يشهد اليمن في المرحلة الراهنة واحدة من أكثر فتراتها تعقيدا منذ اندلاع الحرب، حيث تتقاطع الأزمات السياسية والأمنية والاجتماعية في مشهد متداخل يصعب فصل مكوناته عن بعضها البعض، فالتطورات المتسارعة التي شهدتها المحافظات الجنوبية، وما رافقها من تصعيد سياسي وعسكري وتبدلات في مواقف القوى المحلية والإقليمية، أعادت طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل الدولة اليمنية، وحدود المشاريع السياسية المتنافسة، ومدى قدرة بقية المناطق على تحييد نفسها عن هذه الصراعات.
وفي قلب هذه التساؤلات، تبرز المحافظات الشرقية – حضرموت والمهرة وشبوة – بوصفها مناطق تقف حتى الآن على مسافة من الانفجار السياسي الذي تشهده بعض المحافظات الجنوبية، ما يجعلها محط أنظار مختلف الفاعلين، ومحل اختبار حقيقي لقدرة الدولة على إدارة التنوع، والحفاظ على الاستقرار في بيئة شديدة الهشاشة.
ورغم أن هذه المحافظات لم تكن بمنأى عن تأثير الخطابات السياسية المتصاعدة، إلا أنها ظلت حتى اللحظة أقل انخراطًا في الصدامات المباشرة، مستندة إلى خصوصية اجتماعية وتاريخية، وبنية مجتمعية تميل إلى تغليب السلم الأهلي والمطالب الخدمية على الحسابات السياسية الحادة، غير أن هذا الواقع لا يعني غياب التحديات، بقدر ما يعكس مرحلة مؤقتة قد تكون قابلة للتغير في حال استمرار حالة الاستقطاب، أو فشل الدولة في تقديم نموذج مختلف لإدارة العلاقة مع هذه المناطق.
خصوصية اجتماعية تفرض مقاربة مختلفة
في قراءة رسمية للمشهد، يؤكد وكيل وزارة الإعلام د. فياض النعمان في حديثه لـ”نون بوست” أن الحكومة تتابع التطورات في المحافظات الجنوبية والشرقية بقدر عالٍ من الجدية والمسؤولية، مشيرًا إلى أن ما يجري في الجنوب لا يمكن عزله عن السياق الوطني العام، ولا عن تداعيات الحرب المستمرة منذ سنوات.
ويوضح النعمان أن المحافظات الشرقية تمثل نموذجا مختلفا في التعاطي مع الأزمة، حيث أسهم التماسك الاجتماعي والوعي السياسي في الحد من انتقال الصراعات إليها، رغم محاولات التأثير عبر الخطابات السياسية أو الاستقطابات الحزبية. ويضيف أن حضرموت والمهرة وشبوة لم تكن بمعزل عن هذه التأثيرات، لكنها اختارت – حتى الآن – مسارًا يقوم على التركيز على القضايا الخدمية والتنموية، ورفض الانجرار إلى صراعات قد تهدد السلم المجتمعي.
ويرى النعمان أن هذا الواقع يفرض على الدولة تبني مقاربة سياسية مختلفة مع المحافظات الشرقية، تقوم على الشراكة لا الهيمنة، والحوار لا الإملاء، والاعتراف بالخصوصيات المحلية ضمن إطار الدولة اليمنية الواحدة. ويؤكد أن إدارة التنوع لا تعني إضعاف الدولة، بل تمثل عنصر قوة إذا ما أحسن التعامل معها عبر سياسات عادلة وتشاركية.
ويشدد النعمان على أن منع انتقال الصراعات السياسية إلى المحافظات المحررة يبدأ بمعالجة جذور الأزمة في الجنوب، عبر حوار جاد وشامل، ودعم السلطات المحلية، وتعزيز دورها في الأمن والخدمات والتنمية، باعتبار ذلك خط الدفاع الأول عن الاستقرار.

خط الاستقرار الأهم للدولة
ورغم ما تتمتع به المحافظات الشرقية من استقرار نسبي، إلا أن هذا الاستقرار يظل هشا في ظل استمرار الحرب وتعدد المشاريع السياسية المتنافسة، فالأحداث الأخيرة في عدن وبعض مناطق الجنوب أعادت فتح النقاش حول موقع هذه المحافظات في أي تسوية سياسية قادمة، وحدود علاقتها بالمشاريع المطروحة تحت لافتة “القضية الجنوبية”.
عضو مجلس الشورى اليمني صلاح باتيس يرى أن التطورات الأخيرة كان لها أثر سلبي على المشهد الوطني، وكادت أن تمس بالمركز القانوني للدولة، فضلًا عن تهديدها للسلم الاجتماعي والأمن الإقليمي، خاصة في ظل ارتباط هذه المناطق بأمن دول الجوار وخطوط الملاحة الدولية في البحر العربي وخليج عدن ومضيق باب المندب.
