في بلد أنهكته سياسات الإنكار وخطابات الهوية المغلقة والخوف المتبادل الذي تراكم حتى صار وعيًا يوميًا، يغدو الكلام نفسه فعلًا أخلاقيًا، حاملًا معنى آخر، إذ يكسر الصمت، ويفتح مجالًا للاختلاف، ويؤكد أن الإصغاء إلى الآخر لا يفرض تبنّي رأيه، على العكس يعترف، بحقه في أن يُسمَع.
في هذا الحوار مع الكاتب والناقد هيثم حسين نفتح مساحة للتفكير المشترك في القضية الكردية كمسألة دولة ومواطنة، ويُناقش فيها التاريخ واللغة والذاكرة والأدب كعناصر حيّة وأساسية في تشكيل الوعي السوري. ونبحث مع الكاتب إمكانات الشراكة الوطنية، وفي دور القانون والثقافة والسرد في إعادة فتح المجال العام على أساس الاعتراف المتبادل، وفي اختبار قدرة الأدب على قول ما عجزت السياسة عن قوله، وعلى إعادة الإنسان إلى مركز الحكاية بعد أن كان على الهامش زمنًا طويلًا.
هيثم حسين كاتب وروائي وناقد سوري كردي، من مواليد عامودا – الحسكة عام 1978، يقيم في لندن، وهو عضو جمعية المؤلفين في بريطانيا ونادي القلم الإسكتلندي، ويعمل محررًا في صحيفة العرب الدولية الصادرة في لندن، كما أسّس ويدير موقع الرواية نت. له عدد من الروايات والدراسات النقدية، وقد تُرجمت أعماله إلى لغات عدّة.
ماذا تعني بـ”الحق الكردي” في السياق السوري؟
الحقّ الكرديّ في السياق السوريّ يعني، قبل أي شيء أن لا يوضَع بين قوسين، لأنّه حقّ جماعة وطنية أصيلة في أن تُعامَل داخل الدولة والمجال العام على أساس المواطنة المتساوية، من دون إنكار لاسمها، ولا تبخيس للغتها، ولا نزع لكرامتها القانونية والسياسية، هذا الحق له طبقات متراكبة، تبدأ من المستوى القانوني، ولا تتوقف عنده.
الحق الكرديّ يعني حقًا في الهوية، يعني أن يكون الكردي قادرًا على قول “أنا كردي سوري” من دون أن يُقرأ ذلك كتهديد، أو كخطأ سياسي، أو كعيب ثقافي. ويعني حقًا في اللغة، أن تُعامل الكردية كلغة حيّة داخل التعليم والثقافة والإعلام، وأن تُرفع عنها وصاية المنع والتجريم التي عاشتها عقودًا طويلة تحت حكم البعث وحافظ وابنه.
والحق الكردي يعني أيضًا حقًا في المواطنة الكاملة، حقّ الجنسية، وحقّ التسجيل، وحقّ الوثائق، وحقّ التملّك والعمل والتنقل، حين تُسحب الجنسية أو تُقيّد على أساس إثني، تصبح الدولة جهاز عقاب جماعي. تجربة إحصاء الحسكة الاستثنائي عام 1962 مثال صارخ على تحويل السياسة إلى أداة تجريد قانوني واسع النطاق، إذ جرّد مئات الآلاف من الكرد من الجنسية وتركهم في حالة انعدام جنسية امتدت إلى الأبناء والأحفاد.
ثم هناك حقّ المشاركة العادلة، حقّ التمثيل السياسي والإداري، وحقّ الوصول إلى مؤسسات الدولة على أساس الكفاءة، لا على أساس هوية مُدانة سلفًا. ومعنى الحق الكردي هنا يتصل أيضًا بحقّ الذاكرة، الاعتراف بما وقع من سياسات تعريب وتغيير ديمغرافي وتضييق ممنهج، وما ترتب عليها من ندوب اجتماعية عميقة، ومنها مشروع “الحزام العربي” وما رافقه من اقتلاع وتوطين قسري وتفريغ للمكان.
