رغم استمرار تعثر بعض بنود المرحلة الأولى، أعلنت الولايات المتحدة رسميًا انطلاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في غزة، مع تشكيل لجنة فلسطينية تكنوقراطية تتولى إدارة القطاع.
وأكد ستيف ويتكوف، المبعوث الخاص للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، أن هذه المرحلة الجديدة “تؤسس إدارة فلسطينية تكنوقراطية انتقالية في غزة” وتدشن العمل على نزع سلاح الفصائل وإعادة إعمار القطاع.
جاء التحرك الأمريكي بالتنسيق مع الوسطاء الإقليميين (مصر وقطر وتركيا)، الذين وصفوه بالتطور المهم نحو الاستقرار وتحسين الوضع الإنساني في غزة.
التركيز على نزع السلاح دون انسحاب
تعرضت المرحلة الأولى لانتكاسات أبرزها الخروقات الإسرائيلية العسكرية وعدم التزام الاحتلال بالبروتوكول الإنساني بالكامل وفتح المعابر، إذ أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة ارتكاب الاحتلال 1244 خرقاً خلال المرحلة الأولى خلفت 449 شهيدا و1246 جريحا.
⛔ مع الإعلان عن دخول المرحلة الثانية: 1244 خرقاً ارتكبها الاحتلال “الإسرائيلي” خلال المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار خلفت 1760 شهيداً وجريحاً ومعتقلاً.
البيان باللغتين العربية والانجليزية في التعليقات. pic.twitter.com/62LstomNM0
— د. إسماعيل الثوابتة #غزة (@ismailalthwabta) January 15, 2026
وتشمل المرحلة الثانية قضايا شائكة على رأسها نزع سلاح حركة حماس وفصائل المقاومة الأخرى، وهي مهمة ما زالت تفتقر إلى آلية واضحة وتلقى رفضا من أطراف فلسطينية.
وتشير خطة ترامب إلى ضرورة نشر قوة حفظ سلام دولية في غزة للمساعدة في تحقيق هذا الهدف، لكنها ما تزال تثير خلافات أيضا أبرزها رفض “إسرائيل” مشاركة دول بعينها أبرزها تركيا وقطر.
وبدورها، أعلنت حركة حماس مرارًا أنها لن تتخلى عن سلاحها إلا في إطار حل شامل يضمن قيام دولة فلسطينية، وهو ما يسلط الضوء على تعقيدات تنفيذ هذا البند. في المقابل، تربط “إسرائيل” أي انسحاب عسكري إضافي من القطاع بالتقدم في الملف المذكور.
ونقلت هيئة البث الإسرائيلية “كان” عن مسؤولين أنه لن يجري الانسحاب من ما يسمى “الخط الأصفر” شرق قطاع غزة (53٪) قبل إحراز تقدم في ملف نزع السلاح.
والمثير للانتباه أن إعلان ويتكوف عن المرحلة الثانية ركز على نزع سلاح حماس وترتيبات الحكم والإعمار، دون أي إشارة إلى انسحاب إسرائيلي من غزة.
لجنة فلسطينية لإدارة غزة
انطلقت خطة المرحلة الثانية بالإعلان رسميا عن تأسيس لجنة إدارة فلسطينية من التكنوقراط لتولي شؤون الحكم المدني في غزة خلال الفترة الانتقالية.
تتألف اللجنة من 14 عضوًا على أن تعمل تحت إشراف ما يسمى “مجلس السلام” بقيادة ترامب وشخصيات دولية سيتم تسميتها قريبًا. وحظي تشكيلها بدعم الأطراف الرئيسة وأبرزها حركتي حماس وفتح.
ومن المقرر أن تضطلع بإدارة الخدمات العامة وتنسيق جهود الإغاثة العاجلة لأكثر من مليوني فلسطيني في القطاع المنكوب، بما في ذلك توفير المأوى للنازحين وإصلاح البنية التحتية المدمرة.
وتواجه اللجنة مهمة جسيمة، إذ دمرت الحرب ما يقارب 90% من البنية التحتية في غزة فيما تُقدر الأمم المتحدة تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 50 مليار دولار، مع توقع أن تستغرق العملية سنوات طويلة.
ومن المنتظر أن يعقد أعضاء اللجنة اجتماعهم الأول في القاهرة خلال أيام لوضع هيكلية العمل وترتيبات الدعم اللوجستي، بعد وصول أعضاء غزة للالتقاء بنظرائهم القادمين من الضفة والخارج.

أعضاء اللجنة ومسؤولياتهم
تضم اللجنة مزيجًا من الكفاءات الفلسطينية في مجالات الإدارة والاقتصاد والخدمات، مع توزيع واضح للملفات على أعضائها البارزين. وفيما يلي نظرة على أبرز أعضاء اللجنة ومهامهم وخلفياتهم:
-
علي شعث – رئيس اللجنة: مهندس وخبير تنموي شغل منصب وكيل وزارة التخطيط في السلطة الفلسطينية سابقًا، وقاد مشاريع تطوير المناطق الصناعية في القطاع.
-
عايد أبو رمضان – ملف الاقتصاد والتجارة: رئيس غرفة تجارة وصناعة غزة، سيتولى تنشيط عجلة الاقتصاد المحلي وإعادة تأهيل القطاع الخاص.