ويؤكد باتيس في حديثه لـ”نون بوست” أن المحافظات الشرقية تاريخيا لم تكن جزءًا من المشاريع السياسية الصدامية التي برزت في الجنوب خلال السنوات الأخيرة، مشيرًا إلى أن هذه المحافظات تنظر إلى نفسها كشريك في الدولة الاتحادية المرتقبة، وفق المرجعيات الوطنية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني، لا كمناطق تابعة أو هامشية.
الشعب الجنوبي من باب المندب إلى المهرة متوافق على حق تقرير المصير ..
وأي مكون يطرح أهدافاً أخرى خارج هذا الحق ، فهو عملياً يخدم أجندات حزبية متطرفة ويقف ضد الإرادة الشعبية الجنوبية ..
عدن ، حضرموت ، يافع ، المهرة ، الضالع ، ردفان ، سقطرى ، شبوة .. بنسبة تتجاوز 95% ترفض أي مكون… pic.twitter.com/FYeHvdmQ14
— سامي الجعوني (@samialjaoni) January 18, 2026
ويحذر من محاولات فرض نماذج سياسية بالقوة، سواء تلك التي جرى تطبيقها في عدن أو صنعاء، معتبرًا أن تعميم هذه النماذج من شأنه تعقيد المشهد وزيادة الانقسام. ويضيف أن مطالب أبناء المحافظات الشرقية تتعزز في ظل الأحداث الأخيرة، لكنها تظل – بحسب قوله – مطالب مشروعة في إطار الدولة، تقوم على الشراكة العادلة وتوزيع السلطة والثروة، لا على العنف أو الإقصاء.
#عاجل | أمين عام مجلس شبوة الوطني : “كتلة الشرق” رقم صعب في المعادلة السياسية اليمنية
📌ناصر حبتور: إقليم الشرق اليمني أصبح “كتلة ثالثة وازنة” في المعادلة السياسية إلى جانب كتلة الشمال والجنوب.
📌ناصر حبتور: أبناء المحافظات الشرقية شرعوا في تنظيم أنفسهم وتوحيد رؤاهم عبر هياكل… pic.twitter.com/WTJff7k6pH
— مسار للإعلام Masar Media (@MasarMedia24) January 18, 2026
تجاذبات سياسية وجذور أعمق للأزمة
في المقابل، تعكس التطورات في المحافظات الجنوبية عمق أزمة سياسية واجتماعية تراكمت عبر عقود من غياب العدالة وضعف إدارة الدولة للتنوع، فقد أفرزت هذه الأزمة مطالب متعددة، تراوحت بين الحكم المحلي الموسع وحق تقرير المصير، ما جعل القضية الجنوبية واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المشهد اليمني.
المحلل السياسي حسن مغلس يرى في حديثه لـ”نون بوست” أن تصاعد خطاب المطالبة بالاستقلال لا يمكن فهمه بمعزل عن جذوره الحقيقية، موضحًا أن الانفصال لم يكن يومًا خيارًا قائمًا بذاته، بل نتيجة مباشرة لتراكم المظالم وفشل المركز في تحقيق العدالة الاجتماعية.
ويشير مغلس إلى أن اليمنيين قبلوا بالوحدة على أمل بناء دولة تحقق المساواة وتكفل الحقوق، إلا أن غياب العدالة عبر مراحل سياسية مختلفة، سواء قبل الوحدة أو بعدها، أسهم في شعور قطاعات واسعة بالتهميش. ويؤكد أن جوهر المشكلة ليس الجغرافيا، بل العدالة، وأن تحقيقها كفيل بتراجع كل دعاوى الانفصال.
وينتقد مغلس اختزال القضية الجنوبية في كيانات سياسية بعينها، معتبرًا أن فرض تمثيل احتكاري على مجتمع متنوع لا يؤدي إلا إلى تعميق الانقسام. ويدعو إلى حوار وطني شامل يضم جميع اليمنيين دون إقصاء، محذرًا من خطورة الخطاب المناطقي وما يحمله من تهديد للنسيج الوطني.
أمين عام مجلس شبوة الوطني ناصر بن حبتور لـ “الحدث”: يوم تاريخي لليمن والجنوب بعد إعلان حل “الانتقالي”.. والقضية الجنوبية ستعود إلى أهلها الحقيقيين#قناة_الحدث pic.twitter.com/z6G5WXoY0n
— ا لـحـدث (@AlHadath) January 9, 2026
مقاربة سياسية جديدة وتحولات محتملة
من جانبه، يرى رئيس المكتب السياسي للحراك التهامي السلمي محمد عمر مؤمن أن التطورات الأخيرة في الجنوب انعكست بشكل مباشر على المزاج السياسي العام، مؤكدًا أن جنوب اليمن يشكل محورًا بالغ الأهمية في الخارطة الجيوسياسية الإقليمية والدولية.
