“انهيار منزل على رؤوس ساكنيه”… خبرٌ كهذا يكون نادرًا في الظروف الطبيعية، لكنه في قطاع غزة صار متوقّعًا لكثرة ما تكرّر، خاصةً مع بدء فصل الشتاء، فبعد الدمار الهائل الذي تسبّب به العدوان الإسرائيلي، لجأ الناس إلى السكن بين بقايا المباني وركامها، يفعلون ذلك رغم إدراكهم للخطر، فمرادهم جدران وأسقف من الباطون تحميهم من عوامل الطقس ومن تبعات السكن في خيمة.
تنحصر الخيارات أمام فاقد بيته. خيمة فيها من التعب والذل ما يكفي لصرف النظر عنها، أو بيت مُستأجر بتكلفة عالية جدًا وقد أفرغت الحرب جيوب الغزيين، أو السكن في بيوت المعارف والأقارب، وهو خيار لا يتوفر للجميع، ويرفضه كثيرون لما فيه من قيود على النازح والمُضيف.
وأمام هذا الواقع، يبرز احتمال آخر يتمثل في السكن في بقايا مبنى دمّره الاحتلال، وغالبًا ما يتقبّل الفكرة كل من تلوح له الفرصة، سواء كان بيته أو مدرسة أو مؤسسة أو غير ذلك، حتى إن البعض يدفع الأموال لاستئجار بيوت متضرّرة.
يعيش سكان البيوت الآيلة للسقوط أوضاعًا مأساوية، يتقلّبون بين الخيارات المُرّة، فيرضون بالخطر، ويفعلون ما أمكن لتخفيفه، متأكدين في دواخلهم أن أغلب الاحتياطات التي يتخذونها عديمة الجدوى.
ليالي بلا نوم
“كيف أنام وأنا أعرف أن جدارًا صغيرًا هو الذي يحفظ توازن البيت؟”… يتساءل إيهاب الحلو، والقلق يبدو واضحًا على ملامحه، ويقول: “هدم الاحتلال البناية التي أسكنها في الأيام الأولى من الحرب، فأخذت أتنقّل بين بيوت الأقارب والخيام، إلى أن تم الاتفاق على الهدنة نهاية 2024، وانسحبت قوات الاحتلال من المنطقة، فعدت لأجد نفسي محظوظًا جدًا”.
ويضيف: “شقتي في الطابق الأرضي، ما يزال جزء من سقفها قائمًا، وتتكدّس فوقه أنقاض أربعة طوابق، استصلحت المساحة الباقية من الشقة، وأغلقتها بالشوادر، وكانت بحالة جيدة إلى حدّ ما، وبقيت فيها حتى النزوح الأخير”.
في سبتمبر الماضي، نزح الحلو نحو المحافظة الوسطى، وحين عاد وجد بقايا صواريخ نزلت على البيت، فتقلّصت المساحة الممكن السكن فيها، والأخطر أن القصف الجديد جعل السقف الباقي آيلًا للسقوط.
استعان بمختصين، فجاء الرد واضحًا: “البيت لا يصلح للسكن، إن وقع حجر من هذا الجدار سينهار السقف”، والحديث عن جدار صغير كان الحلو يفكّر بهدمه لتوسيع المكان.
يوضح: “البديل خيمة، زوجتي وبناتي رفضن العودة لها، فالخيمة تعني أن نعيش في الشارع، وقد مللنا منها في نزوحنا الأول والثاني، أعرف أن الخطر كبير، لكن ما الحل؟”. ويبيّن: “من اليوم الأول للسكن في البيت بوضعه الحالي تملّكني الخوف من انهياره، ثم وصل الأمر حدّ الرعب مع أول منخفض جوي في الشتاء لما سببه من انهيارات”.
يصف حاله ومشاعره: “تمرّ بي ليالٍ لا يغمض لي فيها جفن، وأحيانًا أكون خارج البيت فأتهيّأ أنه انهار على أسرتي وأنا بعيد عنهم، ونفس المخاوف عند زوجتي وبناتنا، أشعر بالعجز والحزن لأني لا أستطيع توفير مكان آمن لهم”.
