في 14 يناير/كانون الثاني 2026، أعلنت كل من مصر وقطر وتركيا عن الانتهاء من تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية المكلفة بإدارة قطاع غزة، في إطار المسارات المقررة لتنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، الذي جرى الإعلان عنه في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بمدينة شرم الشيخ المصرية.
وتأتي هذه اللجنة، التي ستتولى الإشراف على الحياة اليومية في غزة، كأحد بنود خطة الإدارة الأمريكية، التي اقترحها الرئيس دونالد ترامب، لإعادة تنظيم إدارة القطاع بعد حرب إبادية دامت أكثر من عامين، خلفت مئات الآلاف من الشهداء والمصابين وأدت إلى نزوح داخلي وخارجي واسع النطاق.
وجرى التوافق بين الوسطاء على تعيين الدكتور علي عبد الحميد شعث رئيسًا للجنة، معتبرين أن هذه الخطوة تمثل تطورًا مهمًا من شأنه دعم جهود تعزيز الاستقرار وتحسين الأوضاع الإنسانية في القطاع.. فماذا نعرف عن رئيس اللجنة وخبراته التي قد تؤثر في مسار إدارة غزة؟
علي شعث: ابن خان يونس
ولد شعث في محافظة خان يونس جنوب قطاع غزة عام 1958، وهو ينتمي إلى عائلة عريقة وعشيرة كبيرة لها دور بارز في العمل الوطني والسياسي، ويتبع غالبية أفرادها حركة فتح.
وتُعد عائلة شعث من أبرز العائلات الفلسطينية التي ساهمت على مدى عقود في تشكيل المشهد السياسي والثقافي والاقتصادي في فلسطين، ولا سيما في قطاع غزة، حيث ارتبط اسمها بالعمل الوطني والدبلوماسي وبرز منها علماء ومهندسون وسياسيون تركوا بصمة واضحة على الساحة العربية والدولية.
تعود أصول العائلة إلى مدينة خان يونس، وتُصنف ضمن النخبة المثقفة والسياسية في القطاع، وقد كانت تاريخيًا تمتلك الأراضي وتمارس التجارة قبل أن تتحول نحو التعليم الأكاديمي العالي في وقت مبكر من القرن العشرين.
ومع النكبة والظروف السياسية التي أعقبتها، تشتت أفراد العائلة في عدة مناطق، ما منحها امتدادًا إقليميًا واسعًا، مع وجود ثقل أساسي في خان يونس ومدينة غزة، وفرع كبير في مصر، إضافة إلى تواجد في رام الله ولبنان والأردن، وحضور ملموس في الولايات المتحدة وأوروبا.
برزت العائلة منذ بداياتها في العمل الوطني الفلسطيني، وكانت مرتبطة بحركة التحرير الوطني الفلسطيني (فتح) ومنظمة التحرير الفلسطينية، مع الحفاظ على صورتها كطبقة مثقفة وتكنوقراطية داخل هذه الحركات.
ومن أبرز الشخصيات التاريخية للعائلة د. نبيل شعث، القائد التاريخي ووزير الخارجية الفلسطيني الأسبق، ود. علي رشيد شعث، رائد التعليم والمشاريع الاقتصادية، والشهيد علي شعث، الناشط الرقمي وخبير تكنولوجيا المعلومات، الذي ترك إرثًا بارزًا في دعم المحتوى العربي والتكنولوجي قبل وفاته عام 2013.
الدراسة بين القاهرة وبلفاست
تنقل شعث في مسيرته الدراسية بين مصر وبريطانيا:
–حصل علي شعث على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية من جامعة عين شمس بالقاهرة عام 1982، ثم حصل على الماجستير عام 1986.
– نال الدكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة كوينز بالمملكة المتحدة عام 1989، وتخصص في تخطيط البنية التحتية والتنمية الحضرية.
خبرة طويلة في التخطيط التنموي
–يمتلك شعث خبرة طويلة في مجالات التخطيط التنموي، والتطوير الاقتصادي، وإعادة الإعمار، وتنمية البنية التحتية، وقد جمع في مسيرته المهنية بين العمل الحكومي في السلطة الفلسطينية والإدارة التنفيذية ومستشارات تنموية، حيث:
- أسهم في وضع الخطط التنموية الاستراتيجية للدولة الفلسطينية.