ويشير مؤمن في حديثه لـ”نون بوست” إلى أن الأحداث كشفت عن تجاذبات مصالح كبرى داخل التحالف العربي، وصلت في بعض مراحلها إلى حدود التصادم، معتبرًا أن موقع اليمن الاستراتيجي يجعل أي تطور داخلي ذا انعكاسات إقليمية مباشرة.
وفيما يتعلق بالمحافظات الشرقية، يؤكد مؤمن أن حضرموت تمتلك خصوصية اجتماعية وثقافية واقتصادية واضحة، وأن المرحلة المقبلة قد تشهد بروز خطابات سياسية تعكس تطلعات محلية لإدارة الشأن العام بقرار مستقل، خاصة في ظل تغير مواقف بعض الأطراف الإقليمية واتساع هامش حركة الفاعلين المحليين.

أبعاد إقليمية ودولية وموقف الانتقالي
تتجاوز أهمية المحافظات الجنوبية والشرقية البعد الداخلي، نظرًا لموقعها الاستراتيجي على خطوط الملاحة الدولية، ما يجعل أي اضطراب فيها محل اهتمام إقليمي ودولي متزايد. وفي هذا السياق، يؤكد المتحدث باسم المجلس الانتقالي الجنوبي أنور التميمي أن المجلس يتبنى خطابًا سياسيًا قائمًا على رفض احتكار قضية شعب الجنوب أو توظيفها ضمن رؤى أحادية لا تراعي المشروع الجمعي للجنوبيين، مشددًا على أن الدعوة إلى الاعتراف بحق تقرير المصير تمثل جوهر الإرادة الشعبية الجنوبية، ولا يمكن اعتبارها خطابًا إقصائيًا أو أحاديًا بأي حال من الأحوال.
وأوضح التميمي في حديثه لـ”نون بوست “أن مشروع المجلس الانتقالي الجنوبي هو مشروع جماهيري يعبر عن تطلعات أبناء الجنوب كافة، مشيرًا إلى أن ما يُعرف بالمراكز التقليدية للحراك الجنوبي، وفي مقدمتها حضرموت والمهرة، شكّلت منذ البداية الحاضنة الأساسية للمشروع الجنوبي، ومنها انطلقت شرارة الحراك الجنوبي، وشهدت أوسع عمليات التحشيد في الفعاليات المليونية.
وأضاف أن حضرموت والمهرة تدركان حجم الاستهداف الذي تتعرضان له، لا سيما من قبل شبكات نهب الثروات، فضلًا عن ما شهدتاه من محاولات ممنهجة لتجريف الهوية وإحداث تغييرات ديموغرافية قسرية، الأمر الذي جعلهما أكثر تمسكًا بالمشروع الجنوبي الفيدرالي بوصفه الإطار الضامن للحقوق والثروات والهوية.
وأشار التميمي إلى أن المجلس الانتقالي الجنوبي يبارك خطاب الخصوصية المحلية ويتبناه بوضوح، ويواجه به كل محاولات فرض الوحدة بالقوة أو بالمناورة السياسية أو عبر الاستقواء بالأطراف الإقليمية، مؤكدًا أن تعزيز الهويات المحلية لا يتناقض مع المشروع الجنوبي، بل يشكّل أحد أعمدته الأساسية في إطار الدولة الجنوبية الفيدرالية المنشودة.
وأوضح التميمي أن الحملات العسكرية والإعلامية المكثفة ضد المجلس الانتقالي لم تُضعفه، بل أسهمت في مضاعفة شعبيته، وأوجدت حالة التفاف جماهيري غير مسبوقة في مختلف محافظات الجنوب، وهو ما تجلّى بوضوح في الحشود الكبيرة التي شهدتها مدن المكلا وسقطرى والعاصمة عدن.
هل يعرف إخوتنا العرب خاصة في المملكة العربية السعودية، أن أهلنا في المحافظات الجنوبية خاضوا حروبا ضد الشمال اليمني خلال سبعينيات القرن الماضي لفرض الوحدة اليمنية بالقوة؟!
هذه تفاصيل لا تروى عادة عند الحديث عن الوحدة اليمنية، ولا عن سرديات الشمال والجنوب والشرق والغرب.
هي حقائق… pic.twitter.com/T00kBmzP2M
— همدان العليي (@hamdan_alaly) January 3, 2026
وأكد التميمي أن الجنوب يتميز بوجود تعددية سياسية حقيقية، على عكس بقية مناطق الجمهورية اليمنية، مشددًا على أن المجلس الانتقالي يعلن بوضوح أنه يمثل الصوت السياسي الداعي إلى استعادة الدولة الجنوبية، ويرحب في الوقت ذاته بأي مشروع سياسي آخر يُعرض على الشعب، شريطة الإقرار الصريح بمبدأ حق تقرير المصير، ليبقى القرار النهائي بيد الشعب الجنوبي وحده.