من بين ركام المنازل والخيام الغارقة.. يواصل الغزيون معركة البقاء على قيد الحياة في ظل انعدام مقومات الحياة ونقص حاد في المياه والغذاء بعيدًا عن تدهور القطاع الصحي والبرد الشديد مع استمرار حصار الاحتلال للقطاع. pic.twitter.com/aKt5kkXpK0
— نون بوست (@NoonPost) January 3, 2026
منذ أسابيع، لم يجفّ بيت الحلو، فالمياه تدخل من كل مكان وقت انهمار المطر، وبعد انحساره تكون كميات كبيرة منها قد تجمّعت بين ركام الطوابق العليا، وهذه تتسرّب إلى بيته من الشقوق، ولكثرتها لا تنتهي.
في كل منخفض، تقتلع الرياح “الشوادر” التي وضعها عوضًا عن الجدران، فينشغل هو بإعادة تثبيتها، وتنشغل بقية الأسرة بتجفيف مياه المطر.
ويلفت إلى أنه اضطر للاستغناء عن أجزاء من البيت لم يعد البقاء فيها ممكنًا بسبب المياه التي تنزل من السقف باستمرار، حيث يضع أواني تحت الشقوق، ولا يمكن استخدامها للنوم أو الجلوس أو وضع الملابس والفراش التي تبتل في كل مرة، لذا صغرت مساحة البيت أكثر.
المشكلة ليست في احتمال انهيار البيت فقط، فسقوط حجر صغير من الركام قد يودي بحياة أحد أفراد الأسرة، كما حدث مع ابنته التي كانت تطهو الطعام على نار الحطب خلف البيت، إذ سقط جزء من عمود على المكان الذي كانت تجلس فيه تمامًا فور تحرّكها لجلب البهارات.
وحين يعيد تثبيت “الشوادر” يحتار؛ هل يثبّتها بقوّة فيضغط على الجدران فيزيد احتمال انهيارها، أم يعلّقها بمسامير صغيرة فتسقط مجددًا؟
يشير الحلو إلى أن كل منخفض يمرّ يُحدث شقوقًا جديدة في السقف، ويُسقط الكثير من الأحجار المتراكمة فوقه.
مع ازدياد أخبار الانهيارات، أعاد الحلو طرح فكرة الخيمة، فصمّمت الأسرة على موقفها الرافض، يقول: “تنهار البيوت، وتنهار معها نفسياتنا، ومع كل بيت يسقط، تسقط قلوبنا، الخوف يزيد، والحلول معدومة”.
ويضيف: “أوصيت أهل بيتي بعدم التحرك في أجزاء معينة من البيت ومحيطه، وبعدم العبث بالأنقاض، لكني مقتنع أن هذه التوصيات لن تمنع شيئًا، خاصة مع صعوبة السيطرة على الأطفال. ابنتي الصغيرة لمحت قبل أيام طرف لعبتها بين الركام فحاولت سحبها، لكن قوتها لم تكفِ، وكان محتملًا أن يتحرّك حجر صغير فيختل توازن كل شيء، لولا لطف الله”.
View this post on Instagram
انهار بها… فعادت له
ثوانٍ فقط فصلت بينها وابنتها وبين الموت. عاشت التجربة المريرة بانهيار جزء من بيتها وهي داخله، ومع ذلك عادت لتسكن فيما بقي قائمًا منه، لانعدام البدائل.
بينما كانت ابتسام مهدي مشغولة بإعداد الطعام، انتبهت لأشعة الشمس تشق طريقها بين الغيوم، فخرجت من المطبخ لتشغيل نظام الطاقة الشمسية، وقبل أن تضغط الزر، رأت المطبخ الذي كانت فيه لتوّها ينهار.
تخبرنا ابتسام بما حدث من البداية: “شقتي مُستحدثة، كانت في الأصل مخزنًا بسقف مرتفع، قبل أن يقسم المقاول المخزن أفقيًا، النصف العلوي منه هو الشقة التي أسكنها الآن، وبسبب طريقة البناء فإنها تقف على أعمدة خارجية مختلفة عن باقي أعمدة البناية”.
