“لقد استيقظ العالم الإسلامي اليوم من سباته العميق الذي دام مائة عام، وأصبحنا جميعًا على يقين بأنه حين نتحد ندرك ما نحن قادرون على تحقيقه”، لا يُعدّ هذا التصريح لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان مجرّد كلام منمّق اعتاد المسؤولون إطلاقه، بل يحمل دلالة واضحة على ملامح تغيّر موازين القوى وإعادة التموضع الإقليمي لتركيا إلى جانب عدد من دول المنطقة، في مواجهة الخطر الإسرائيلي المتنامي تحت مظلة حماية أمريكية.
وتتضح الصورة أكثر عند النظر إلى السياق الزمني للتصريح؛ فقبل ساعات قليلة فقط، كشفت وكالة “بلومبرغ” الأمريكية عن سعي أنقرة إلى الانضمام إلى التحالف الدفاعي المشترك بين السعودية وباكستان، الذي وُقّع في أيلول/سبتمبر الماضي، وأكدت مصادر مطّلعة للوكالة أن المفاوضات وصلت إلى مراحل متقدمة، وأن التوصل إلى اتفاق بات أمرًا مرجّحًا للغاية.
يأتي ذلك في ظل احتدام المواجهة التركية–الإسرائيلية على عدة جبهات، كان آخرها الساحة الصومالية، بعد أن سبقتها ملفات فلسطين وسوريا وشرق المتوسط وقبرص، ما جعل أنقرة تتحول إلى “العدو الثاني” لـ”إسرائيل” بعد إيران، وهو ما دفع تل أبيب إلى تنويع شراكاتها الأمنية بدلًا من الاعتماد الحصري على المظلة الأمريكية، الراعية لانتهاكاتها وتماديها المتعجرف في المنطقة، وفي هذا السياق تحديدًا، يمكن فهم مساعي أنقرة للانضمام إلى التحالف السعودي–الباكستاني.
لكن السؤال المطروح: كيف يمكن لهذه الاتفاقية أن تسهم في تعزيز موقع تركيا الإقليمي؟ وما الذي يمكن لأنقرة تحقيقه عسكريًا واقتصاديًا من خلال هذا الانضمام؟ وهل يمكن أن تتطور هذه الاتفاقية لاحقًا لتشمل دولًا أخرى، فتتحول إلى تحالف عربي–إسلامي فاعل، يُحسب له حساب في معادلات السياسة العالمية؟
ما الاتفاقية؟
تبدأ الإجابة الفعلية للأسئلة المطروحة أعلاه، من الاتفاقية وبنودها، فلا يمكن فهم أهمية انضمام تركيا للتحالف الدفاعي بين السعودية وباكستان دون تسليط الضوء على الاتفاقية كنقطة تحوّل تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية في المنطقة وتوجه رسائل ردع مزدوجة لـ”إسرائيل” والهند.
ففي 17 أيلول/ سبتمبر الماضي، وبشكل مفاجئ، وقع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في العاصمة الرياض، اتفاقية الدفاع الاستراتيجي بين البلدين التي وصفت بالتاريخية، ورغم أن مثل هذه الاتفاقيات تستغرق سنوات للتحضير لها، إلاّ أن توقيتها الذي جاء بعد أسبوع من الهجوم الإسرائيلي على الدوحة حمل دلالات غير مباشرة.
مع ذلك حرصت الرياض على نزع الطابع الظرفي عن الاتفاق، إذ أكد مسؤول سعودي، لوكالة رويترز، أن الاتفاق جاء تتويجاً لسنوات من المفاوضات، مشددًا أنه ليس رداً على دول أو أحداث معينة، بل هو إضفاء الطابع المؤسسي على تعاون طويل الأمد وعميق بين البلدين.
ويكمن جوهر الاتفاق في أنه نص صراحة على أن “أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما” وفق البيان المشترك الذي أكد أن الاتفاقية تهدف إلى “تطوير جوانب التعاون الدفاعي بين البلدين، وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء”.
