في تصريح لافت أعاد جبال قنديل إلى دائرة الضوء، وصف الرئيس السوري أحمد الشرع قادة حزب العمال الكردستاني “PKK” المختبئين هناك بأنهم “أناس معزولون عن الحياة الاجتماعية منذ أكثر من 40 عامًا”.
جاء هذا التصريح في معرض تشديد الشرع على حماية المكون الكردي في سوريا ودمجه في المؤسسات السورية، محذرًا من “حشر الأكراد ضمن قوة حزبية مسلحة ذات ارتباطات خارجية”، واصفًا ذلك بأنه “خطأ استراتيجي بحقهم”.
ورغم إعلان “PKK” حل نفسه وإلقاء السلاح ضمن اتفاق سلام تاريخي مع أنقرة بعد 4 عقود من نزاع أودى بحياة ما يزيد عن 40 ألف شخص، لا يزال مقاتلو الحزب وقياداته يعيشون في كهوف قنديل، ما يطرح تساؤلات عن سر التمسك بهذا المعقل، ودوره المعقد بصراعات الشرق الأوسط.
حصن جبلي عند تقاطع ثلاث دول
تقع سلسلة جبال قنديل في الركن الشمالي الشرقي من العراق بمحاذاة كل من تركيا وإيران، ضمن امتداد جبال زاغروس الوعرة.
شكّلت هذه المنطقة تاريخيًا حدودًا طبيعية بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، وكانت جزءًا مما يعرف بـ”كردستان الكبرى” نظرًا لكثافتها الكردية.
تتميز قنديل بتضاريسها القاسية وارتفاع قممها التي تفوق 3 آلاف متر، مما جعل الوصول إليها شديد الصعوبة عبر العقود.
يستذكر كامران قرداغي مستشار الرئيس العراقي الراحل جلال طالباني، رحلته المضنية مشيًا عام 1974 من بلدة رانية لعبور سبعة مرتفعات نحو معاقل قنديل النائية، بالقول إن تلك الجبال “حصن طبيعي”، من الصعب اختراقه برًا، لكن يسهل الدفاع عنه بالنسبة للمتحصنين فيه.
وأدّى انعدام الطرق المعبدة وخطورة التضاريس في تلك المنطقة إلى خلق ملاذ آمن للمجموعات المتمردة بعيدًا عن متناول جيوش الدول الثلاث.
هذا الموقع الحدودي خارج السيطرة المركزية المباشرة وفّر فراغًا أمنيًا استغلته حركات التمرد، فعلى مدى عقود، لم تستطع الحكومات العراقية المتعاقبة بسط نفوذ كامل على قمم قنديل بسبب بعدها وعزلة قراها.
وبعد عام 1991، أصبحت المنطقة ضمن إقليم كردستان شبه المستقل، ما يعنى عمليًا هامشًا أوسع لنشاط المسلحين نظراً لحساسية تدخل بغداد وأربيل في عمق الجبال.
كل هذه العوامل الجغرافية والسياسية مهّدت لتحوّل قنديل إلى قاعدة خلفية مثالية لحرب عصابات طويلة الأمد، وهو ما أدركه مقاتلو حزب العمال الكردستاني مبكرًا.

صعود حزب العمال إلى قمم قنديل
مع اندلاع حرب الخليج الأولى وانتفاضة أكراد العراق ضد نظام صدام حسين عام 1991، وجد حزب العمال الكردستاني (PKK) الفرصة سانحة للتوغل إلى قنديل مستغلاً حالة الفراغ والفوضى.
يؤكد قرداغي – الذي عايش تلك الفترة – أن مقاتلي الحزب وصلوا أول مرة عام 1991 وعززوا وجودهم بعد عام 1992، حيث تسلّلت مجموعات منهم عبر الحدود الإيرانية واستقرت نهائيًا في الجبال.
خلال فترة التسعينيات، انخرط الحزب في مناوشات دامية مع قوات الحزبين الكرديين المحليين (الاتحاد الوطني الكردستاني بزعامة جلال طالباني، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني) التي حاولت كبح تمدده بضغط من تركيا وإيران.