وتضيف: “بعد النزوح الأخير في سبتمبر الماضي، عدت إلى بيتي لأجد أن دبابة دمّرت أحد الأعمدة الخارجية، فاستشرت مهندسًا، فأخبرني أن الأرضية سليمة، لكن جدرانًا محددة قد تنهار حال حدوث قصف قوي قريب يسبّب اهتزازًا شديدًا”.
على هذا الأساس، سكنت ابتسام بيتها مطمئنة، مع شيء من الحذر في التعامل مع الجدران المُهدَّدة، تُنبّه صغيريها من اللعب قربها، ومن النافذة تُحذّر المارّة أو الجيران إن جلسوا تحتها أو لعب أطفالهم في المكان.
في أول منخفض جوي هذا الشتاء، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ انهارت الجدران مع جزء من الأرضية التي قال المهندس إنها سليمة.
لحظة خروجها من المطبخ، لمحت ابتسام ابنتها تخرج من غرفتها نحو باب البيت لتقابل صديقتها، ومع ذلك، حين رأت الانهيار، صارت تركض بحثًا عن ابنتها، ظنًّا منها أنها ما تزال في الغرفة المنهارة، ولم يهدأ روعها سوى نداء ميار: “ماما، أنا هنا”.
كانت تسمع الجيران يقولون إن البيت قُصف، لكنها أدركت أنه انهار، ولكن بشكل أسوأ من المتوقّع. وفي حين توافد الجيران للاطمئنان على أهل البيت، كانت تحاول أن تطمئن إن كان أحد في الخارج قد تضرّر من ركام بيتها، فهذا ما كانت تخشاه منذ أشهر.
في هذا الضجيج، علا صوت ابنها يوسف (9 سنوات): “ميار راحت”. رأى أمه بخير، وكان يعرف أن والده خارج البيت، لكن خوفه على شقيقته التي تكبره بعامين أعمى بصره عنها. احتضنته أمه وأخذت تكرر له عبارات مثل: “ميار هنا، ميار أمامك”، حتى أفاق من خوفه.
View this post on Instagram
بعد الانهيار، استضافها وأسرتها شخص في بيته، وبعد ثلاثة أيام طلب منها 500 شيكل (نحو 160 دولارًا) بدل إيجار شهري للغرفة، وبعد أسبوعين أخبرها برفع قيمة الإيجار إلى الضعف في الشهر القادم، وهنا اتخذت قرارًا بأن تدفع المال لترميم بيتها بدل الإيجار.
تقول: “البيت غير مناسب، وتشققات الجدران واضحة، أخشى أن يتكرر الانهيار، لكنني مضطرة. استشرت مهندسين، وأخذت بتعليماتهم، ورمّمت البيت وفق ما قالوه، ودفعت الكثير من المال، المهم ألا أعود إلى الخيمة”.
لم يكن هذا القرار سهلًا على ابتسام وأسرتها، لكن لا مفرّ منه، فقد جرّبت الحياة في الخيمة 22 يومًا في النزوح الأخير، تجربة قصيرة لكنها كافية للقبول بالخطر بدلًا عنها. أما ابناها فخافا من العودة إلى البيت في البداية، لكن سرعان ما تقبّلا الأمر، ومن حسن الحظ أنهما لم يشاهدا لحظة الانهيار، ما خفف تأثير الحادثة عليهما.
الخوف امتدّ ليشمل الأهل، فقد حاولوا ثني ابتسام وزوجها عن قرار العودة، ويوميًا يتصلون للاطمئنان على استقرار البيت، ولم يخفف عنهم سوى التزامها التام بتعليمات المهندسين في الترميم.
تركت التجربة آثارًا نفسية صعبة على الأسرة، فمع كل صوت رياح أو قطرة مطر، تتجدد المخاوف وتُستثار المشاعر، لكن الأثر الأصعب كان على ابتسام التي شاهدت الانهيار. عاشت أسبوعين بالغَي الصعوبة، كلما نامت ترى نفسها داخل المطبخ وهو ينهار، حتى استعانت بأخصائية نفسية لتجاوز الحادث.