وبموجب الاتفاقية حصلت المملكة العربية السعودية على المظلة النووية الباكستانية، بحسب ما نقلت وكالة فرانس برس عن مسؤول سعودي، الذي أكد أن “النووي جزء أساسي من الاتفاق”، مشيرًا إلى أن المملكة قدمت دعمًا ماليًا لبرنامج باكستان النووي في فترة تعرضها للعقوبات.
View this post on Instagram
ويمكن تلخيص الأهمية الاستراتيجية لهذه الاتفاقية في النقاط التالية:
- تكامل استراتيجي: فهي تجمع بين القوة المالية السعودية من جهة ونفوذها السياسي بالمنطقة فضلًا عن رمزيتها الدينية ومن جهة أخرى القدرات العسكرية الباكستانية كونها القوة النووية الإسلامية الوحيدة، وسابع أكبر قوة نووية وتحتل موقعًا ضمن أبرز عشر قوى عسكرية حول العالم ما يضفي على الاتفاقية وزنًا أكبر على المستوى الإقليمي والدولي.
- ردع مزدوج: تشير الاتفاقية إلى توجه الرياض إلى تنويع شركائها الأمنيين في مواجهة ما تعتبره تراجعًا أو عدم موثوقية في الالتزام الأميركي بأمن الخليج، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية التي استهدفت دولًا خليجية لتمثل رسالة ردع واضحة لإسرائيل ردًا على تماديها، وفي الوقت نفسه، أثارت الاتفاقية قلقًا عميقًا لدى الهند، الخصم التاريخي لباكستان، خاصة أنها جاءت في توقيت حسّاس وقّعتها فيه إسلام آباد مع السعودية، الدولة التي تربطها بنيودلهي علاقات سياسية واقتصادية قوية، وذلك في وقت كانت الهند تلوّح بإمكانية القيام بعمل عسكري.
- شراكة مستدامة: يمثل التحالف بين البلدين فرصة للتعاون في مجال الصناعات العسكرية وتوطين التكنولوجيا الدفاعية، وتطوير الصناعات المرتبطة بالفضاء والأمن السيبراني، خاصة وأنه ينسجم مع رؤية السعودية 2030 ويخفف من أعباء الإنفاق العسكري الباكستاني في ظل اقتصاد منهك منذ عقود، وبالتالي تتحول الاتفاقية إلى شراكة استراتيجية مستدامة قادرة على التكيُّف مع الضغوط المالية أو السياسية مستقبلًا.
انضمام تركيا: انسجام هوياتي وتعزيز للردع
انضمام تركيا إلى الاتفاقية سيُضفي عمقًا استراتيجيًا أكبر؛ إذ لا تقتصر مكانة أنقرة على كونها ثاني أكبر قوة عسكرية في حلف الناتو، بل إنها كرّست خلال العقد الأخير حضورها كقوة إقليمية صاعدة ذات تأثير في ملفات مفصلية، كما حققت قفزات نوعية في الصناعات العسكرية وراكمت خبرات تشغيلية متقدمة، ما يجعل شراكتها مع السعودية وباكستان، ولا سيما على صعيد نقل الخبرات والتقنيات الدفاعية، موضع اهتمام لكلا البلدين.
في المقابل، ينبع سعي أنقرة لحجز مقعد ضمن هذا التحالف من طبيعة المكاسب المتوقعة من الانضمام، وفي هذا السياق، يؤكد المحلل السياسي المختص بالشأن التركي محمود علوش، في حديث لـ”نون بوست”، أن الخطوة ستعود على تركيا بفوائد متعددة المستويات، فعلى الصعيد الجيوسياسي، من شأنها أن تعزّز دورها الإقليمي عبر الانخراط في إطار يجمع ثلاث قوى وازنة في العالم الإسلامي بهوية متقاربة وتكامل نوعي في مصادر القوة والتأثير،تركيا بوصفها دولة أطلسية مسلمة ذات قدرات عسكرية واقتصادية صاعدة، والسعودية باعتبارها مركز الثقل في العالمين العربي والإسلامي، وباكستان كقوة إسلامية نووية.