ومن الضروري التأكيد هنا على أنّ الحديث عن الحقّ الكرديّ لا يجب أن يقوم على البحث عن اختراع صيغ جديدة خارج الأطر المعروفة. ما يُطرح يدخل صلب ما تكفله قوانين حقوق الإنسان، وما أقرّته الشرائع الدولية، والمواثيق الأممية، بما فيها الحقّ في الهوية، واللغة، والثقافة، والمشاركة السياسية، وعدم التمييز، والحقّ في تقرير المصير وفق صِيَغه المعترف بها دوليًا. هذه الحقوق لا تكون محلّ اجتهاد محلي، أو رهينة مزاج سياسي، وقد وُضعت أسسها تاريخيًا بعد كوارث كبرى شهدها العالم، تحديدًا لحماية الجماعات من الإقصاء والإنكار.
القانون الدولي واضح في هذا المجال، من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إلى العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وصولًا إلى المبادئ الناظمة لحقّ الشعوب في تقرير مصيرها.
لا حاجة للبحث عن صيغ ملتوية، أو لاختراع حلول رمادية، طالما أنّ المرجعيات القانونية قائمة ومكرّسة، المشكلة في السياق السوري لم تكن يومًا غياب النصوص أو غموض المفاهيم، وإنما غياب الإرادة السياسية لاحترام هذه القواعد، وتحويل الدولة إلى أداة إنكار بدل أن تكون ضامنًا للحقوق.
من هذا المنظور، فإنّ أي حديث جادّ عن شراكة وطنية أو عقد اجتماعي جديد في سوريا لا يمكن أن يتجاوز هذه المرجعيات، ولا أن يختزل الحقوق في تسويات ظرفية أو تنازلات مؤقتة.
الحقوق ليست هبة من السلطة، أو وسيلة مقايضة بالولاء، وإنما تُصان بالقانون، وأي محاولة للالتفاف على هذا المبدأ تعيد إنتاج الأزمة نفسها، حتى وإن تغيّرت اللغة أو الوجوه. لذا فإنّ الحقّ الكرديّ عنوان لإعادة بناء دولة مشتركة على قاعدة مساواة حقيقية، تتسع للتعدد، وتحميه.
ما تقييمك، كمثقف وكاتب سوري كردي، للمرسوم رقم 13؟ وإلى أي مدى ترى أنه يلبّي أو ينسجم مع ما تحدّثتَ عنه في إجابتك للسؤال الأول؟
ما يلفتني في المرسوم رقم 13 أنه يصدر في لحظة سياسية مضطربة، ويعكس محاولة رسمية لإعادة ضبط الخطاب تجاه الكُرد بعد عقود من الإنكار، من هذه الزاوية يحمل قيمة رمزية لا يمكن تجاهلها، لأنّه يكسر صمتًا طويلًا، ويعيد الاعتراف بالكُرد جماعة وطنية أصيلة، ويقرّ بالهوية الثقافية واللغوية، ويعيد فتح ملف الجنسية المرتبط بإحصاء 1962. هذه النقاط تتقاطع مع ما طرحته هنا حول جوهر الحق الكرديّ باعتباره حقًا في الاسم، وفي اللغة، وفي الوجود القانوني داخل الدولة.
مع ذلك، يظل الانسجام مع مفهوم الحق الكردي محدودًا، الحق الذي تحدثت عنه يقوم على المواطنة المتساوية المضمونة بالقانون والدستور، وعلى تحويل الاعتراف إلى بنية مؤسساتية مستقرة. أنا لست متخصّصًا في القانون لكن أعتقد أنّ المرسوم بصيغته الحالية يقدّم اعترافًا سياسيًا عامًا، غير أنّه لا ينقل هذا الاعتراف إلى مستوى الضمان الدستوري ولا إلى منظومة حقوق قابلة للحماية القضائية، هنا يظهر الفارق بين الاعتراف الرمزي وبين إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والكرد على قاعدة قانونية متينة.
