وقف الشيخ أسامة الرفاعي، بين مجموعة من علماء الدين مع إعلان الرئيس أحمد الشرع تشكيل مجلس أعلى للافتاء في 28 آذار/مارس 2025. لم يكن يتوقع أحد أن يجتمع هؤلاء معًا في يوم من الأيام.
المجلس ضم 14 شخصية متخصصة في العلوم الشرعية، فأعضاء المجلس يمثلون تيارين متخاصمين: التيار السلفي والتيار الأشعري (لم يكن مصطلح الأشعري متداولًا حتى وقت قريب) والذي يمثل الاتجاه السائد لدى معظم السوريين، هذه هي المرة الأولى التي يجمع فيها المجلس اتجاهين تجمعهما خصومة تاريخية، وما كان هذا ممكنا ولا متخيلًا، لأن المؤسسات الدينية في سورية منذ نشوء الدولة الوطنية كانت على خصومة رسمية مع السلفية، وتسعى بكل طاقتها لمحاربتها.
كانت السلفية في سورية في البداية تيارًا إصلاحيًا مناهضًا للتيار الديني الرسمي الحكومي، الذي كان في بدايته ماتريديًا وأشعريًا بحكم إرث الدولة العثمانية، وبرز فيه شخصيات لعبت دورًا مؤثرًا في تاريخ المنطقة، مثل جمال الدين القاسمي وعبد الرحمن الكواكبي.
لكن التيار السلفي (خصوصًا السلفية العلمية) ظل هامشيًا ومحصورًا في حدود نخبة من علماء الدين وبعض فروع جماعة الإخوان المسلمين (في دمشق وحلب)، ومعظم علماء الدين السلفيين هم من المنحدرين من المهاجرين الأرناؤوط والألبان في دمشق.
لكن طفرة حدثت بدءًا من الثمانينات بسبب العمالة السورية في الخليج أدت إلى انتشار التيار السلفي في البادية والأرياف، في شكل خاص المحافظات الأربعة: الرقة، دير الزور، حمص، درعا، بالإضافة إلى ريف حلب الشرقي، وظل التيار خارج المدن الكبرى، أو على شكل تيارات صغيرة غير قادرة على التكيف مع بيئة مخاصمة لها مدعومة بالمؤسسات الرسمية.
صعود الخطاب السلفي
بقي هذا الوضع إلى حين اندلاع الثورة عام 2011، حين أصبح الخطاب الجهادي السلفي جزءًا من المشهد في الصراع ضد نظام الأسد، ساهمت مجموعة من العوامل في صعود الخطاب السلفي لدى فصائل لم يكن لدى منتسبيها أو قادتها أي فكرة عن السلفية من قبل، فالعنف العاري الذي مورس ضد السوريين رفع خطاب التضحية والشهادة إلى المقدمة، وهذا دفع معه عناصر من الصلابة العقدية في مواجهة الموت.
ومع وجود تنظيمات جهادية سلفية كبيرة أصبح الخطاب السلفي أكثر انتشارًا، لكن ولادته في ظل الحرب لم يكن يعني أنه تجذر عميقًا في المجتمع، لكن بالتأكيد حصل تغيير في خارطة انتشاره ودخل عمق المدن التي كان إلى وقت قريب على هوامشها.
في الواقع لم يكن الجمع بين التيارين في مجلس الإفتاء الجديد هو انعكاس لهذا التغيير، بقدر ما هو انعكاس لدور هيئة تحرير الشام وإنجازها الكبير في قيادة عملية إسقاط النظام الهائلة، ولولا ذلك فإنه على الأغلب فإن مجلس إفتاء جديد سيكون مجرد امتداد لما قبله، فرئيس المجلس الشيخ الرفاعي كان يقود مناهضة الخطاب الديني للجهادية السلفية، بل إن المجلس الإسلامي ذاته الذي كان يرأسه الرفاعي تأسس عام 2014 في شكل رئيس لتحقيق أهداف رئيسية بينها هذا الهدف.
فعليًا يمثل مجلس الإفتاء الجديد كسر لخصومة دينية رعتها السياسات الحكومية خلال عقود طويلة، واعترافًا بالتغييرات الحاصلة في المشهد الديني، وهذه تمثل فرصة لجهة وجود خطاب أكثر تمثيلًا لتوجهات المجتمع، ويمكن أن يكون جزءًا من إعادة هندسة المشهد الديني في سورية.
