ترجمة وتحرير نون بوست
مرّت ثمانية عشر يومًا منذ اندلاع الاحتجاجات في طهران، والتي أشعلتها الأزمات الاقتصادية التي أثّرت بشدة على قدرة الإيرانيين على تلبية أبسط احتياجاتهم.
سرعان ما امتدت الاحتجاجات إلى مدن أخرى، لتتحوّل المطالب الاقتصادية إلى هتافات تدعو إلى إسقاط النظام.
وإلى جانب الاضطرابات، تصاعدت أيضًا معركة إعلامية. تقوم كلٌّ من الحكومة ووسائل إعلام ناطقة بالفارسية موالية للملكية ومدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، بتداول أخبار كاذبة ومضللة، إلى جانب صور ومقاطع فيديو تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي.
وأدى انقطاع الإنترنت على مستوى البلاد، والذي بدأ في 8 يناير/ كانون الثاني، إلى صعوبة التحقق من صحة المقاطع والتقارير الصادرة عن الطرفين.
ومع ذلك، يسعى موقع “ميدل إيست آي” إلى تقديم أوضح رواية ممكنة حول الاحتجاجات وحملة القمع الدامية، لا سيما منذ انقطاع الإنترنت.
يعتمد هذا التقرير على مقابلات مع شهود عيان من داخل إيران، ومواطن إيراني غادر البلاد مؤخرًا، إضافة إلى محللين من وسائل إعلام فارسية في المنفى، وخبراء في مجال حقوق الإنسان.
بداية انقطاع الانترنت
عندما بدأ انقطاع الانترنت في 8 يناير/ كانون الثاني، خشي العديد من الإيرانيين من تكرار ما حدث في احتجاجات سابقة: بمجرد انقطاع الإنترنت، يتدخل الجيش وتبدأ عمليات القتل. وقد تكرر هذا النمط في 2017 و2019 و2022.
وقال مصدر شارك في مظاهرة بمنطقة “طهران بارس” في العاصمة يوم 8 يناير/ كانون الثاني لموقع “ميدل إيست آي”، أنه في البداية كان هناك “غياب ملحوظ لقوات مكافحة الشغب أو القوات الأخرى”.
لكن بمجرد أن تجمعت الحشود وبدأت تردد هتافات ضد النظام، بدأ إطلاق النار فجأة واستمر حتى منتصف الليل.
وفي اليوم التالي، مع بداية عطلة نهاية الأسبوع، اندلعت مواجهات جديدة مع حلول المساء، حيث عاد المتظاهرون إلى الشوارع.
وقال مصدر آخر في طهران لـ”ميدل إيست آي” إنه رغم بقائه في منزله، كان يسمع أصوات إطلاق النار حتى وقت متأخر من الليل.

تقول منظمات حقوق الإنسان إن استخدام الذخيرة الحية يمثل تحولًا كبيرًا في رد فعل النظام.
اندلعت الاحتجاجات في إيران في 28 ديسمبر/ كانون الأول، وقد حاولت قوات الأمن في البداية السيطرة على الحشود باستخدام طلقات الخرطوش في المدن الكبرى، بما في ذلك طهران وأصفهان ومشهد.
حتى ذلك الحين، كان استخدام الذخيرة الحية يقتصر في الغالب على المدن الصغيرة التي اقتحم فيها المحتجون المباني الحكومية.
وأكد محمود أميري مقدم، مدير منظمة “حقوق الإنسان في إيران” ومقرها النرويج، أنه بعد قطع الإنترنت أصيب بعض المتظاهرين في البداية بطلقات الخرطوش، ثم قُتلوا بالذخيرة الحية.
المتظاهرون وقوات القمع
تشير شهادات شهود العيان ومقاطع الفيديو التي تحقق منها موقع “ميدل إيست آي” إلى أن الاحتجاجات تضم إيرانيين من مختلف فئات المجتمع.
ويشكّل الشباب غالبية المتظاهرين، لكن كبار السن والأطفال شاركوا أيضًا، وتقول منظمة حقوق الإنسان في إيران إن معظم القتلى كانوا دون سن الثلاثين.
وفي الأيام الأخيرة، تم نشر قوات الشرطة أولًا، تلتها أعداد كبيرة من قوات مكافحة الشغب، ثم عدد أقل من قوات الباسيج.
يتم استدعاء قوات الباسيج التابعة للحرس الثوري الإيراني، عند اتساع نطاق الاضطرابات، وغالبًا ما يرتدي عناصر الباسيج ملابس مدنية، ويتلقون تدريبًا عسكريًا، وقد سبق نشرهم في لبنان وسوريا.

