامه من جمال المدينة المعماري إلى روحها الإنسانية. ومن هذا المنطلق، ارتبط إنتاجه الأدبي بمراكش ارتباطاً وثيقاً، فاستلهم فضاءها في أعماله، مؤكداً أن انتماءه إليها لم يعد وجدانياً فقط، بل وجودياً أيضاً.
في قلب هذا التعلّق، احتلت ساحة جامع الفنا مكانة استثنائية في حياة غويتيسولو وفكره، إذ رأى فيها فضاء للفرجة وخزّاناً للذاكرة الشفوية ومصدراً لا ينضب للإبداع، حيث كان يتردد على الساحة باستمرار، يجالس الحكواتيين ويصغي إلى سردهم، ويستخلص من حكاياتهم فهماً عميقاً للإنسان وتجاربه. ومن هذا الوعي، انخرط في الدفاع عن الساحة بوصفها تراثاً إنسانياً مهدداً، وساهم بجهوده في الاعتراف الدولي بها كتراث شفهي لا مادي، وانعكس هذا الارتباط في أعماله الأدبية، حيث استعاد لغة الشارع وخيال الرواة، وجعل من جامع الفنا مختبراً للسرد الشعبي وفضاءً تتداخل فيه الحقيقة بالمتخيل.
من هنا، وفي ضوء كتابات جورج أورويل وإلياس كانيتي وخوان غويتيسولو، تتبدّى مراكش كفضاء جغرافي وكاختبار معرفي وأخلاقي لعلاقة الكاتب الغربي بالآخر في سياق استعماري وما بعد استعماري. فإذا كان أورويل قد عاين البؤس والاستغلال بعين نقدية ظلت أسيرة الوساطة الاستعمارية، فإن كانيتي حاول تفكيك الصور الجاهزة عبر نظرة تأملية قلقة، جعلت من المدينة مرآة لأسئلة الهوية والحداثة والاختلاف. أما غويتيسولو، فقد مضى أبعد من الوصف والملاحظة، ليختار الاندماج والانتماء، مُحولاً مراكش إلى فضاء للعيش والكتابة.