في ملف اللغة، توصيف الكردية لغة وطنية خطوة متقدمة مقارنة بتاريخ طويل من المنع والتجريم، غير أنّ حصر تعليمها في إطار اختياري أو ثقافي يُبقيها خارج قلب النظام التعليمي. هذا يتناقض مع ما طرحته حول الحق في اللغة كونه جزءًا من المجال العام، ومن التعليم والإعلام والإدارة المحلية.
في ما يخص الجنسية، المرسوم يقترب أكثر من جوهر الحق الكردي، لأنه يعالج إحدى أعمق أدوات الإقصاء التي مورست بحق الكرد، إنهاء آثار إحصاء 1962 ينسجم مع مبادئ القانون الدولي المتعلقة بمنع انعدام الجنسية وضمان المساواة القانونية.
والنقطة التي أراها لا تقلّ وزنًا عن المرسوم نفسه هي التنفيذ، تاريخ الدولة السورية مع المراسيم يجعل الحذر ضرورة أخلاقية وسياسية. بشار الأسد الساقط أصدر عشرات المراسيم التي حملت عناوين إصلاحية وحقوقية، وتحولت في الواقع إلى أوراق بلا أثر، لأن السلطة التنفيذية تعاملت مع القانون كأداة خطابية لا كالتزام فعلي تجاه المجتمع.
معيار الجدية اليوم يكمن في الأسئلة العملية: أي أجهزة ستتولى التنفيذ؟ أي جداول زمنية ستُعتمد؟ هل ستُنشأ لجان مستقلة لمعالجة ملف الجنسية؟ كيف ستُعاد صياغة المناهج لإدخال الكردية في التعليم النظامي؟ كيف سيُترجم خطاب التنوع إلى سياسات إعلامية وإدارية ملموسة؟ من دون هذه الأدوات يبقى الاعتراف معلقًا في المجال الرمزي.
إضافة إلى ذلك، يغيب عن المرسوم البعد السياسي والمؤسساتي للحقوق، لا حديث عن المشاركة العادلة في مؤسسات الدولة، ولا عن اللامركزية الإدارية، ولا عن تمثيل الكرد في مراكز القرار. وهذه عناصر جوهرية في مفهوم الحق كما طرحته سابقًا، وكما تؤكد المعايير الدولية الخاصة بحقوق الأقليات التي تربط الاعتراف الثقافي بضمانات المشاركة في الحياة العامة.
الانسجام الحقيقي الذي نأمل به يحتاج انتقالًا من سياسة الاعتراف الجزئي إلى مشروع دستوري شامل يعيد تعريف الدولة كدولة مواطنة متعدّدة، تحمي الحقوق بالقانون، وتربط النصوص بالمؤسسات، وتربط الرمزية بالممارسة.
كيف ومتى بدأت تتكوّن النزعات العرقية في سوريا، وإلى أي مدى أسهمت سياسات نظام الأسد في تعميق هذا الشرخ وتوسيعه؟
النزعات العرقية في سوريا لم تبدأ مع الأسد فقط، لكنها تصلّبت وتحوّلت إلى بنية حكم في زمن البعث وحافظ وابنه، قبل ذلك، كانت هناك حساسيات ومنافسات اجتماعية، وتوتّرات محلية، وتحوّلات اقتصادية تُنتج نزاعات، غير أنّ الدولة الحديثة حين تُبنى على فكرة أحادية للهوية، ثم تُدار بعقل أمني، تتحول هذه الحساسية إلى ماكينة فرز.
قدّم البعث سردية قومية عربية ذات نزعة إقصائية شوفينيّة تجاه التعدّد، ثم جاء النظام الأسدي فحوّل هذه النزعة إلى سياسة يومية في التعليم، في الإدارة، في الأمن، في تعريف “الوطن” نفسه. يكفي التوقف عند اللغة الرسمية للدولة، حيث دساتير سوريا الحديثة كرّست العربية لغة رسمية وحيدة، مع غياب ضمانات عملية للغات المكوّنات الأخرى، هذا وحده لا يشرح كل شيء، لكنه يفتح الباب لفهم عقل الدولة حين تنظر إلى التعدّد على أنه عبء.