إعادة هيكلة
تم حل المجلس عملياً بتشكيل مجلس الإفتاء لكن حله رسميًا تم بعد ذلك ببضعة أشهر على أساس أن المجلس انتهت وظيفته بعد إسقاط النظام، وإن كانت أهدافه المعلنة لا تنتهي بسقوط النظام، ولكن أراد مؤسسو المجلس وقادته أنه يستوعبوا المشهد ويدخلوا في بناء الدولة، فثمة حاجة متبادلة للدولة الجديدة إلى خطاب ديني جامع، لا يمكن لخطاب يمثل أقلية أن يقود المؤسسات الدينية منفردًا.
كان الرئيس الشرع مدركًا للبنية الدينية في سورية، وللإشكالية الكامنة في الخطاب السلفي الجهادي وقدرته على التكيف مع التحولات الجديدة والكبرى، وبالتالي قد يكون المزج بين الاتجاهين السلفي والأشعري طريق إجباري، من جهة يساعد على خطاب ديني مستقر يدعم الدولة، ومن جهة أخرى يحقق يدفع الخطاب السلفي للاعتدال.
لكن هذا لم يكن ليحصل بدون حساب دقيق، فقد عين الشيخ عبد الرحيم عطون مستشارًا للرئاسة للشؤون الدينية، وعين الشيخ أسامة الرفاعي رئيسًا للمجلس الأعلى للإفتاء واختير الشيخ أبو الخير شكري وزيرًا للأوقاف والشؤون الدينية، وشكري هو شخصية دمشقية معتدلة ومعروفة، وتحظى باحترام واسع.
وعلى الرغم من أن المجالس والمستشارين والمعاونين ضموا أعضاء من الاتجاهين إلا أن المنصبين الذين منحا لشخصيتين دمشقيتين قد يؤدي إلى تعميق الإحساس بالغبن لمدينة مثل حلب التي طالما شعرت أنها مهمشة في المناصب الدينية، وحين عين منصب مفتي الجمهورية من حلب عام 2004 كان شخصية مكروهة ولا تحظى باحترام وتقدير (أحمد بدر الدين حسون)، وأظهر أدائها لاحقًا أنها كانت مستعدة للشراكة في جرائم الإبادة.
لكن الواقع أنه في مدينة حلب وبعد وفاة الدكتور إبراهيم سلقيني لم تظهر شخصية تستحق منصب رئاسة مجلس الإفتاء وتحظى بشبه إجماع على التقدير والاحترام، خلافًا لدمشق، لكن في الشق الإداري كان هذا ممكنًا، غير أن وضع دمشق العاصمة التي تلعب مؤسساتها الدينية دورًا مركزيًا في تشكيل الخطاب الديني يتطلب بالفعل شخصية دمشقية تعرف بدقة خريطتها وشخصياتها وقادرة على التواصل معها وإنفاذ سياساتها، وفي النتيجة فإن هذا التوليفة على أرض الواقع ساعدت بالفعل على انخفاض التوتر في المؤسسات الدينية وعدم صعود خطاب ديني احتجاجي ضد السلطات الحكومية، إلا في حدود ضيقة.
على سبيل المثال نجحت المؤسسة الدينية في الحد من انتشار الأنشطة الدعوية التي تؤدي إلى تنامي التوتر في المجتمع، سواء ما كان منها التوتر الطائفي (كما في النشاط الدعوي الاستعراضي الذي يستهدف السكان المسيحيين في دمشق) أو انتقال الخصومات إلى المنابر أو إلى الشارع عبر ممارسات تشبه “هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” السعودية التي بدأت تنتشر في أحياء دمشق وحماة وحمص، وتم وقفها.
في الوقت نفسه عملت وزارة الأوقاف على إعادة هيكلة المؤسسات الدينية، وفي شكل رئيسي الخطباء والأئمة، في شكل عزل سياسي لشخصيات كانت موالية لنظام الأسد وتكليف آخرين، وعين مجلس الإفتاء مجالس فرعية جديدة في المحافظات، وأدى كل هذا إلى شيوع روح جديدة في تلك المؤسسات وتوجه عام ومتحمس لدعم حكم الرئيس الشرع.