ويضيف علوش أن هذا التقاطع الاستراتيجي ينسجم أيضًا مع شبكة المصالح التركية، سواء مع السعودية في الشرق الأوسط وإفريقيا، أو مع باكستان في جنوب آسيا.
على المستوى العسكري، من شأن التحالف أن يوسّع ويعمّق التفاعلات العسكرية بين تركيا وكلٍّ من السعودية وباكستان، ولا سيما في مجال الصناعات الدفاعية التركية، ويرجّح محمود علوش أن تطمح أنقرة إلى انخراط سعودي في تمويل مشاريع الصناعات الدفاعية التركية، فضلًا عن سعيها إلى أن تصبح المورّد الرئيسي للسلاح لكل من الرياض وإسلام آباد.
ويرى أن التعاون العسكري لا يُعد هدفًا بحد ذاته، بل يشكّل بوابة لشراكة أوسع تمتد إلى المستويين الاقتصادي والتكنولوجي، بما يعزز تكامل الصناعات العسكرية بين الدول الثلاث.
غير أن ما يميّز هذا التحالف، لا يقتصر على كونه إطارًا لتأسيس شراكات استراتيجية متعددة المستويات، بل يكمن أساسًا في كونه استجابة مباشرة للتحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والنظام الدولي، إذ صُمّم التحالف للتعامل مع التغيرات الجيوسياسية العالمية، في ظل اشتداد المنافسة بين القوى الكبرى، بما يفتح هامشًا أوسع أمام القوى المتوسطة – مثل تركيا والسعودية وباكستان – لتعزيز حضورها في الجغرافيا السياسية الإقليمية، وملء الفراغات التي تخلّفها هذه المنافسة.
ويشير علوش إلى أن أحد أبرز الدوافع الجيوسياسية التي تحفّز تركيا على الانخراط في هذا النوع من التحالفات هو تصاعد التنافس مع “إسرائيل”، فالتحالف يوجّه رسالة ردع غير مباشرة إلى تل أبيب، خصوصًا في ظل الفراغات الأمنية التي بدأت تتشكل في الشرق الأوسط وأفريقيا خلال السنوات الأخيرة، والتي وفّرت لإسرائيل هامشًا للتحرّك والتمدد في مناطق تُشكّل عمقًا استراتيجيًا لكل من تركيا والسعودية.
كما يلفت إلى أن مشاريع التقسيم التي تنشط فيها إسرائيل في المنطقة العربية تستهدف، بدرجات متفاوتة، محاصرة هذين البلدين؛ فالمشروع الإسرائيلي في سوريا يضغط على تركيا، في حين أن التحركات في اليمن والصومال والطموحات المرتبطة بالوجود في البحر الأحمر تمسّ بصورة مباشرة المصالح السعودية.
ومع ذلك، يؤكد الباحث، أن هذا التحالف لا يتجه نحو صدام مباشر مع إسرائيل، بل صُمّم أساسًا لحماية مصالح الدول المنضوية فيه، ولتقديم إطار تعبيري عن مصالح العالم الإسلامي في مواجهة التحديات الإقليمية والدولية المتعاظمة.
تحالف دفاعي إسلامي أم ناتو عربي؟
حظيت الاتفاقية بين السعودية وباكستان باحتفاء واسع في الأوساط العربية، وهو ما تكرّر مع الأنباء المتداولة عن قرب انضمام تركيا إليها، ومن أبرز ردود الفعل التي سلّطت الضوء على أهمية هذه الخطوة، دعوة وزير الخارجية القطري الأسبق حمد بن جاسم آل ثاني إلى توسيع نطاق التحالف ليشمل مصر ودولًا خليجية أخرى.