من أسوأ وأخطر ما فعله النظام الأسدي أنه حوّل الانتماء القومي إلى نقطة اشتباه أمني، يُطالب الكردي بإثبات ولائه أكثر من غيره، ويُقرأ أيّ نشاط ثقافيّ أو فنّيّ له كإشارة سياسية. وفي الوقت ذاته، جرى إنتاج “ثقافة عامة” تهمّش الكُرد وتغيبهم عن الحياة العامّة، فمناهج تعليم تتجاهل وجودهم، وإعلام يختصرهم في صورة نمطية، وخطاب نخبويّ ينظر إلى ثقافتهم من أعلى أو يعاملها كحاشية.
إحصاء 1962 في الحسكة جاء قبل حكم حافظ الأسد، غير أنّ النظام الأسديّ ورثه ووسّع آثاره، ثم استخدم ملف انعدام الجنسية كأداة ضبط واستتباع، قبل أن يُقدّم حلًا جزئيًا في 2011 عبر منح الجنسية لجزء من الفئة المتضرّرة، في سياق سياسي معروف، وليس في إطار عدالة انتقالية أو تصحيح جذريّ. أما “الحزام العربي” وغيره من سياسات التعريب وتغيير البنية السكانية في الجزيرة، فهذه ليست تفاصيل تاريخية هامشية، وإنما هي تعبير عن عقل دولة يريد إعادة تشكيل المكان، ومعه إعادة هندسة السكان والذاكرة واللغة.
وقد تعمّق الشرخ لأنّ النظام لم يكتفِ بإقصاء الكرد، لكنّه تمادى في ذلك وصاغ داخل المجتمع السوري تعليمًا شوفينيًا خرّج أجيالًا تُعامل الكرديّ كغريب داخل وطنه، أو كصاحب “مطالب زائدة”. وهذا التعليم لم ينتهِ مع سقوط تنظيم “نظام الأسد” في لحظات كثيرة؛ بقاياه ما تزال تسري في الوعي، وتظهر كلّما اقترب النقاش من الحقوق، ويمكننا تلمّس تجلياته بشكل يوميّ في هذه الآونة في الإعلام الرسميّ، والعربيّ الداعم للسلطة الجديدة في سوريا.
متى تتحول القومية من إطار ثقافي يحمي الهوية إلى خطاب إقصائي؟
أعتقد أنّ القومية تتحوّل إلى خطاب إقصائي حين تتجاوز معنى “الانتماء” إلى معنى “الامتلاك”، وحين تصبح الأمة تعريفًا حصريًا للوطن، ويتحوّل المختلف إلى ضيف، أو هامش، أو خطر.
وتتحوّل إلى إقصاء حين تُستخدم لتبرير احتكار الدولة، واحتكار اللغة العامة، واحتكار التاريخ الرسمي، واحتكار الحق في تسمية البلاد ومن فيها.
القومية تتحول إلى إقصاء أيضًا حين تُغلق باب التفكير الحرّ والخلّاق، وتطالب أبناءها بالطاعة الرمزية، وتتعامل مع السؤال كشكّ واشتباه، هنا يحدث انحراف واضح، إذ تتحول الثقافة إلى جهاز تعبئة، ويتحول الوجدان إلى سلاح موجّه، وتُحاكم التجارب الإنسانية من زاوية وهم النقاء.
وفي الحالة السورية، القومية العربية حين اندمجت بالسلطة وبالأمن وبالمناهج، لم تعد إطارًا ثقافيًا؛ أصبحت لغة دولة، ثم صارت لغة قمع في لحظات كثيرة، هذا هو الفارق بين انتماء ثقافي طبيعي، وبين أيديولوجيا تصنع مواطنين بدرجات متفاوتة.
كيف يمكن للكُرد الدفاع عن لغتهم وثقافتهم وذاكرتهم دون الوقوع في تعصّب قومي؟
الخطوة الأولى تكمن في التمييز بين الدفاع عن الحقوق وبين تحويل الهوية إلى سور مغلق.
الدفاع عن اللغة والثقافة حقّ، لكنه يحتاج إلى عقل سياسي وأخلاقي، حتى لا ينزلق إلى مرآة عنيفة تشبه ما عانى منه الكُرد أنفسهم.