تقول: “في بيتي، وفي كل مكان نزحت إليه، عشت لحظات خطيرة جدًا، وتم استهداف أماكن ملاصقة، ووصلتنا الشظايا والأحجار، لكن لا شيء يساوي هذه التجربة في صعوبتها والمشاعر المرافقة لها”.
أهم ما في الأمر سلامة الجميع، لكن هذا لا ينفي ثِقل الخسارة المادية، ففي حالة ابتسام، فقدت نصف شقتها بكل ما فيه: غرفة الطفلين وأغراضهما، والخزانة الجديدة التي لم تجد وقتًا لترتيب ملابسهما فيها، وكمية كبيرة من الطعام، وكل مستلزمات المطبخ، وفوق كل هذا دفعت مبالغ كبيرة لترميم المساحة الباقية من الشقة.
ثمة خسائر معنوية لا يدرك صعوبتها إلا من جرّبها، مثل حزن يوسف وميار على طبقين، أحدهما أزرق والآخر زهري، اشترتهما ابتسام في السنوات الأولى من عمر الصغيرين، ولم يتوقفا عن استخدامهما حتى يوم الانهيار.
القادم صعب
الناطق باسم الدفاع المدني في قطاع غزة، محمود بصل، يقول إن مسألة البيوت الآيلة للسقوط تُعد من التفاصيل الصعبة التي يعيشها القطاع حاليًا، نتيجة وجود آلاف المباني على وشك الانهيار، ويسكنها عشرات الآلاف من المواطنين.
ويضيف لـ”نون بوست”: “البيت الآيل للسقوط هو الذي تدمرت أساساته أو أجزاء كبيرة منه، ما يجعله عرضة للانهيار في أي لحظة، وبالطبع يشكّل خطرًا كبيرًا على ساكنيه والموجودين في محيطه، ويبدأ الخطر من سقوط حجارة أو أعمدة من ركامه، وقد يصل إلى سقوطه بالكامل”.
ويوضح أن النسبة الأكبر من تلك البيوت في القطاع تتركّز في محيط المدن والمناطق التي دخلتها قوات الاحتلال برًّا. ويلفت إلى أن البيوت الخالية تمثّل خطرًا أيضًا، فالأمر لا يقتصر على السكان، وإنما يشمل كل من يمرّ قرب المبنى، خاصة مع انتشار الخيام في كل مكان.
ويعزو لجوء الناس إلى البيوت المعرّضة للانهيار إلى انعدام الخيارات؛ فالخيمة لا تقي من برد ولا حر، مؤكدًا أن سكان تلك البيوت مقتنعون بضرورة تركها، لكنهم يطالبون ببديل، وهو ما لا يتوفر.
ويبيّن: “ناشدنا الناس الخروج من تلك البيوت، ونظّمنا زيارات ميدانية، فالبعض اقتنع وخرج فعلًا، وبعض من خرجوا سقطت بيوتهم بعد مغادرتها بأيام قليلة، وآخرون خرجوا بأعجوبة عندما شعروا ببدء التصدّع وحدث الانهيار خلال دقائق”.
وينوّه بصل إلى أن البيوت المدمّرة جزئيًا، حتى تلك التي تبدو صالحة للسكن، تمثّل خطرًا أيضًا على ساكنيها والمحيطين بها، إذ يمكن أن يسقط شيء من ركامها أو تحدث فيها انهيارات.
ويؤكد: “كون المبنى قائمًا في ظاهره لا يعني أنه سليم تمامًا، فكمية المتفجرات التي ألقاها الاحتلال على القطاع كفيلة بإحداث تصدّعات في معظم المباني، نحن بحاجة إلى تقييم كامل، فالقادم صعب فيما يخص الانهيارات”.
ويوضح أن 50 مبنى انهاروا بالكامل منذ سريان الهدنة في أكتوبر الماضي، 22 منها خلال المنخفضات الجوية، كما انهار أكثر من 150 مبنى بشكل جزئي، وبلغ عدد شهداء المنخفضات الجوية (البرد والانهيارات) 27 شهيدًا، بعضهم ما يزالون تحت الأنقاض، وهذه الأرقام لا تشمل نتائج المنخفض الأخير الذي أودى بحياة ثلاثة غزيين في يومه الأول.