-
جبر الداعور – ملف التعليم: أكاديمي يرأس جامعة فلسطين في غزة، سيشرف على إعادة تشغيل المؤسسات التعليمية وتعويض الفاقد التعليمي جراء الحرب.
-
بشير الريّس – الملف المالي: مستشار هندسي ومالي سيضطلع بإدارة المالية العامة وضبط الإنفاق والإشراف على أموال الإعمار القادمة للقطاع.
-
عبد الكريم عاشور – ملف الزراعة: رئيس جمعية الإغاثة الزراعية وناشط مجتمعي، تقع على عاتقه مهمة إنعاش القطاع الزراعي المنهار بفعل التجريف والتدمير الشامل للأراضي.
-
عائد ياغي – ملف الصحة: مدير جمعية الإغاثة الطبية في غزة، سيقود جهود دعم النظام الصحي شبه المنهار وتأمين الإمدادات الطبية للسكان.
-
عمر شمالي – ملف الاتصالات: مدير شركة الاتصالات الفلسطينية (بالتل) في غزة، مسؤول عن إعادة بناء وتشغيل شبكات الاتصالات والإنترنت الحيوية.
-
علي برهوم – ملف البلديات والخدمات العامة: مهندس ومستشار لبلدية رفح، سيشرف على إعادة تأهيل خدمات المياه والصرف الصحي وإدارة المشاريع البلدية ومرافق الإسكان المؤقت.
-
هناء ترزي – ملف التنمية الاجتماعية: محامية مخضرمة تُعد أول سيدة مسيحية تمارس المحاماة في غزة، ستتولى ملفات الشؤون الاجتماعية ودعم المرأة والأسرة في ظل الظروف الإنسانية الصعبة.
-
محمد بسيّسو – ملف القضاء: محامٍ بارز وصاحب أحد أكبر مكاتب المحاماة في غزة، سيتولى إعادة تفعيل المنظومة القضائية وضمان سيادة القانون خلال المرحلة الانتقالية.
-
اللواء سامي نسمان – ملف الأمن الداخلي: قائد أمني متقاعد من أجهزة السلطة الفلسطينية، سيتولى شؤون الداخلية والشرطة بالتنسيق مع القوى المحلية. يُعرف بمواقفه المعارضة لحماس منذ سيطرتها على غزة.
-
عربي أبو شعبان – ملف الأراضي: مدير دائرة التسجيل العقاري سابقًا في غزة، سيترأس إدارة سلطة الأراضي ومتابعة إعادة ترتيب سجلات الملكية وتعويض المتضررين.
-
أسامة سعداوي – ملف الإسكان والأشغال: مهندس ورجل أعمال شغل منصب وزير بحكومة رام الله سابقًا، كُلّف بإدارة مشاريع الإسكان وإعادة الإعمار وتنسيق جهود البناء والترميم للمنازل والمرافق المهدمة.
-
حسني المغني – ملف شؤون العشائر: شخصية معروفة بدوره في لجان الإصلاح العشائري (يُلقب بأبو سلمان)، سيتولى التواصل مع وجهاء العائلات والعشائر للمساهمة في حفظ الاستقرار الاجتماعي وحل النزاعات الداخلية.

التحديات أمام اللجنة
تشير تقارير إلى أن ثلاثة على الأقل من أعضائها – وفي مقدمتهم رئيس اللجنة علي شعث – محسوبون على ما يسمى “التيار الإصلاحي” داخل حركة فتح بزعامة القيادي المفصول من الحركة محمد دحلان. وإلى جانب شعث، يُعرف كل من الأكاديمي جبر الداعور والشخصية العشائرية حسني المغني بقربهما من تيار دحلان المدعوم إماراتيًا.
أثار ذلك مخاوف لدى بعض الأوساط الفلسطينية نظرًا للخلافات القديمة بين دحلان وكل من قيادة حركة حماس والسلطة الفلسطينية على حد سواء. وفي المقابل، يُنظر إلى اللواء سامي نسمان – المكلف بالملف الأمني – كأحد أشد خصوم حماس وقد غادر غزة إلى الضفة الغربية بعد سيطرة الحركة عام 2007.
وجود هذه الشخصيات قد يُعقّد مهمة اللجنة في كسب ثقة حماس التي وإن وافقت على تسليم الإدارة المدنية، تبقى متوجسة من إقصائها أومن نفوذ خصومها في التشكيلة الجديدة، فحماس، رغم إعلانها التخلي عن حكم غزة إداريًا، طالبت بأن يحتفظ كوادرها الإداريون بدور في تسيير الأمور، وهو ما رفضته الأطراف الأخرى المشاركة.
أما حركة فتح، فقد أكدت بدورها ضرورة أن تستمد اللجنة شرعيتها وعملها بالتنسيق مع حكومة رام الله لتفادي تعميق الانقسام. من جهة أخرى، رحبت “تل أبيب” بحذر بتسمية شخصيات “معتدلة” معظمها من كوادر فتح المعروفة لديها، حيث أفادت مصادر لـ”يديعوت أحرونوت” بأن الأسماء المطروحة “مقبولة لدى إسرائيل” لكونها تشبه مسؤولي السلطة الذين تتعامل معهم، وبعضهم يقيم في الضفة الغربية.