ما النتائج؟
لا يتبين أن تغييرات جوهرية أدخلت على الخطاب الديني، على الرغم من الجمع بين طرفين مختلفين إلى حد الخصومة في بنية الأجهزة الحكومية المشرفة على إدارة المؤسسات الدينية، لكن لا يمكن تجاهل التغييرات السياسية، فقد منحت القيادات الدينية من العلماء والشيوخ وضعًا جديدًا في الحكومة ما أعاد لها بعض الهيبة والاحترام الذي افتقدته في ظل حكم البعث ونظام الأسد.
وأدت السياسات التي اعتمدت في تلك الحقبة إلى تطويع المؤسسة الدينية واستخدامها كأداة للإخضاع، وابتزاز المجتمع، ولكن اليوم ثمة شعور واسع بالارتياح أن المؤسسة الدينية تضم شخصيات وتتبع سياسيات مقبولة من المجتمع حتى ولو لم تعبر تمامًا عن توجهاته، هذا ما حول المؤسسة الدينية تتحول طوعيًا لدعم الحكومة بحماسة، خصوصًا في ظل توتر طائفي، وبالتأكيد الإجراءات التي قام مجلس الإفتاء ووزارة الأوقاف كان لها أثر حاسم، في هذا الاتجاه.
ماذا بشأن المسيحيين؟
المسيحيون يتناقصون، هذه حقيقة، الكثيرون منهم هاجروا خلال العقود الخمسة الأخيرة، وفي شكل أكبر في سنوات الثورة والحرب، خصوصًا بعد قتل المطرانين في حلب، وقتل الأب باولو، وشجعت بعض الأطراف الدولية على هجرتهم، لكن المؤسسة الدينية المسيحية في شكل خاص تعرضت للإخضاع، وكما تدخل نظام الأسد في المؤسسات الدينية الإسلامية فقد تدخل وتحكم بشكل مطلق في تعيينات رؤساء الكنائس والمراتب الدينية الأخرى عبر أجهزته الأمنية، وهذه السياسة تغيرت جذريًا، وساهم حرص الرئاسة السورية على إقامة علاقات طيبة وإزالة العوائق أمام المؤسسات الدينية المسيحية على اختلاف طوائفها إلى وقوفها خلف الحكومة، بدون سياسات إخضاع خشنة، كما كان يحدث من قبل، بل مدفوعة برغبة الحفاظ على المكاسب التي لم تتحقق لها من قبل، وحرص الحكومة على عدم إزعاجها بل وكسب ودها، وهذا ما يجعل لدعم الكنيسية النابع من قناعة ذاتية معنى مختلفًا، وصداه السوري والدولي مختلفًا أيضًا.
وبالرغم من أن كنيسة مار إلياس في الدويلعة تعرضت لتفجير أدى إلى مقتل نحو 22 شخصًا وجرح عشرات في حزيران/يونيو 2025 وكانت بمثابة زلزال لأقلية تتناقص كل يوم، وتخشى من الفناء، فإن السلطات الحكومية نجحت في امتصاص الصدمة، وعززت الثقة يها، وزاد من اطمئنان الكنيسة والمسيحيين عمومًا حادثة الانتحاري الذي فجر نفسه في رجل أمن أمسك به ورفض تركه رغم معرفته بالحزام الناسف الذي يرتديه الانتحاري الذي كان متجها لتفجير كنيسة في حلب ليلة رأس السنة.
في شأن الطوائف الأخرى
العلويون لم يستطيعوا استيعاب التغيير، ولم يكن للعلويين أساسًا مرجعية دينية موحدة، كما أن طبيعة الديانة السرية لا تسمح كثيرًا بتدخل الدولة لإدارتها أو تنظيمها إل في حدود دنيا، فلا تكاد توجد مؤسسات دينية للعلويين، وباستثناء الفرع المتشيع المرتبط بالإيرانيين لم يكن تكن ثمة مؤسسات دينية، كانت هناك مقامات تقام عندها بعض الطقوس. ما فعلته الحكومة هو الاكتفاء بمراقبة الخطاب الديني، وإحداث تغييرات في الأئمة والخطباء في المساجد التي تتبع العلويين المتشيعة، وهي إداريًا ملحقة بوزارة الأوقاف، والضغط على الرموز الدينية حين يتعلق الأمر بإثارة الفوضى أو ظهور خطابات طائفية أو مناهضة للسلطات الحكومية أو داعمة للفلول، عدا ذلك التأثير محدود في تشكيل المشهد الديني العلوي.