والدفاع الصحّي يبدأ من طرح اللغة والثقافة والذاكرة كجزء من المجال السوريّ العام، وليس كممتلك خاص، هذا يعني بناء سردية تقول إنّ حماية الكردية تقوّي سوريا، ولا تفتّتها.
تعليم الكردية، وفتح المنابر لها، ودعم نشرها، يدخل في بناء دولة تحترم نفسها، ثم يأتي دور النقد الذاتي داخل البيت الكردي، وعدم الانسياق وراء النزعات التي تحوّل الهوية إلى معيار تخوين، أو صيغة ترفض الشراكة، أو تتعامل مع العرب السوريين ككتلة واحدة.
التاريخ السوري معقّد، وفيه ضحايا كثيرون، وفيه فاعلون كثيرون، التعميم يُنتج عجزًا سياسيًا وأخلاقيًا، والدفاع الصحي يحتاج إلى أدوات مدنية ومؤسسات تعليم، وبرامج ترجمة، ونقد أدبي وفني، وتوثيق للذاكرة، وعمل قانوني منظم، وحين تصبح اللغة مشروعًا مدنيًا طويل النفس، تقلّ احتمالات انزلاقها إلى تعصّب.
كيف انعكس تغييب الكُرد عن مؤسسات الدولة السورية في عهد الأسدين على شكل مشاركتهم السياسية لاحقًا؟
حين تُقصى جماعة لعقود عن مؤسسات الدولة، لا يبقى الإقصاء سياسيًا فقط، إنّما يتحول إلى خبرة اجتماعية كاملة، حيث خوف من الدولة، وانعدام ثقة بالمركز، وشعور باللاجدوى، وانكفاء نحو شبكات محلية بديلة.
في عهد الأسدين، لم يكن تغييب الكُرد تفصيلًا إداريًا بقدر ما كان جزءًا من هندسة الولاء، ذلك أنّ الدولة كانت تقبل حضورًا فرديًا بشروط، وترفض تمثيلًا جماعيًا حقيقيًا.
أنتج هذا الوضع نتيجتين متلازمتين: ضعف المشاركة الطبيعية داخل مؤسسات الدولة، لأنّ أبوابها لم تُفتح على أساس تكافؤ، ونمو مشاركة “خارج الدولة”، أحزاب وتنظيمات وفعاليات ثقافية واجتماعية في الهامش، بعضها ناضج، وبعضها مأزوم، وبعضها وقع تحت ضغط الإقليم والصراع.
وعندما جاءت لحظة 2011 وما بعدها، ظهر أثر هذا التاريخ، حيث نظر جزء من المجتمع الكرديّ إلى المركز السوري بعين الشكّ، لأنّ السلطة لم تكن يومًا محايدة في تجربته، وفي الوقت ذاته، ظهرت حاجة ملحّة إلى حماية الذات في ظلّ انهيار الدولة وتحوّلها إلى جهاز عنف مفتوح.
هنا يجب ذكر مرحلة الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، سنوات أتاحت هامشًا للغة والثقافة والتعليم والمبادرات، وكسرت ركودًا طويلًا، وأعادت الثقة باللغة في الفضاء العام، غير أنّ هذه التجربة بقيت داخل مساحة محاصرة بالعداوات ومحاولات العزل والإقصاء، ما منعها من التحول إلى مسار ثقافي مفتوح ومتوازن مع باقي البلاد. هذا الحصار كان سياسيًا وعسكريًا واقتصاديًا ورمزيًا، وأثره واضح على استدامة الإنتاج الثقافي.
ما شكل الشراكة الوطنية التي تضمن حقوق الكرد، وتُسهم في تعزيز وحدة السوريين جميعًا؟
الشراكة الوطنية المطلوبة تقوم على قاعدة بسيطة وهي دولة مواطنة متعدّدة، لا دولة هوية واحدة، أو أنا طائفيّة منتفخة منتشية بسلطة مؤقّتة.