إحدى أعنف تلك المواجهات وقعت عام 1997، حين شنت أطراف كردية محلية بدعم إقليمي حملة على معاقل الحزب في قنديل أدت لاستسلام نحو 2000 من مقاتليه مؤقتًا. لكن سرعان ما تمكّن فلول الحزب من العودة إلى الجبال عبر مسارات تهريب معقدة بعد زوال الضغط العسكري، ليعودوا إلى ذات الكهوف التي أُخلوها.
مع نهاية التسعينيات، حسم حزب العمال خياره الإستراتيجي بجعل قنديل مقر القيادة الرئيسي. وبعد اعتقال أنقرة زعيمه عبد الله أوجلان عام 1999، تولّى قيادة الحركة مجموعة من رفاقه اختاروا الإقامة الدائمة في المنطقة بعيدًا عن متناول السلطات التركية وأبرزهم مراد قره يلان وجميل بايك ودرهان كلقان، الذين يُعرفون جماعيًا باسم “قيادة قنديل”، وجلّهم أكراد من مواليد تركيا.
وتحت إشرافهم، تطور الحزب من مجموعة ماركسية سرية إلى تنظيم ذي أيديولوجيا خاصة تُعرف بـ”الكونفدرالية الديمقراطية” التي استلهمها أوجلان خلال سنوات سجنه. كما أعادوا هيكلة الحركة ضمن مظلة تنظيمية أوسع هي اتحاد مجتمعات كردستان (KCK)، جامعًا فصائل كردية مسلحة عدة في تركيا وسوريا وإيران والعراق بقيادة مركزية من قلب قنديل.
لم يقتصر دور قنديل على احتضان مقاتلي بي كا كا الأتراك فحسب؛ بل أصبح ملاذًا لجماعات كردية مسلحة أخرى مرتبطة به فكريًا. فابتداءً من 2004، اتخذت حزب الحياة الحرة (PJAK) – الجناح الإيراني للـPKK – من جبال قنديل مقرًا لتدريب مقاتليه وشن التمرد داخل إيران.
وبالمثل، وجدت كوادر من وحدات حماية الشعب الكردية السورية ملجأً أو تدريبًا في قنديل خلال بدايات تكوينها، وبذلك تحولت تلك الجبال إلى خزان كردي عابر للحدود، يجمع مقاتلين من تركيا والعراق وسوريا وإيران تحت راية هدف قومي مشترك.
وقد قدّرت مجموعة الأزمات الدولية عدد المقاتلين المتمترسين في جبال قنديل بحوالي 7000 عنصر بحلول السنوات الأخيرة، مما يعكس ضخامة البنية العسكرية التي شُيدت هناك.
قنديل تتحول إلى عقدة إقليمية
أصبحت جبال قنديل رمزًا لتحدي الدول الإقليمية، وساحة صراع بالوكالة أحيانًا بين تلك الدول والجماعات الكردية. تركيا تعتبر قنديل منذ عقود “بؤرة إرهاب” تنطلق منها هجمات PKK على أراضيها، ولذلك لم تتوانَ عن قصفها جويًا بشكل منتظم.
وفي أكثر من مناسبة، لوّح القادة الأتراك باجتياح بري للمنطقة؛ أبرزها في منتصف 2018 حين صرّح الرئيس رجب طيب أردوغان أنه سيتم “تجفيف مستنقع الإرهاب في قنديل” ورفع العلم التركي هناك.
بالفعل، توغلت قوات تركية في عمليات محدودة داخل شمال العراق، إلا أن السيطرة على قنديل بالكامل ظلت هدفًا صعبا. ويُرجع خبراء ذلك إلى كونها عملية عسكرية طويلة الأمد تفوق طاقة الجيش التركي الذي كان منشغلات بجبهات أخرى أبرزها سوريا.