إذ أكد، في تغريدة له على منصة “إكس”، أن “قيام حلف سعودي–باكستاني–تركي–مصري كان منذ زمن طويل، وما يزال، حاجة ملحّة للجميع لحفظ المصالح وتعزيز قوة دولنا في مواجهة التغيّرات المتسارعة في سياسات دول التحالف الغربي، ولا سيما الولايات المتحدة”، داعيًا الدول الخليجية إلى الانضمام إلى هذا الحلف دون تأخير.
كما شدّد على ضرورة أن يقوم التحالف على منظور عملي ومستدام لا يقتصر على استجابات موسمية أو ظرفية، بما يثبت جدارته بالبقاء، مشيرًا إلى أهمية “وضع نظام أساسي مُحكم ومدروس بعناية، يشكّل ميثاقًا تلتزم به جميع الدول الموقعة”.
اتفاقية الدفاع الاستراتيجي المشترك الذي وقعته المملكة العربية السعودية وباكستان في سبتمبر 2025، والذي قد تنضم إليه تركيا يعتبر في رأيي خطوة مهمة لحفظ هذه المنطقة وتقوية أوضاعها، بما فيها من كيانات عربية ومسلمة.
فقيام حلف سعودي باكستاني تركي مصري كان منذ زمن طويل وما زال، حاجة…
— حمد بن جاسم بن جبر (@hamadjjalthani) January 11, 2026
وفي السياق ذاته، توقّع الخبير العسكري أسامة كبير انضمام دول عربية جديدة إلى الاتفاقية، وفي مقدمتها مصر، التي تربطها بباكستان علاقات تعاون وثيقة على المستويات العسكرية والاقتصادية والتجارية، فضلًا عن وجود علاقات قوية بين القيادتين السياسيتين في البلدين، وذلك في ظل التهديدات المتصاعدة التي تشهدها المنطقة.
ويرى كبير أن تشكيل تحالف عسكري واسع يضم مصر والسعودية وباكستان وتركيا بوصفها من أكبر القوى العسكرية في العالمين العربي والإسلامي، من شأنه أن يُحدث تحولًا جوهريًا في الخريطة الجيوسياسية لكل من الشرق الأوسط وجنوب آسيا، ويعزّز من قدرة التحالف الإسلامي على مواجهة التهديدات الإقليمية.
ورغم أن الاتفاقية السعودية–الباكستانية، التي قد تنضم إليها تركيا، يمكن أن تشكّل نواة لهيكل دفاعي جماعي عربي أو إسلامي في المستقبل، فإنها لا تزال بعيدة عن نموذج “الناتو العربي الذي طالما تعثّر الوصول إليه. ويظل ذلك مرهونًا بقدرة الاتفاقية على التطور إلى كيان متعدد الأطراف شبيه بحلف الناتو، قادر على تحديد سيناريوهات الرد الجماعي، وتوضيح موقع الردع النووي، وتجاوز تعقيدات السياسة الإقليمية.
وعلى الرغم من وجود التزامات تُشبه من حيث المبدأ تلك المنصوص عليها في ميثاق الناتو، فإن الاختلافات الجوهرية تبقى واضحة، أولها أن الاتفاق يترك نطاق الاستجابة الجماعية فضفاضًا وغير محدد؛ فعلى عكس المادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تُلزم الأعضاء بالتحرك في حال وقوع “هجوم مسلح”، وتُحدّد المادة السادسة بدقة نوع الهجوم المشمول بهذا الالتزام، لا يتضمن الاتفاق السعودي–الباكستاني تعريفًا مماثلًا.
وثانيها أن الاتفاقية لا تتطرّق إلى مسألة الردع النووي؛ ففي حين شكّلت الأسلحة النووية، منذ وثيقة اللجنة العسكرية لحلف الناتو رقم MC/48 الصادرة عام 1954، وحتى أحدث مفاهيمه الاستراتيجية، حجر الأساس في ضمانة الأمن المتبادل المنصوص عليها في المادة الخامسة، يغيب هذا البعد تمامًا عن نص الاتفاق الحالي.