وهذا يعني اعترافًا دستوريًّا واضحًا بالتعدّد القومي والثقافي واللغوي، مع ضمانات تنفيذية، لا عبارات عامة، ويعني مساواة قانونية كاملة، تشمل معالجة ملفات انعدام الجنسية وآثاره معالجة نهائية عادلة.. ولامركزية إدارية حقيقية تتيح إدارة محلية منتخبة وخدمات وعدالة موارد، ضمن دولة واحدة، لا ضمن “جزر” معزولة، وشراكة في القرار السياسيّ والأمنيّ، بحيث لا يعود الانتماء سببًا للإقصاء أو الاشتباه.
ويجب التأكيد على فكرة جوهرية وهي أنّ وحدة السوريين لا تُبنى عبر إنكار الاختلاف، وإنما عبر تحويله إلى عقد سياسي وأخلاقي يحمي الجميع، كل وحدة تُفرض من جانب فوقيّ، عبر لغة قسرية أو سردية إقصائيّة، تتحوّل لاحقًا إلى كراهية موقوتة.
في مراجعتك النقدية للتجربة السورية، ما الخطأ الأعمق الذي وقع فيه الخطاب العربي السوري في تعاطيه مع المسألة الكردية؟ وفي المقابل، ما الخطأ الأكثر كلفة الذي ارتكبه الخطاب السياسي الكردي في مقاربته لفكرة سوريا كوطن جامع؟
الخطأ الأعمق في الخطاب العربي السوري تمثّل في تطبيع إنكار الكُرد وجعله جزءًا من الحسّ الوطني العام، لم يُنظر إلى المسألة الكردية باعتبارها سؤال دولة ومواطنة، وإنما جرى التعامل معها كإزعاج سياسيّ، أو كملف قابل للتأجيل، أو كعبء ينبغي احتواؤه أمنيًّا.
هذا الخطاب تعايش مع وجود الكُرد أفرادًا، وارتبك أمام وجودهم كشعب له لغة وذاكرة وحقوق عامة. الأخطر أنّه، حتى في لحظات رفعه شعارات الحرية والمعارضة، حافظ على البنية الذهنية نفسها التي أنتجتها السلطة، فطالب الكُرد بالانخراط في مشروع وطني لم يعترف بهم أصلًا، واعتبر أي طرح للحقوق القومية تهديد للوحدة. هكذا تحوّلت الوطنية إلى شرط إقصائي بدل أن تكون عقدًا جامعًا.
في المقابل، الخطأ الذي وقع فيه الخطاب السياسي الكرديّ جاء كردّ فعل حِمائي ضدّ سلطة قاهرة مارست الإلغاء والتجريد والقمع زمنًا طويلًا.
هذا الخطاب وُلد من الخوف، ومن تجربة تاريخية مع دولة تعاملت مع الكُرد باعتبارهم موضع اشتباه دائم، غير أنّ الكلفة ظهرت حين تحوّل الدفاع المشروع عن الذات إلى أفق سياسي محدود، تُدار فيه الأولويات بمنطق التحصّن أكثر من منطق الشراكة. وفي لحظات مفصلية، جرى تقديم إدارة الواقع القائم على بناء خطاب وطني واسع، وتأجيل الاستثمار في الفكر السوري المشترك لصالح حسابات أمنية وتحالفات ظرفية، هذا المسار عمّق سوء الفهم، وترك فراغًا استثمرته مخاوف قديمة ودعايات جاهزة.
الخلل هنا غير متكافئ أخلاقيًا، الخطاب العربي السوري أخطأ من موقع وصائيّ يتمثّل في امتلاك الدولة ورمزيتها وأدواتها، فيما أخطأ الخطاب الكُردي من موقع دفاعي حِمائيّ تشكّل تحت الضغط.