لكن لا يمكن نفي أن السياسات الحكومية التي نجحت في تخفيض التوتر لم تستطع السيطرة على الخطاب الديني العلوي أو كسب ولائه، والسبب مركب: أولًا عدم استيعاب العلويين لهزيمة نظام الأسد الذي ارتبطت مصالحهم ومعاشهم به، وثانيًا أحداث الساحل التي بثت الرعب في السكان وعززت عدم شعورهم بالأمان، وثالثًا حركة الفلول النشطة التي تعزز التوتر وتعمل على إشاعة خطاب سياسي مناهض للحكومة، وأخيرًا الدور الإيراني الذي دفع للواجهة رجل دين شبه مجهول ومحدود التأثير ليصبح زعيمًا مثل غزال غزال، عبر تأسيسي مجلس علوي ديني يسعى لقيادة الخطاب السياسي للطائفة وتوجيهه لمناهضة الحكومة وتصعيد التوتر في الساحل.
في النهاية تشكل مشهد ديني علوي جديد، زعامة علوية دينية/سياسية صاعدة، يحدد مستقبلها المآلات التي سينتهي إليها تنظيم قسد، والاحتضان الإيراني لها، وبالطبع السياسات الحكومية في الساحل لمعالجة الأوضاع الهشة هناك.
أما المشهد الديني لدى الدروز فإن التدخل الحكومي فيه كان معدومًا تقريبًا، ففي سعت الحكومة إلى إقامة جسر تواصل مع مشايخ العقل، وفي شكل خاص الحناوي ويوسف الجربوي فإن الأحداث التي جرت في السويداء أطاحت بها، ونمَّت الطموحات السياسية لشيخ العقل حكمت الهجري المرتبط بالإسرائيليين منذ أواخر عام 2023 ، وفي نهاية المطاف أدت الأحداث السياسية إلى تهميش شيخي العقل واستفراد الهجري، لكن هذا لا يقوض المشهد الديني تمامًا، لكنه يعزز من نفوذه، والذي يصعب التنبؤ يمآلاته، لأنه مرتبط بالتطورات السياسية، صحيح فشلت السياسيات الحكومية في استيعاب الهجري، ولكنها في الوقت نفسه لم تكن تمتلك هوامش كبيرة للتحرك والتأثير.
أخيرًا الشيعة السوريين، بالرغم من أنهم أقلية صغيرة، لكن الأحداث الكبرى التي لعب فيها شيعة إيران والعراق ولبنان والميليشيات التي شكلوها والتي انخرط عدد من أبنائها فيها، أخذت خطوة للوراء مع خروج الشخصيات الضالعة بالأحداث والارتباط بالإيرانيين، وبالنظر إلى ضآلة عدد أفرادها فإن متابعة السياسيات القديمة قد يؤدي لفنائها في أي حملة أو ردود فعل تخرج عن السيطرة، وفي نفس الوقت اتبعت الحكومة سياسيات استيعابية، ولم تحملها مسؤولية ما جرى، بل قامت بتوفير الحماية لها وللمراقد المقدسة لديها، ومنعت عملية تفجير لمقام السيد زينب، فظهر خطاب شيعي تصالحي ينأى بنفسه عن التوترات، ويسعى للبقاء والحفاظ على أمان الطائفة، وبطبيعة الحال اختفت الزعامات الدينية التقليدية للطائفة التي ظهرت في السنوات الأخيرة لأنها ارتبطت بالمشروع الإيراني، ما أدى إلى اختفاء الطبقة الدينية التي كانت تدير شؤون الطائفة.
أخيرًا،
هذا هو المشهد العام، ولا هو مشهد يعكس في شكل عام نجاحات السياسات الحكومية في صياغة المشهد الديني بما يساعد على نجاح المرحلة الانتقالية، والاستقرار لمدى بعيد، لكن هذا النجاح العام، يقابله فشل في المشهد الديني العلوي والدرزي، والمفتوح على تطورات واضحة المنحى، قيادة دينية تقود الخطاب السياسي وحركة التمرد ضد الحكم المركزي في دمشق، بما يتطلب من دمشق صياغة سياسات تجرد الزعامات الدينية من هذا الدور السياسي، وتحصر التعبير السياسي لأبناء الطوائف في أطر وهيكليات مختلفة، عبر المجتمع المدني أو عبر الأحزاب السياسية، لأن عدم وجود منافذ للتعبير السياسي سيؤدي إلى تكريس دور هذه الزعامات الدينية في السياسة.