في طهران، انتشرت وحدات خاصة تابعة للحرس الثوري الإيراني، وقد أطلقت هذه القوات معظم النيران الحية.
ويمتلك الحرس الثوري عدة فروع عسكرية واستخباراتية، ولديه وحدات متخصصة في لقمع الاحتجاجات في المدن الكبرى، في طهران، يتولى فيلق محمد رسول الله هذه المهمة.
وتُظهر صور ومقاطع فيديو التقطت في الأيام الأخيرة تورط قوات الحرس الثوري على نطاق واسع في قتل المتظاهرين.
كم عدد القتلى والمصابين والمعتقلين؟
لا يزال العدد الإجمالي للضحايا في الاحتجاجات الأخيرة غير معروف، يوم الثلاثاء، أفادت منظمة حقوق الإنسان في إيران بمقتل ما لا يقل عن 734 محتجًا، بينهم 12 طفلًا، وإصابة الآلاف، واعتقال أكثر من 10 آلاف شخص.
وقال مدير المنظمة إن هذه الأرقام تعكس فقط ما تم التحقق منه في ظل انقطاع الإنترنت، مشيرًا إلى أن الحصيلة الحقيقية يُرجّح أن تكون أعلى من ذلك.
وتشير روايات شهود العيان إلى أن الجثث قد تراكمت في ثلاجات المستشفيات.
ونقلت وكالة رويترز عن مسؤول إيراني رفض الكشف عن هويته قوله إن نحو 2000 شخص قد قُتلوا.

قال أحد أقارب روبينا أمينيان، الطالبة التي تبلغ من العمر 23 عامًا، والتي قُتلت في طهران يوم 8 يناير/ كانون الثاني، إن والديها شاهدا مئات الجثث عندما ذهبا للتعرّف عليها، معظمها لشباب تتراوح أعمارهم بين 18 و22 عامًا، أُطلق عليهم النار في العنق من مسافة قريبة.
ويُظهر مقطع فيديو من مراكز الجنائز في كهريزك بالقرب من طهران وجوه القتلى مغطاة بالدماء أو تحمل آثار طلقات نارية، كما يُظهر عشرات الجثث ملقاة في الشارع داخل أكياس سوداء.
وقد أكدت وسائل الإعلام الرسمية أيضًا سقوط عدد كبير من القتلى، لكنها قالت إنهم قُتلوا في “هجمات إرهابية”.
كما بثّت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية، وهي الشبكة التلفزيونية الرسمية الرئيسية في البلاد، تقريرًا على وسائل التواصل الاجتماعي يُظهر صفوفًا من الجثث داخل أكياس سوداء في مركز الطب الشرعي بطهران.
ماذا سيحدث لاحقًا؟
الرواية الرسمية التي يروج لها النظام في مواجهة الاحتجاجات هي أن مجموعة من المرتبطين بالولايات المتحدة وإسرائيل حوّلوا المظاهرات السلمية إلى أعمال شغب.
وقد اعتبر المسؤولون الاضطرابات امتدادًا لـ”حرب الـ12 يوما” في يونيو/ حزيران الماضي، والتي شنّت خلالها إسرائيل والولايات المتحدة هجمات على إيران باستخدام الطائرات المقاتلة والصواريخ، وأسفرت عن مقتل نحو ألف شخص.
ولتعزيز هذه الرواية، أشار المسؤولون مرارًا وتكرارًا إلى منشور على منصة “إكس” كتبه وزير الخارجية الأمريكي السابق مايك بومبيو في 2 يناير/ كانون الثاني، قال فيه: “سنة جديدة سعيدة لكل إيراني في الشوارع، وأيضًا لكل عميل من الموساد يسير بجانبهم..”.
وفي 11 يناير/ كانون الثاني، أعلنت الحكومة الحداد ثلاثة أيام على “الشهداء” الذين قُتلوا في الاضطرابات، وبينهم أفراد الأمن.
في اليوم التالي، حشدت السلطات مجموعات موالية لها للنزول إلى الشوارع في عدة مدن دعمًا للحكومة.
وقد استخدمت السلطات هذا الأسلوب في موجات سابقة من الاضطرابات، رغم أن مثل هذه المسيرات لم تساهم دائمًا في عودة المحتجين إلى منازلهم.
على سبيل المثال، استمرت احتجاجات طهران عام 2009، التي جاءت اعتراضًا على نتائج الانتخابات، لمدة ثمانية أشهر رغم تنظيم عدة مسيرات مؤيدة للحكومة.
من غير الواضح كيف أثّر قمع الاحتجاجات الحالية على المتظاهرين. لكن استخدام وسائل الإعلام الرسمية المكثف لمقاطع فيديو تُظهر القتلى يُشير إلى محاولة لممارسة ضغط نفسي وتخويف الناس بهدف إنهاء الاحتجاجات.
كتبت خبيرة الإعلام الإيراني نازلي كاموري على منصة “إكس”: “وسائل الإعلام التابعة للجمهورية الإسلامية تعرض عمدًا جثث ضحايا الاحتجاجات، ليس نتيجة لتسريب معلومات، بل كرسالة. جميع مؤسسات السلطة تعلنها صراحة: سنقتل، سنُعدم”.
وتقول منظمات حقوق الإنسان إن ذلك أثار مخاوف جدية بشأن تنفيذ أحكام إعدام سريعة بحق المعتقلين في الأيام الأخيرة.
وقد استخدمت إيران هذه الأساليب في اضطرابات سابقة، بينها احتجاجات عام 2022، وخلال حرب الـ12 يوما في يونيو/ حزيران الماضي.
ويوم الأربعاء، قال غلام حسين محسني إجئي، رئيس السلطة القضائية، خلال زيارة لسجن يُحتجز فيه متظاهرون، إن محاكمات علنية سريعة ستبدأ قريبًا.
المصدر: ميدل إيست آي