غير أنّ استمرار الدوران في هذه الحلقة يُبقي الأزمة مفتوحة، والخروج منها يمرّ عبر مراجعة مزدوجة تتمثّل في تفكيك الامتيازات الرمزية في المركز، والتخلّي عن الاكتفاء الذاتي في الهامش، والعودة إلى سؤال واحد لا يقبل المراوغة وهو: كيف تُبنى سوريا تتّسع للجميع، من دون طلب إذن، ومن دون مِنّة أو شروط اندماج قسرية، ومن دون تحويل الخوف إلى سياسة دائمة؟
كيف يمكن تحويل هذا النقد المتبادل إلى حلول سياسية وقانونية تُعيد تأسيس العلاقة الوطنية على أسس جديدة؟
التحويل يبدأ حين ينتقل النقد من مستوى الأخلاق العامة إلى مستوى العقد السياسيّ والاجتماعيّ، وذلك عبر نص دستوري واضح يعترف بالتعدد القومي واللغوي ويضمنه عمليًا، لا عبر شعارات، وعبر قوانين تعليم وثقافة تُعيد الاعتبار للغات المكونات، وتفتح المجال للإعلام والنشر بها، ضمن معايير دولة حديثة، وآليات عدالة انتقالية تعالج آثار سياسات الإقصاء، وملفات انعدام الجنسية، التمييز، تغيير البنية السكانية، مصادرة الأرض، وأذى الأجهزة الأمنية، ولامركزية إدارية منتخبة تضمن المشاركة والموارد، مع رقابة شفافة تمنع تحويل اللامركزية إلى إقطاعيات.
وقوانين ضدّ الشوفينية أينما ظهرت، عربية كانت أو كردية أو غير ذلك، عبر قانون أحزاب وإعلام وخطاب كراهية واضح، كما أنّ الحلّ يحتاج إلى شجاعة ثقافية أيضًا، وإلى إعادة كتابة سردية وطنية تتسع للكرديّ والعربيّ والسريانيّ والآشوريّ والتركمانيّ والدرزيّ وسواهم، على قاعدة أن سوريا ملك لجميع أبنائها، لا ملك هوية واحدة.
ما الذي يتيحه الأدب لفهم العلاقة العربية–الكردية ولا تتيحه اللغة السياسية؟
الأدب، حين يكون وفيًّا لوظيفته المعرفية والأخلاقية والقيميّة والإنسانيّة، يملك القدرة على كشف ما تعمّدت السياسة إخفاءه، وعلى تسمية ما جرى تطبيعه باعتباره “تفصيلًا غير مهمّ”، غير أنّ المشكلة في الحالة السورية لا تكمن فقط في قصور اللغة السياسية، وإنما في تقاعس جزء واسع من الأدب السوريّ عن الاقتراب أصلًا من المسألة الكردية.
من الصعب تبرير صمت روائيين سوريين كتبوا عشرات الروايات عن الظلم والسجن، والمدينة، والريف، والهامش، والانكسار، ثم مرّوا على المسألة الكردية والوجود الكرديّ وكأنهما غير موجودين، هذا الصمت لا يمكن قراءته كصدفة جمالية أو كخيار بريء، وإنما كامتداد ثقافيّ لمنظومة إنكار أوسع، حين يغيب الكُرد عن السردية السوريّة، لأن الكاتب لم يعتبرهم جزءًا من عالمه وواقعه، يصبح الأدب شريكًا في الإقصاء، حتى إن لم يقصد ذلك.
الأدب يتيح فهم العلاقة العربية – الكردية حين يقترب من الحياة اليومية، من المدرسة، من الحيّ، من اللغة المتداولة، من الخوف الصغير، من النكتة الجارحة، من الصمت المتواطئ، لكنه يفشل حين يختار السلامة، وحين يكتفي بتعميمات مريحة، تُنتج عالمًا متخيّلًا خاليًا من التعدّد، تراه في هذه اللحظة، يتحوّل من أداة كشف إلى أداة محو ناعم.
اللغة السياسية فظّة ومباشرة، وهذا مفهوم، لكن من غير المقبول أن يتبنّى الأدب هذا العمى، أو أن يكرّسه عبر تجاهل مكوّن كامل من المجتمع، حين يكتب الروائيّ عن سوريا من دون الكرد، فهو لا يكتب سوريا، وإنما نسخة منقوصة عنها، مهما بلغت مهارته التقنية أو لغته الجمالية. ويكشف كذلك مساحات التماس الإنسانية التي تتجاهلها السياسة، حيث صداقات، مصاهرات، شراكات عمل، خوف مشترك من السجن، حنين مشترك إلى مكان آمن، ومن هنا تأتي قوة الأدب، من قدرته على تفكيك “نحن” و”هم” عبر إعادة كلّ طرف إلى هشاشته البشرية، وإلى تاريخه الشخصي، وإلى جرحه الخاص، لا إلى شعاره وخوفه وتقوقعه على ذاته.