- أشرف على مشروعات حيوية تتعلق بالبنية التحتية وشبكات الطرق، ولعب دورًا مهمًا في إدارة وتطوير المناطق.
- يرجح أن تكون خبرته تلك في مجال التنمية وإعادة الإعمار هي التي رشحته لتولي رئاسة لجنة تكنوقراط غزة.
خبرة تنفيذية ومسار سياسي محدود
لم يكن لـ “شعث” خبرة سياسية كافية، فلم ينخرط رسميًا في أي كيان حزبي أو مؤسسي، لكنه تقلد عددًا من الوظائف التي زادت من خبراته الفنية والتنموية أبرزها:
- نائب وزير التخطيط والتعاون الدولي السابق نبيل شعث في بداية تأسيس السلطة الوطنية، وكان له دور في وضع الخطط والاستراتيجيات.
- وكيل وزارة النقل والمواصلات، وأسهم خلال تقلده لهذا المنصب في تعزيز البنية التحتية وشبكات الطرق. – الرئيس التنفيذي للهيئة العامة للمدن الصناعية الفلسطينية
- رئاسة مجلس الإسكان الفلسطيني.
- رئاسة سلطة المواني الفلسطينية.
- عضوًا في لجان مفاوضات الوضع النهائي عام 2005.
- مستشارًا للمؤسسة الفلسطينية للتنمية والإعمار (بكدار).
- مستشارًا لوزير وزارة الإسكان والأشغال العامة في السلطة الفلسطينية، رغم تقاعده.
ماذا عن لجنة التكنوقراط التي سيرأسها؟
تُعد اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، المعروفة أيضًا بـ”لجنة التكنوقراط” والتي يرأسها علي شعث، حجر الزاوية في ما يُعرف بـ”المرحلة الثانية” من خطة التهدئة وإعادة الإعمار، التي تم التوافق عليها في منتصف يناير 2026.
تتألف اللجنة من 15 عضوًا، جميعهم شخصيات وطنية مستقلة من قطاع غزة، وتهدف إلى توحيد الإدارة الخدمية بعيدًا عن التجاذبات السياسية والحزبية.
وتتركز مهمة اللجنة على إدارة “الأمور الحياتية” والتحضير لما بعد الحرب، عبر الإشراف على القطاعات الحيوية، بما يشمل وزارات الصحة والتعليم والحكم المحلي، لضمان استمرارية تقديم الخدمات الأساسية للسكان.
كما تتولى اللجنة ملفات الأمن الداخلي، إعادة الإعمار، واستلام الصلاحيات الإدارية من حركة حماس، إلى جانب التنسيق مع الشركاء الدوليين، إذ تعمل تحت إشراف “مجلس السلام” الذي يشرف عليه نيكولاي ملادينوف، وتنسق مباشرة مع المانحين والوسطاء الدوليين (مصر، قطر، تركيا، الولايات المتحدة).
إلى جانب علي شعث في منصب الرئيس، يبرز عدد من أعضاء اللجنة ذوي الاختصاصات التخصصية:
- اللواء سامي نسمان: مسؤول ملف الداخلية والأمن، شخصية أمنية مهنية يُعول عليها في إعادة هيكلة الأجهزة الشرطية المدنية في القطاع.
- عائد أبو رمضان: مسؤول ملف الصناعة والاقتصاد، خبير اقتصادي ورئيس سابق لغرفة تجارة وصناعة غزة، مهمته الأساسية إنعاش القطاع الخاص والأسواق المحلية.
- هناء ترزي: مسؤولة ملف الإغاثة والتضامن الاجتماعي، شخصية فاعلة في العمل الإنساني، وتنسق مع “الأونروا” والمنظمات الدولية لتوزيع المساعدات.
- نيكولاي ملادينوف: يشغل منصب المدير العام لمجلس السلام، ويقوم بتنسيق أعمال اللجنة على الصعيد الدولي وضمان تدفق التمويل والدعم اللازم لتنفيذ مهامها.
بهذا الشكل، تمثل اللجنة نموذجًا لإدارة مؤسسية مستقلة، تهدف إلى استقرار القطاع على المستويين المدني والاقتصادي، مع توفير قناة اتصال فعّالة بين السلطات المحلية والشركاء الدوليين لضمان نجاح مرحلة ما بعد الحرب.