مع ذلك، غيّرت أنقرة تكتيكاتها مؤخرًا وأقامت قواعد صغيرة داخل العمق العراقي واستخدمت الطائرات المسيّرة لاستهداف قيادات الحزب حتى في جيوب بعيدة، مما ضيق الخناق عليهم وكسر شعورهم بالأمان الذي وفّرته تضاريس قنديل سابقًا.
على الجبهة الشرقية، تعتبر إيران أيضًا وجود المقاتلين الأكراد في قنديل تهديدًا لأمنها. فحزب PJAK الإيراني المتمركز هناك خاض مواجهات دامية مع الحرس الثوري خلال العقدين الماضيين. وكثيرًا ما ردّت طهران بقصف مدفعي عبر الحدود استهدف مرتفعات قنديل، متسببة بإخلاء قرى كردية عراقية من سكانها.
إلى جانب تركيا وإيران، تمتد تعقيدات ملف قنديل إلى الساحة السورية. فلطالما اعتبرت أنقرة أن وحدات حماية الشعب (YPG) في سوريا ليست سوى امتداد لحزب العمال في قنديل.
خلال الحرب السورية، أقام قادة PKK في قنديل صلات وثيقة مع قيادة الوحدات الكردية هناك، وبرز اسم القيادي في الحزب باهوز أردال كداعم وموجّه لاستراتيجيات الأكراد في سوريا. وهكذا باتت تلك الجبال عقدة مترابطة الخيوط في نزاعات الإقليم.
كيف يعيشون داخل الجبال؟
داخل المغاور والمخيمات المنتشرة في ثنايا قنديل، نشأ عبر السنين مجتمع مصغر للمقاتلين له قوانينه وقيمه الخاصة، بعيدًا كل البعد عن الحياة المدنية. تصف شهادات المنشقين سابقًا عن الحزب الحياة كالتالي:
- يعيش المقاتلون والمقاتلات في ثكنات منعزلة، يتلقون تدريبات أيديولوجية يومية على فكر أوجلان.
- منظومة خدمات ذاتية: مدارس ومعسكرات تدريب ومشافٍ ميدانية وإعلام مركزي وحتى محاكم داخلية.
- “عالم تحكمه أنظمة صارمة” أشبه بالعيش في نسخة واقعية من مسلسل “لعبة الحبار”.
- يخضع الأفراد لـ”قانون الجبل” الذي يفرض عقوبات قاسية على أي تجاوز أو محاولة انشقاق.
- تؤكد مصادر من داخل الحزب أن زنزانات العقاب الانفرادية نادرًا ما تكون خالية في معسكرات قنديل.
- عثمان شقيق عبد الله أوجلان سُجن انفراديًا 3 أشهر في قنديل لمجرد اقتراحه إصلاحات هيكلية عام 2007.
- تتبنى قيادة قنديل نمطًا معيشيًا يهدف إلى فصل المقاتلين عن مغريات الحياة المدنية.
- العلاقات العاطفية والزواج محظورة تمامًا بين أعضاء الحزب داخل الجبل كونها “تشتت الانتباه وتقوض الانضباط”.
- هناك دليل داخلي صريح يعتبر “العاطفة نقطة ضعف” لا تليق بـ”الثوري الملتزم”.
اليوم، ورغم نسائم السلام التي هبّت مع مبادرات 2025 بحل الحزب، تبقى جبال قنديل عنوانًا غامضًا. فهذا الحصن لا يزال يمثّل عقدة صعبة في مسار تسوية الملف الكردي وخاصة مع عدم نزول المقاتلين من الجبل وعدم وجود حل نهائي لدمج الأكراد المسلحين في سوريا.
ومع حديث الكثيرين عن إمكانية إنهاء الصراع، يظل السؤال قائمًا: هل يشهد العالم يومًا ما نزول آخر المقاتلين من قمم قنديل وطي صفحة “حرب الجبل”؟ أم أن التضاريس السياسة والمصالح ستكون أكثر وعورة من جبال قنديل نفسها، لتُبقي جذوة الصراع متقدة تحت رماد هدنة مؤقتة؟