إلى أي حد يمكن للسرد الأدبي أن يسهم في بناء ذاكرة سورية مشتركة، تتجاوز الانقسام القومي والتاريخ السياسي القريب؟
لا يمكن للسرد الأدبيّ أن يسهم في بناء ذاكرة سورية مشتركة ما دام جزء كبير منه يتصرّف كأنّ الذاكرة الكردية شأن جانبي، أو كأنّها ذاكرة محلية لا تستحقّ الدخول في المتن، فالذاكرة المشتركة لا تُبنى عبر التجاهل، أو الصمت واختزال سوريا في سردية/ مظلوميّة واحدة، مهما بدت هذه السردية إنسانية أو نقدية في ظاهرها.
حين تقرأ الكثير من الأعمال السورية ولا تعثر فيها على أثر للكُرد، لا كشخصيات، ولا كأماكن، ولا كلغة، ولا كجرح، يصبح السؤال مشروعًا، عن أي ذاكرة مشتركة نتحدّث؟ يقينًا أنّ الذاكرة؛ أيّة ذاكرة، لا تُبنى عبر محو الذاكرات الأخرى، ولا عبر التعامل معها كهوامش فولكلورية أو كقضايا سياسية “غير أدبية”.
السرد قادر على المساهمة في بناء ذاكرة مشتركة منفتحة على الآخر، وهذا النوع يملك شجاعة إدخال التعدّد إلى قلب الحكاية، لا إلى هوامشها، لذلك فإنّنا نحتاج إلى سرد يضع المأساة الكُردية داخل السياق السوري العام من دون تذويبها، ويضع المأساة السورية العامة من دون إنكار خصوصياتها.
السرد قادر على إعادة “الأرشفة” إلى الحياة اليومية، أن يحفظ أثر الشفاهة التي صنعت موسيقى الكُرد وأغانيهم وذاكرتهم، وأن يحفظ أثر التهميش المؤسساتي الذي جعل مئات المثقفين الكرد على الهامش العربي، حضورًا يُستدعى أحيانًا كتكحيل/ تزيين رمزيّ لا يغيّر بنية المشهد. في هذا المستوى، الأدب لا يقدّم حلًا سياسيًا جاهزًا، لكنه يقدّم ما تحتاجه السياسة كي تتطهّر من عماها أو تعاميها لتتمكّن رؤية الإنسان، ورؤية الضرر، ورؤية التاريخ كما عاشه الناس لا كما كتبته أو تكتبه السلطة.
ما جرى في كثير من النتاجات الأدبية السوريّة هو إنتاج ذاكرة انتقائية، تُدين السلطة في مستوى، وتعيد إنتاج منطقها الإقصائي في مستوى آخر، هذا التناقض أضعف قدرة الأدب على لعب دوره التاريخيّ، وترك فراغًا أخلاقيًا ومعرفيًا وإنسانيًّا كبيرًا. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود استثناءات محدودة لكتّاب سوريين اقتربوا من المسألة الكردية بصدق أخلاقيّ وإنسانيّ، وتعاملوا معها باعتبارها جزءًا من نسيج البلاد، وليس كموضوع غريب أو طارئ.
هذه المحاولات، على قلتها، تُثبت أنّ الاقتراب كان ممكنًا، وأنّ الصمت الواسع لم يكن حتميًا ولا بريئًا، غير أنّ محدودية هذه الاستثناءات تؤكد حجم التقصير العام، وتعيد طرح السؤال الأخلاقي على الأدب السوري باعتباره كلًّا متكاملًا: لماذا ظلّ حضور الكُرد في السرد مرهونًا بشجاعة أفراد، لا بخيار ثقافيّ جامع؟