ماذا عن الشرعية والغطاء الدولي؟
– حظيت اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة، وفي المقدمة منها رئيسها، بدعم رسمي من الرئاسة الفلسطينية، ممثلة بحسين الشيخ، الذي شدد على أهمية وحدة النظام وسيادة القانون في عملها. كما نالت اللجنة قبولًا واسعًا من الفصائل الفلسطينية خلال اجتماعات القاهرة في يناير 2026، ما منحها شرعية سياسية محلية إضافية.
– تُعد اللجنة نتاجًا لما يُعرف بـ«خطة ترامب» المعدلة للسلام، وتحظى بدعم قوي من مصر وتركيا، لضمان عدم عودة الفوضى أو تصاعد الصراع المسلح في القطاع.
– أكّدت الفصائل الفلسطينية ومن بينها حماس في بيان مشترك عقب اجتماع عقدته في القاهرة إنها “تدعم جهود الوسطاء في تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية الانتقالية لإدارة قطاع غزة، مع توفير المناخ المناسب لتسلم اللجنة بشكل فوري كافة مهام ومسؤوليات القطاع”
وقالت حماس مرارا إنها لا تسعى إلى أيّ دور في الإدارة المقبلة للقطاع وإنها ستكتفي بمراقبة سبل الحكم لضمان الاستقرار وتسهيل إعادة الإعمار.
– كما أعلنت الرئاسة الفلسطينية أيضا في بيان “دعمها تشكيل اللجنة الفلسطينية لإدارة قطاع غزة في هذه المرحلة الانتقالية”.
– بدأت اللجنة أولى اجتماعاتها الرسمية في القاهرة بتاريخ 15 يناير 2026، بهدف وضع «خطة الثلاثين يومًا الأولى»، والتي تركز على عدد من الأولويات الأساسية: فتح المعابر، تثبيت الأمن، وبدء إزالة الركام وإعادة الحياة للخدمات الأساسية في القطاع.
ما موقف “إسرائيل”؟
– أعلن جهاز الأمن القومي الإسرائيلي (الشاباك) موافقته على تشكيل اللجنة شعث، وذلك خلال اجتماع أعضاء المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية، حيث عرض رئيس الشاباك، ديفيد زيني، أسماء جميع الأعضاء على الحضور، موضحًا أن الأعضاء الـ15 لا ينتمون لحركة حماس، لكن لهم صلات واضحة بالسلطة الفلسطينية.
– في المقابل، كشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت” عن اعتراض وزير الأمن القومي الإسرائيلي، إيتمار بن غفير، على تولي شعث رئاسة اللجنة. فقد أشار بن غفير إلى أن شعث شغل منصب نائب وزير التخطيط في عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات، وهو عضو بالفعل في السلطة الفلسطينية، وهو ما دفعه لتسجيل اعتراضه أمام رئيس الشاباك خلال النقاش.
ورد زيني على اعتراضه بالقول إن شعث يستوفي المعايير التي وضعتها القيادة السياسية، فيما تساءل بن غفير ساخرًا: “ماذا يعني هذا؟ هل انتقل من مسؤول رفيع في السلطة الفلسطينية إلى ناشط في مجال حقوق الإنسان؟”
ردود الفعل الدولية
–الولايات المتحدة: اعتبرته واشنطن شريكًا “موثوقًا وغير مسيس” يمكن التعامل معه لإدارة المرحلة الانتقالية دون الاصطدام بعقبات قانونية تتعلق بالتعامل مع الفصائل، فيما وصفت وسائل إعلام أمريكية (مثل نيويورك تايمز) اختيار شعث بأنه جزء من “خطة السلام” المعدلة.
–الأمم المتحدة: أبدى المنسق الدولي لعملية السلام تفاؤله، معتبرًا أن “لجنة شعث” ستكون الذراع التنفيذية لـ “مجلس السلام” الدولي المقترح للإشراف على غزة.
في المحصلة.. يُنظر إلى علي شعث في هذه اللحظة كـ “رجل المرحلة الصعبة”؛ فهو الشخصية التي توافقت عليها أطراف متناقضة (حماس، السلطة، الوسطاء، والإدارة الأمريكية) على طاولة واحدة، بالرغم من أن نجاح لجنته يبقى رهنًا بمدى استدامة وقف إطلاق النار وتدفق الدعم المالي.